منذ بضعة عشر أسبوعاً ، وقلم " كوفاديس " يعرض بسينما " مترو " بالقاهرة , بعد ان تقدمته الدعاية الواسعة العريضة ..الدعاية التي لم يسبق لها مثيل من قبل لأى فلم من الأفلام السينمائية , فقد حجزت إحدى الجرائد المصرية ذات يوم لهذا الفلم أربع صفحات , خصصتها للدعاية له ، ولها عذرها , فالجرائد والصحف فى مصر - إن لم تكن جميعها - فمعظمها لا ينظر إلا من الزاوية المادية التي يعيش لها ومن اجلها .....
وانجذابا إلى هذه الدعاية الواسعة العريضة " لكوفاديس" , تكبدت مشقة الوقوف أمام سينما " مترو " ساعة كاملة للحصول على تذكرة الدخول , وأردفتها يثلاث ساعات اخرى مع فلم " كوفاديس " الذائع الصيت .. ولم أكد انتهى من مشاهدته حتى آمنت بأن نفوذ أمريكا , بلغ حدا لا يطاق فى الشرق الأوسط والأقصى والأدنى , بالدرجة التي تجيز لها ان تلعب بمقومات الشعوب , وفى مقدمتها عقائدها شاهدت فلم كوفاديس انجذابا إلى دعايته العريضة الواسعة , فإذا هو دعاية سافرة من أوله إلى آخره على الطريقة الامريكية , ومن شأن هذه الدعاية السافرة أن تشوش على العقول , ويبلبل الأفكار . والنظارة من المسلمين يخرجون من السينما بعد مشاهدة " كو فاديس " وقد سحرهم الذوقى الفنى , والإخراج القوى , والحوار المبدع , دون أن يثيروا - حتى فيما بينهم وبين دخائل نفوسهم . عباراة واحدة من عبارات هذه الدعاية
أما الرأى العام الإسلامى فى مصر فلا يكترث كثيرا لهذه الأفلام التبشيرية الأمريكية , إذ انها صيحات فى واد ، ونفخ فى رماد , وستظل أسابيع أو شهورا أو أعواما ، وإن شاءت قرونا فلن تنال من عقيدة المسلمين شيئا .
إن التبشير الامريكى وباسم العلم والمروءة والإنسانية , لم يكتف باستغلال الطبقات التى تلجأ إلى معاهده ومدارسه وجامعاته ومصحاته , ولكنه أصر على أن يشترى ضمائر صنف من المثقفين المسلمين الذين حقنوا بالتربية الغربية ردحا من الزمن , ليأخذوا على عاتقهم - فى مقالاتهم ومحاضراتهم وندواتهم - تشكيك المسلمين فى المعانى الإسلامية الحية , والتنديد بالمقدسات الدينية , ورمى الإسلام بالتزمت والجمود والرجعية , وما إلى ذلك من الألفاظ المصطلح بينهم عليها
ومع هذا كله فالرأى العام الإسلامى لا يتحرك
ولايتكلم , معتمدا على قوة العقيدة الإسلامية , ولكن صمته سوف ينقد حين يدرك أن المعاني الإسلامية مضيق عليها ، وأن الإسلام الصحيح مراقب مراقبة دقيقة , لا يصل معها حتى إلى المسلمين أنفسهم .. وأن الفن الرفيع محرم عليه أن يتناول المعانى الإسلامية قلت أم كثرت !
هذا ما حدث فى فلم " ليلة القدر " للأستاذ حسين صدقي الممثل المعروف . ولعل الرأى العام الإسلامى لايدرى من أمره إلى اليوم شيئا , أو لعله يدرى ولكنه لا يقوى إلا على همسات بشأنه لا تتجاوز الشفاه , وآهات لا تتجاوز الحناجر , والأستاذ حسين صدقى صاحب رسالة فنية , لا يتخذ من الفن مهنة ينتزع بها القروش من الشعب المرهق المكدود , ولا يجعل من الفن مسلاة لعشاق الفوضى والمجون والتهريج , بل إنه ينتهج نهجا عاليا , يهدف من ورائه إلى رفعة الوطن وسمو المجتمع . وهو فوق هذا متدين محافظ , ويؤدى رسالته بقليه وروحه , كالمصلح الذى يبغى الإصلاح عن عقيدة راسخة وإيمان عميق , ولا عيب فيه إلامشاركة الشعب آلامه فيما ينتج من فن , ومشاركة المسلمين عواطفهم فيما يخرج للناس من أفلام , شاذا فى هذه وتلك عن الكثيرين من الفنانين المرتزقة الذين لا هدف لهم فى حياتهم الفنية سوى التهريج الرخيص وكفى ..
قدر لي ان أشهد عرض فيلم " ليلة القدر " قبل أن يزج به في زوايا الظلام , فوجدت الاستاذ حسين صدقى ينحو فيه ناحية إسلامية لم تطرق قبله فى عالم الفن . لقد أحس فى قرارة نفسه أن هناك سحابا يحجب أعين المسلمين عن الإسلام المصفى ، وأن هناك أباطيل ألصقت بالإسلام زورا ويهتانا , يعتقدها الأجانب من غير المسلمين عقيدة راسخة في أعماق قلوبهم , فراح يعالج هذه وتلك فى فيلم أسماه " ليلة القدر " فجاء خيرا من ألف فيلم .. لقد صودر هذا الفيلم , كما صودر أخ له " يسقط
الاستعمار" فى العهد البائد المنقرض . ولم تكد تبزغ شمس هذا العهد الجديد , حتى قدر لهما أن يريا النور , ولكن طائفة من الناس تقدمت إلى المسؤولين تشكو فلم " ليلة القدر ." والعجيب أن الفلم ليس فيه تبشير , ولو كان لما كان هناك ضير , مادام هذا التبشير لايمس حرية العقائد فى غير المسلمين . وما جاء فى الفلم يعتبر تحليلا لبعض المعانى الاسلامية ، وعلاجا للمشكلات الاجتماعية على ضوء الإسلام , ومكافحة لبعض الحالات التي لازالت عالقة بأذهان الكثير من المسلمين !
وأعجب من هذا أن ذوى الأفلام الضخمة الذين استولوا على الصحف الكبرى بوضع اليد , هؤلاء الذين يدعون أن أمل الوطن معقود بأسنة أقلامهم , وأن بناء النهضة الجديدة لن يشاد إلا على نغمات من صرير أقلامهم ، لم يكتبوا حرفا واحدا عن مأساة فيلم ليلة القدر

