الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 761 الرجوع إلى "الرسالة"

Share

حول رسائل الصاحب بن عبار:

هذه كلمة اكتبها مضطرا تعليقا على مقال نشره بالرسالة  الغراء في عددها ٧٥٩ الأستاذ محمد خليفة التونسي فقد كتب  يصحح نصا ورد في الرسائل كما كتب يصحح فكرة اتصلت  باعتزال الصاحب.

ولو أنه كان يصحح نصا حقا واردا في الرسائل أو يصحح  فكرة جاءت حقا في مقدمتها ما كتبت هذه الكلمة إذ من حق  كل قارئ على ناشر لكتاب قديم أن يراجعه في صحة بعض  الألفاظ التي نشرها كما أن من حقه أن يراجعه في صحة بعض  أفكاره التي يقدم بها هذا الكتاب.

وهنا يظهر التناقض، فالأستاذ يصحح نصا في الرسائل

وليس في الرسائل، أو قل بعبارة اصح انه يصحح لفظه جاءت  في إحدى عبارات الرسائل وليست في الرسائل، وكذلك هو  يصحح فكرة نسبها الدكتور الأهواني إلى مقدمة الرسائل  أو بعبارة اصح إلى المدخل الذي وضع بين يديها، وليست  في المدخل.

أما اللفظة التي صححها الأستاذ التونيسي فقد سيقت فيما رواه  الدكتور الأهواني من قول الصاحب:   (وما في النعم اجل  موقعا واهنا مشرعا، من النعمة في القول بالحق والدعاء إليه،  والتدين به والبعث عليه، ومهانة من شبةالله بخلقة فتتابع في  جهلة او جورة في فعلة , فشك في  حسن نظره وطوله)  فقد  تصادف أن كلمة جهله اصابها خطا مطبعي فكتبت في مقال  الدكتور الأهواني هكذا:   (جهده)  وحينئذ رأينا الأستاذ  التونسي يفترض لها فرضين، فهي في رأيه أما أن تكون حقه  أو جهله، ورجع أن يكون اصلها   (حقه)  كما رجح أن تكوم كلمة      (فتتابع)   ليست كذلك وإنما هي     (فتتابع)   وأظنه يرى الآن

انه ليس هناك داع لكلمة حقه ولا لكلمة تتابع ولو رجع إلى  الرسائل نفسها في تحقيق هذه العبارة لكان في غنى عن كل  ما أورده في هذا الباب.

والمسألة الثانية التي حاول أن يصححها هي ما جاء على لسان  الدكتور الأهواني في مقاله عن اعتزال الصاحب إذ قال:  (نستطيع أن نطمئن إلى ما ذكره ياقوت عن  عزام بك والدكتور ضيف لا يطمئنان إلى أن الاعتزال (أكان هذا من عمله هو  أم من عمل الدولة، فقد كان عضد الدولة يذهب - فيما يظهر -  إلى الاعتزال   (وأخر كلام الدكتور الأهواني يوهم حقا أن  نظن أن اعتزال الصاحب يرجع إلى اعتزال سيده) .

ومن هنا ذهب الأستاذ الفاضل التونسي يتحدث تحت تأثير  هذا الوهم عن اعتزال الصاحب ولماذا نربطه باعتزال سيده،  ثم استطرد يتحدث عن صلة البويهيين بالاعتزال، وهو يشكر  على ما بذل في ذلك من جهد لكنا كنا نؤثر أن يعود إلى  مقدمتنا للرسائل اذن لعرف انه كان في غنى أيضاً عن كل  ما ساقه في هذا الباب.

وقد تكون العهدة في ذلك على الدكتور الأهواني الذي  كتب المقال الأول، ولكن ذلك لا يعفي الأستاذ التونسي من  حقنا عليه وهو أن يحاسبنا على ما نكتبه لا على ما يكتبه غيرنا  وإن بدا انه ينقل عنا.

والمسألة - يا سيدي - لم تكن مسألة اعتزال الصاحب  إنما كانت مسألة دعوة الصاحب إلى الاعتزال، فقد رأيناه في  الرسائل يدعو الناس إلى الاعتزال ولم نره يدعو إلى التشيع،  ومعروف أن البويهسسن كانوا متشيعين وكذلك كان الصاحب  متشيعا، والمعقول أن نجده يدعو إلى التشيع لا إلى الاعتزال،  وقد جعلنا ذلك نبحث عن صلة البويهيين بالاعتزال نوخاصة عضد  الدولة التي توجت الوسائل غالبا باسمه، ووجدنا آدم ميتز يقول  أن عضد الدولة كان يعمل على مذهب المعتزلة (راجع الحضارة  الإسلامية لآدم ميتز بل رجعنا إلى الأصل الذي أشار اليه، وهو

كتاب احسن التقاسيم في معرفة الإقليم للمقدس ص٤٣٩  ووجدنا النص هناك مضطربا لذلك قيدنا فكرة اعتزال عضد  الدولة وقلنا فيما يظهر، وأيضاً فأننا حاولنا أن نربط بين دعوة  الصاحب إلى الاعتزال وبين عضد الدولة فربما كان هو الذي  دفعه إلى ذلك ونحن نورد ما جاء بمدخل الرسائل في هذه  المسالة، جاء:

(وليس في الرسائل ما يدل أي دلالة على أن دولة بني بويه  كانت تدعو إلى التشيع. . ونحن نجد في الرسائل نزعة واضحة  إلى القول بالاعتزال والدعوة اليه، فقد جاء في الرسالة التاسعة من  الباب العاشر   (مولاي يتدين بتعديل ربه، ويعرف مواعق اللطف  من صنعه ولا يشك في اقتران الصلاح بفعله)  وتتكرر فكرة  التعديل هذه في الرسائل كثيرا، والغريب أن الصاحب لا يدعو  إلى التشيع في رسائله ويدعو إلى الاعتزال! وهناك رسالتان  طريفتان في الباب السابع عشر وهما نصان صريحان في انه كان  يبعث دعاة له إلى البلدان المختلفة يدعون الناس إلى الدخول في  مذهب المتعزلة، ولسنا ندري أكان هذا من عمله هو ام كان  عمل الدولة، فقد كان عضد الدولة يذهب - فيما يظهر -  إلى الاعتزال، ويعرف التاريخ صلة دائمة بين التشيع والاعتزال منذ  كانا. ويظهر أن التشيع اقترن في هذا العصر اقترانا تاما بالاعتزال  إذ كان أهل السنة يكرهون التشيع والاعتزال جميعاً).

وأظن قد اتضح الآن أننا لم نرجع اعتزال الصاحب إلى  سيده عضد الدولة أننا كنا بصدد مسالة اخرى هي مسالة دعوة  الصاحب إلى الاعتزال دعوة رسمية وهل كانت من عمله أو بتفويض  من سادته واكبر الظن أن السؤال لا يزال مفتوحا للإجابة عليه  وإن كنا نميل - كما يبدو من كلامنا - إلى أنه كان بتفويض  من سادته.

أما الصلة التي عرض لها الأستاذ الفاضل بين البويهيين  والاعتزال فلعله يوافقه على انه كان متسرعا في تفصيل الحديث  عنها وأنها في حاجة إلى بحث عميق واسع، وهو بحث يعتبر جزاء  من بحث اكبر وهو بحث الصلة بين المعتزلة والشيعة وخاصة  في القرن الرابع قرن الصاحب بن عباد.

وبعد فإني أنتهز هذه الفرصة لتحية أخي الأستاذ التونسي  مقدرا ما دعاه إلى كتابة مقاله من محبة البحث واستيفائه، وانه  ليشكر على أن أتاح لي هذه الفرصة لأصحح بعض ما جاء في مقال  صديقي الدكتور الاهواني وإن له الآخر مني اجمل الشكر  والثناء. . .

اشترك في نشرتنا البريدية