محنة التواضع:
أرأيت كيف تحال الفضائل في الزمن المعوج إلى محن تكاد أن تقارب الرذائل! أرأيت المجتمع الذي أشكلت عليه الأمور، فجعل بين الأضداد مشاكله!
أرايت التنافي بين الصفات جعل المرء محيرا بين أصالة الخلق وتكلف التخلق! هذا هو منطق الحياة الأخرس، لكن الناس استنطقوه فكان ذا (نشاز) وشذوذ!
إن التواضع طريق المحبة، ومنهج الألفة، ومشرق الأنس. لكن الناس فهموم فهما ملتويا، فألحقوه بالسذاجة، والمطاولة وعدم الاعتبار وضياع الشخصية، والمساواة في الأقدار! نرى الرجل الفاضل يتبسط في الحديث مع الحاهل السوقي، فيلوى الناقص رقبة ذليله جلس فوقها رأس خغيض فارغ! ونرى ذا القدر المحاط بالمهابة قد أزال الفوارق لينزل إلى المجتمع، فيجد من كان يتهيبه قد توعده، ومن يباعده داناه وطلب المساواة!
ونرى الكبير يأنس إلى الصغير بدعة طبعه، وصفاء سريرته ولطف معاملته، فنجد الشيطان قد أفرخ في روع غرور القميء انه معه على تساو، وتدفعه وقاحة الجرأة إلى مساجلته ومطاولته! فليس عجبا - بعد هذا التصوير - أن نسمي التواضع محنة؛ لأنه يجلب إلى صاحبه عنت القحة، وحطة السليقة، ورداءة التربية!
يجب ألا يكون الحصيف (على نياته) حتى لا يطمع فيه الذليل، ويبيح حرمه الرذل الفدم! الحياة سهلة، لكن ذوي الطبائع المعقدة جعلوها ذات تعقيد! والتواضع بين النظراء تسامح، لكنه مع الأخساء خسة! نرى أن نحيا في نور المثالية. . . لكنها اليوم ليس لها مثال! بور سعيد
