من حديث الشعر
قرأت مقال (من حديث الشعر) المنشور في العدد (٩٢٣) من مجلة الرسالة، ولقد كان الأولى أن يكون كتابا خاصا لأستاذ الجامعة المذكور، لا أن يطلع به كاتبه على قراء الرسالة فيقتضي منهم وقتا وجهدا ثم لا يظفرون من بطائل. وأشهد لقد حاولت أن أخرج منه برأي جديد يستحق النظر والدراسة ولكن يدي
أطبقت على الماء حين أيقنت أن صاحبه يدعو الناس إلى الكفر بالشعر ورسالته في الحياة، ويدعو الشعراء إلى نبذ الشعر والعزوف عن قرضه، مناشدهم أن يكتفوا بالكتابة العقلية، فإنه هو كان (شاعرا) إبان حياته الأدبية، ثم لما نضج لم يتسع شعره لأفكاره فتركه واعتبره ديدن الأمم البدائية. ويقول بالحرف الواحد (فهنيئا لمصر أن يضمحل فيها الشعر ويقل الشعراء) ، ربما كان ذلك نوعا من الغرور الذي يداخل الإنسان في كل ما تتناول يده، فإن هو رضي عن شيء أفرط في
حبه والدعاية له، وإن صدف عنه نبذه ودعا إلى نبذه ما استطاع. والذي أعرفه عن الأستاذ بسيوني أنه كان يعتبر شعره تنزيلا من التنزيل، ثم إذ نكص على عقبيه، وطلق الشعر لأنه (نضج) بدأ يحمل على الشعر وأهله.
الشعر جهل وسذاجة! من يقول هذا! ومن ذا الذي تطوع له بنفسه أن يتناول أمير الشعراء بأنه كان في شعره ينزع منزع الجهل والسذاجة؟ إن شوقي أن في شعره مؤرخا وعالما وفي النهاية (شاعرا) . . ثم هو في الثلاثة سابق لا يلحق. . .
وإذا تصفحت ديوانه ولو بالنظر العابر علمت إنه مرجع من مراجع التاريخ، فما تكاد تخلو قصيدة من قصائده من الحديث عنه. . وحتى رجل الشارع يدرك ذلك بما تغنيه أم كلثوم من فرائده. أنا أعلم أنه ربما فزع كثير غيري ثائرين على هذا المقال الذي لا تشفع له حرية الرأي، ولا أن الرسالة منبر حر يعنو لكل قائل وخطيب، فالقراء في غنى عن مثل هذه الآراء (المتعبة) التي قد يقصد صاحبها من ورائها الشهرة عن طريق الكتابة والردود والتعقيبات

