الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1022 الرجوع إلى "الرسالة"

Share

مسرحية " أم رتيبة "

تأليف : الأستاذ يوسف السباعى     إخراج : فتوح بشاطى تمثيل : الفرقة المصرية

الإنسان - منذ كان - يتقلب بين الفرح والترح , وتعتوره السراء والضراء , وللجد عنده - كما يقول الشاعر - أوقات وللمنزل مثلها , وحياة موزعة بين هذين الأمرين , ولن يستقيم لإنسان - مهما كانت الظروف التى تشتمله وتحيط به - واحد منهما دون الآخر

ولما كان المسرح - كما هو معلوم- صورة من الحياة وتعبيرا عنها وتفسيرا لها , تعطيه الحياة فيأخذ , وتمده بالصورة فيعبر , كان - هو الآخر - متقلبا بين الفرح والترح , والسراء والضراء .. ومنذ الأزمان السحيقة كان إلى جانب " التراجيديات " الفاجعة " كوميديات " هازلة ضاحكة , وقد عرفها اليونان الأقدمون وكان لها فيهم شعراء أعلام ما زال المؤلفون يتهلون منهم حتى اليوم ,

مثل ( ارستوفان ),( فيلامون) ,( ميناندر) وقد عرفت الكوميديات الهزلية فى مصر منذ أمد ليس بالقصير , وكان لها مسارح خاصة , وممثلون يقومون بأدائها ولايشاركون فى أداء غيرها , وكتاب يكتبون لها ويكادون يقتصرون عليها

وليس شىء أكثر ذهابا فى الضلالة عندي من الرأي الذى ينادى بأن تقصر العناية على الجوانب الجادة فى حياة الناس دون الجوانب الهازلة الضاحكة . إن ذلك خطر يجب أن ينتبه إليه المسئولون , فالسم أكثر ما يكون خفاء عندما يندس فى العسل , والنفوس يستهويها النكتة وتأخذها الكلمة الضاحكة فتتسرب خلالها الحكمة والموعظة فى لطف ويسر وخفاء لا يكون فى الكلمات الجادة الصارمة ! والمسرحية التى جعلناها موضوع حديثنا اليوم من المسرحيات الكوميدية التي تعرض على الناس هذه الأيام , وأعني بها المسرحية المسماة " أم رتيبة "

وهي تقوم على قصة أخوين : رجل وامرأة , أما الرجل فقد كان يشتغل . مدرسا للخط العربي تم أحيل إلى المعاش , فاشتغل بتحضير ( الأرواح ) واتهمك فيه وجمع حوله بطانة من محبيه ومريديه يعتقدون بين الفينة والفينة ( جلسة ) للتحضير الأرواح والتذاكر فى أحوال الدنيا والآخرة ، ولتبادل الآراء فى فلسفة الحياة وما بعد الحياة . واسم هذا الرجل ( عبد الصبور ) وقد قطع حياته عزبا , وكان يرى أن الزواج هو سبب الشقاء . والبلاء وسبب خراب البلاد والعباد !

وأما المرأة فهى " أم رتيبة " التى كان أخوها هذا عائقا دائما لها دون الزواج , فقد خطبها الكثيرون فأياهم أخوها ورفضهم جميعا لما كان يراه فى أمر الزواج , فقطعت حياتها هي الأخرى عزبة حتى بلغت الخامسة والاربعين وهي بين الحسرة والأسف واللهفة على الزوج الحبيب , والولد التجيب ! وكان لهما جار اسمه " سيد أفندى " يشتغل خبيرا فنيا

فى معمل " طرشى !" جاء يخطبها من أخيها " عبد الصبور " الذى ما كاد يعلم صناعته حتى طرده شر طرد لما كان بينه وبين " الطرشى "- كما يقول - من عداء قدمم مستحكم ! ثم مات أخوها فانكشفت الغمة وزال العائق الثقيل وتزوجت " أم رتينبة " من " سيد أفندى " على يد ( مأذون ) صديق من مؤيدى أخيها " عبد الصبور " ومحبيه

وقد كتبها المؤلف (الأستاذ يوسف السباعي) باللغة العامية؛ لأنه يرى أنه "من الجنون أن يحاول إنطاق أبطالها باللغة العربية" وللمؤلف فى ذلك بواعث وأعذار ! وأما البواعث فهى أنه متغلغل فى فهم الروح الشعبية واللغة العامية تغلغلا قل أن توفر لغيره , فهو يجد يسرا وسهولة فى الأداء باللغة العامية قد لا يجدهما فى الأداء باللغة العربية ! وأما الأعذار فإن أبطال الرواية - أو أغلبهم على الأصح - من عامة الشعب الذين لا تجرى اللغة العربية على لسانهم فى شىء , فكان من كمال " الواقعية "- فى نظر المؤلف- أن يكون كلامهم باللغة العامية ! وجو الرواية - كذلك - جو شعبى خالص , لا يبدو فيه الكلام العربى إلاكما تبدو الرقعة فى الثياب ا هذه بواعث وأعذار المؤلف - على ما يبدو لي - فى استعمال اللغة العامية, ولكنى نظرت فوجدته يخاطب الخادم "زينهم" المسرف فى الشعبية بقول أبي نواس (وداونى بالتى كانت هى الداء ), ويخاطب الخادمة "سنية " بقول أبي العلاء ( هذا جناه أبى على ) فكيف تسنى لها أن يفهما ذلك وهما أقل أشخاص الرواية علما وإدراكا ؟ ووجدته يجرى فى الرواية عددا من الألفاظ العربية الفصيحة مثل قوله " المصل الواقى" ، "حاجة تبدد الإيمان"،"الدنيا سفر والآخرة غاية" وغيرها , فكيف أمكن أن تفهم هذه العبارات فى الجو الشعبى الذى انحدر من " حوش آدم "؟ أنا لا أشير باستعمال اللغة الفضيحة العالية الجزلة على المسرح , ولكنى أريد الحلقة المفقودة عندنا , أريد اللغة العربية اليسيرة السهلة التى

لا يفصلها عن العامية إلا حاجز رقيق لطيف , واعتقادى ان الأستاذ يوسف السباعى - وقد بلغ فى فهم اللغة العامية والروح الشعبى مبلغا بعيدا - يستطيع بشىء من الجهد والدأب والمشقة أن يجئ لنا بهذه الحلقة المفقودة

والأستاذ يذكر لنا أن هذه المسرحية أول محاولة منه فى كتابة المسرحية , فإن كان الأمر كذلك , فإن الأمل المرقوب منه كثير .. إن الموهبة مكتملة فى المؤلف دون شك , وإنما تنقصه فى معالجة " المسرح " أمور أرجو أن يتوفر على استكمالها , وأنا أهمس إليه ببعض ما فى مسرحيتنا هذه من تلك الأمور , فإني أرى فيه بوارق وضاءة من أمل كبير

أراه يوزع الحوادث والكلام على الفصول توزيعا غير عادل وأنا أعلم أن الحوادث قد تقتضى المؤلف شيئا من ذلك , ولكننى أعلم كذلك أن المؤلف القادر هو الذى يحكم هذه ( الحوادث ) ويطوعها لقلمه ولتصرفه ! فالفصل الأول كبير مزدحم , والفصل الأخير صغير متخاذل , والفصل الثانى بين بين !

وأراه يعنى - أكثر ما يعنى - بإيراد النكتة تلو النكتة , والأصل فى المسرحية أنها " موضوع " والنكتة فيها ثانوية لا يجوز لها أن تعطى على الموضوع الأصلى الذى هو " مركز الاستشارة " كما يقول فقهاء المسرح

وأراه يكثر من الحكايات الجانبيه التى تقع فى المسرحية كما تقع ( الجملة المعترضة ) فى الكلام ! والإكثار من هذه الحكايات - فوق أن فيه تعطيلا لحركة المسرحية - فهو يصرف المؤلف عن الاهتمام بالموضوع الأصلي الذى يجب أن يكون له المحل الاول دائماً , وقد أورد المؤلف من ذلك حكايات طويلة كحكايات " المعزتين " وحكاية " البنت هانم" صديقة الشيخ جاد وسواهما .

وأراه " يرشح " لبعض الحوادث بكلام سافر يدل عليها قبل وقوعها مثل " إرهاص " ام رتيبة بقدوم الضيف فقدم الضيف بعد إرهاصها ومثل إرهاص " سيد

أفندى" بأنه سيموت وتوكيده ذلك وتوديعه لاهله وصعوده إلى السرير لموت فيأتيه الموت فعلا ! وغير ذلك . والمسرح ( أفعال ) لا ( أقوال ) فالحوادث وحدها هي التي ترهص وترشح إن جاز أن يكون فى المسرح إرهاص أو ترشيح ..

وأراه - وذلك أمر ذو اهمية كبيرة للمؤلف - يجرى على لسان شخصياته كلاماً لا موارية فيه يمس مقدسات الناس وعقائدهم الدينية , كلاماً سافرا ًجداً قد يشك بعض الناس فيما يعتقدون به ويخضعون له . ولست أريد أن أردده هنا ولكنه مضطرب فى كثير من صفحات الرواية وخصوصا فى الصفحات (٢٠٣،٢٠٢،١٦٩،١٦٤،١٣٥ ٢٠٤) والمسرح للناس جميعاً وفيهم الساذج وضعيف الإيمان والحائر بين العقائد , فإن كانت إشارة لامعدى عنها إلى هذه الأمور فلتكن خفيفة خاطفة لا صريحة سافرة متكررة كما رأينا .

وأراه يسرف فى بحث المشكلات الاجتماعية والدينية بحثًا جدلياً نظرياً كأنه محاضرات ! فيبحث - فيما يبحث - مثلا الاشتراكية ونظام الطبقات ومعاهدات " عدم الاعتداء " والإيمان الأعمى والموت وما بعد الموت وسواها , وذلك تحميل لهذه المسرحية الكوميدية مالا تحتمل ! واعتقادي أن مرد ذلك القلق عند مؤلفنا الفاضل إلى " رباعيات الخيام " التى ترجمها والده الأديب الكبير المرحوم الأستاذ محمد السباعى وعاش مؤلفنا فى جوها منذ كان طفلا فامتلأت بها نفسه واخذ يرددها منثورة فى مسرحيته !

وأراه ينطق الخدم وغيرهم بكلام قد يجرح حياء بعض منّ يرودون المسرح ( كقوله تنا كحوا تناسلوا ), وقوله ( تبقى قيمة العيشة إيه لما الواحدة ماتعملش الحاجة اللى انخلقت علشانها ؟) وقوله ( أمد إيدى تحت القميص بس ماتبقيش تقول شيل إيدك )! ومثل وصف صدر المرأة وبطنها قبل الزواج وبعده !

وأريد أن أسأل المؤلف : كيف ينتقل الحديث فجأة من حديث ( الملوخية والكسبرة ) إلى حديث زواج أم رتيبة ولا اتصال بينهما ؟ وكيف يدخل الخدم ويخرجون هكذا دون داع ودون استئذان ؟ وكيف يجرأون هكذا على العراك بالكلام وبالأيدى , وكيف يتغزلون بالغزل المكشوف أمام سادتهم ؟ اللهم إلا إذا كان دخولهم لدفع ملل من حديث طويل أو لإحداث حركة فى موقف خامد وكيف تستفهم ( أم رتيبة ) هل مات ( سيد أفندى ) عندما شرب ماء اللفت وهو طفل مع أنه يسكن جوار منزلها وتراه كل يوم وتسمع عنه كل يوم وتأمل الزواج به ؟ وكيف يسأل ( عبد الصبور )- فى أول الرواية - عن صديقه ( علوان . أفندى ) الذى لم يحضر مع مريديه ومحبيه سؤالا نفهم منه أنه يعجب لمدم حضوره معهم ويستنكر ذلك مما يدل على أنه مواظب على حضور هذه الجلسات التى يعقدونها لتحضير " الأرواح " ثم تمضى الرواية كلها دون ان نرى ( علوان أفندى ) هذا ؟ وأريد - قبل أن يمضي بي الحديث إلى غايته - أن أنوه بالمجهود الكبير الذي بذله الأستاذ فتوح نشاطى فى إخراج هذه المسرحية , فقد التمس لكل دور الشخص الذي لا يتصور الخيال أن أحدا غيره يناسبه ! إنه قد تعمق فهم شخصيات المؤلف وأخرجها لنا كما يريدها المؤلف تماما حتى صارت شخصيات نموذجية فى موضوعها ومعناها وصورتها أيضا ! وإن الحيل المسرحية التي اعتمد عليها فى تحضير " أرواح " الموتى , وفى تحريك المنعقدة والكوب والكراسي حيل بارعة لا يظهر فيها افتعال أو صنعة ! ولقد ونهض الممثلون بأدوارهم فى براعة أشهد أنها فى الذروة من البراعة والشقة والجهد , ولا أدري كيف أشيد بأحدهم وأترك الآخرين فكلهم ناجح وكلهم مشكور , بيد أن آخذ على " وداد حمدى " التى كانت تقوم بدور الخادمة أنها لم تكن خادمة حقا ! وأقرر أن هذا عيب شائع فى ممثلينا ، فهم يرضخون لحكم ( الصنعة ) عندما يكلفون تمثيل أدوار

الخدم , ولكنهم يضمرون الكراهية لهذا الدور بينهم وبين أنفسهم ! فتراهم لا يعملون تماما ما يعمل الخدم , وإن عملوا فإنهم يحاولون أن تبدر منهم لفتة عظيمة ، أو كلمة فخمة ، أو مشية وقورة ،تشير إلى أنهم ليسوا من الخدم فى شىء !! وذلك نقص أرجو أن يتلافوه!

وبعد : فأرجو أن يعلم المؤلف أننا نرقب منه خيرا كثيرا للمسرح , و أننا نرى فيه مواهب متدفقة أصيلة , وأن اللغو الذي أثير حول هذه المسرحية إنما هو من عبث الذين لا يعرفون عن المسرح إلا خشبته وأنواره ! والذين يحسبون المسرح مجرد شعوذة بيانية , أوخطب منبرية ! أرجو أن يتوجه الأستاذ يوسف السباعى إلى التأليف المسرحى بكلياته , وأن يحاول اصطناع اللغة العربية السهلة التى أشرت بها , وأن يدرس فنون المسرح دراسة جد وصرامة لادراسة هواية فحسب ، وأنا زعيم له - بعد ذلك - بأنه سيكون من كبار مؤلفي المسرحيات الكوميدية , وسيكون النقد - عندئذ - أسعد ما يكون وهو يقدم للجمهور هذا المؤلف الكبير

اشترك في نشرتنا البريدية