الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1000الرجوع إلى "الرسالة"

Share

معاهد للأمهات

حبذا لو أنشئت في مصر والشرق معاهد للأمومة، تتلقى  الأمهات بين جدرانها دروسا شتى في تربية أطفالهن، وينشئتهم  النشأة الصالحة التي يقوم عليها تكوينهم الشخصي السليم.

يدفعني إلى هذا التفكير ما يلاحظ على كثير من الأمهات  من أخطاء ملموسة في تنشئتهن أطفالهن وطبعهم بطابع يسوده  التعقيد والاضطراب والجبن والفزع ، والحيلولة بينهم وبين الحياة  الصحيحة التي يجب أن يشبوا عليها، ويندر أن تجد الأم الحازمة

التي تنشئ أطفالها على الشجاعة الأدبية والخلقية والاعتزاز  بالشخصية، والثقة بالنفس والاعتماد عليها، والتي تفتح أمامهم  منذ الصغر آفاقا فسيحة من الطموح والمثابرة والتنافس والإقدام. لا تزال بعض الأمهات يقفن عقبة صامدة في سبيل النضوج  الفكري والشخصي لأطفالهن ويعقن التفتق الذهني لهم،  محاولات أن يجعلن منهم آلات صماء تأتمر بأمرهن، وتتحرك  بإرادتهن، وتنشأ على الحياة التي توافق مزاجهن. أبصرت سيدة  ذات يوم تؤنب طفلها لأنه اختلس لحظات من وقته ليتصفح مجلة  للأطفال بحجة أنها تشغله عن استذكار دروسه، وبهذه الحجة  نفسها تحرم بعض الأمهات على أطفالهن أن يدنوا من المذياع أو  يتصفحوا أي نوع من الصحف والمجلات، وأبصرت بنفسي أما  تنهر طفلها في طريق عام فارضة عليه التزام الصمت وعدم الثرثرة،  وكان هذا عقابا له لأنه سألها شرح بعض المعلومات العامة البسيطة  التي لم يتسع ذهنه الصغير لهضم سرها، وأكثر من هذا ما تعمد  إليه بغض الأمهات من تكلف القسوة الدائمة على أطفالهن باسم  الأدب والتربية، ومن بث الروع في نفوسهم، وتهديدهم  بالمروعات والمفزعات ليشبوا على أكبر قسط من الجبن والهلع

لقد سمعت بنفسي إحدى الأمهات الجاهلات في طريق عام  تستعين بالشرطي ليحمل طفلها على الحد من بكائه، والخضوع  لأمرها بمتابعتها في سيرها، وما أكثر ما تخترع الأم الجاهلة من  الأسماء الفظيعة للأشباح المجهولة تروع بها أطفالها حتى يناموا إذا  لم يحل لهم النوم، وحتى يسكنوا إذا طابت لهم الحركة، وحتى  يصمتوا إذا عن لهم أن ينطقوا ويتكلموا

إن الطفل كالمعدن السائل تسهل صياغته وتكوينه، والأم  الجاهلة تستطيع أن تخلق منه سفيها عييا، وجبانا مضطربا،  ومخلوقا لا شخصية له، كما تستطيع الأم المتعلمة أن تخلق منه إنسانا  ذا شخصية فذة يفيد نفسه ووطنه وأمته. إن معاهد الأمومة من الأهمية بمكان، وسيكون لها أثرها  الفعال في خلق جيل من الشباب النافع الذي ينهض ببلاده ويصل  بها إلى ذروة المجد، فمتى يفكر المسؤولون في إنشائها؟، نأمل أن  يكون قريبا، والله الموفق

رمل الإسكندرية

اشترك في نشرتنا البريدية