الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1023الرجوع إلى "الرسالة"

Share

بين يدي الآن، ديوان   (ضرب الكليم)  الذي قام  بتعريبه الأديب الألمعي والشاعر المفلق، صديقنا الأجل  الدكتور عبد الوهاب عزام، أتصفح أوراقه وأسرح النظر  في مرعاه؛ والذاكرة تستعيد بيت       (إقبال)    الذي شكا  فيه عدم انتشار شعره بين الناطقين بالضاد:

لو أن من به عجم آتش كني أفروخت

                             عرب زنغمة شوقم بنوزبي خبراست

(لقد أذكى شعري الجذوة الخامدة في بلاد العجم؛  لكن العرب لا تزال تجهل ما أبثه من تباريح الشوق  والوجد) قال ذلك (إقبال) قبل نيف وعشرين سنة،  حينما كانت مصر والأقطار العربية مفتتنة بأدب  (تاغور)   وشعره، ولا تكاد تلتفت إلى شعر (إقبال) وحكمته  الخالدة المستفيضة من معين الكتاب والسنة، لما استولى  عليها يومئذ من نزعات الوطنية المتطرفة. ولو عاش شاعرنا  إلى هذا اليوم، لشاهد بعينيه أنه قد تبدلت الأرض  غير الأرض، وقد هب القوم يستعيدون مجدهم العربي  ويحلمون باسترداد عزهم الإسلامي الخالد، وذلك بفضل  دعوة (الأخوان المسلمين)  ورجالها العاملين المخلصين الذين  حطموا قيود الفرعونية وفكوا أغلال الإقليمية والعنصرية  وقاموا في الأمة ينادون باسم الإسلام، يحيون له ويموتون  في سبيله. وهذا ما كان يدعوا إليه   (محمد إقبال)  الشاعر  الحكيم بشعره الرصين البليغ الممتلئ حكمة وإيماناً. فما

أحسن هذه الفرصة وما أوفق هذه الظروف الملائمة  لترجمة   (شعر إقبال)  وعرضه على قراء العربية.

ومن أجل هذا وذاك كان سرورنا عظيماً إذ تصدى  صديقنا النابغة الدكتور عبد الوهاب عزام لهذا العمل  الجليل؛ ولعمري هو خير من كان يمكن أن يقوم بهذا  الواجب الخطير في باكستان والبلاد العربية كلها، إذ  لا يتأتى لكاتب أو شاعر باكستاني أن يفزع إلى شعر إقبال  البليغ في قالب من العربية فصيح تبقى عليه مسحة من  بلاغة (إقبال)  وروائه: وقد جرب ذلك كاتب هذه السطور  غير مرة فلم يكتب له النجاح. وكذلك لا يوجد في أدباء  العرب وشعرائهم - فيما أعرف - من يعرف اللغات  التركية والفارسية والإنكليزية حق المعرفة، وله اطلاع  لا بأس به على الأدب الأردي، مثل الدكتور عبد الوهاب  عزام. فإنه أحاط بمؤهلات الموضوع من جميع أطرافها.  أقول في أدباء العرب وشعرائهم، وذلك بعدما  تتبع الأدب العربي الحديث منذ خمس وعشرين سنة.  وجملة القول أن الدكتور عبد الوهاب هو خير من كان  يمكن أن يعنى بتعريب شعر لإقبال ودواوينه بالفارسية  والأردية. ومن حسن حظنا وحسن حظ الأدب والعلم  أن انتدب لتمثيل أرض الكنانة في بلاد   (باكستان)  فلم تحظ  بلادنا في الست سنين الماضية من استقلالها بسفير أو ممثل سياسي وافق طبيعة الباكستانيين وأذواقهم مثل الدكتور  عزام، غير الأستاذ الأديب عمر بهاء الأميري  وزير سوريا المفوض سابقاً، فإنه أيضاً استأنس به أهل  هذه البلاد كما يستأنس أخ بأخيه، وذلك لحميته الدينية  ونشاطه المحمود في حقول الأدب والاجتماع.

وبعد، فقد جلست الآن أمام منضدتي لكتابة كلمة  أعرف بها ترجمة (ضرب الكليم)  العربية إلى القراء وأنوه  بالنجاح الباهر الذي أحرزه العرب في هذا المجهود الأدبي  المشكور، لكن الحديث ذو شجون والقلم قد اشتطت به  الأفكار، فمعذرة إلى القراء.

ضرب الكليم ديوان شعر لشاعر الشرق والاسلام الدكتور محمد إقبال رحمه الله تعريب الدكتور عبد الوهاب عزام

هذا الديوان يحتوي على ١٣٠ صفحة من القطع  المتوسط   (علاوة على المقدمة وكلمة التعريف) . وفي أولها  مقدمة (ومدخل)  للمعرب بين فيه منهاجه في التعريب  وعرف بفلسفة (إقبال) والقطب الذي تدور عليه رحى  كلامه، حتى يسهل للقارئ، التفطن إلى دقائق تعاليمه  وحكمه. وأيضاً شكر المعرب في المقدمة الذين ساعدوه على  فهم شعر (إقبال) من أصدقائه في (كراتشي)  عاصمة  باكستان. ثم تتلوها كلمة لكاتب من كتاب باكستان  ليشرح بها فلسفة (إقبال) وتعاليمه. والكلمة في الأصل  مكتوبة بالأردية، عني بتعريبها أو بتعريب  (الجزء الأكبر  منها)  صديقنا الدكتور السيد محمد يوسف الهندي، نزيل  القاهرة - ولكني لم أجد مسوغاً لتحلية جيد هذه  الحسناء بهذه القلادة الشوهاء - وكان من الميسور  أن يجد المعرب في العاصمة رجالاً لهم معرفة دقيقة بفلسفة      (إقبال  ويقدرون إن يشرحوها أحسن شرح بالعربية نفسها.

وهذا الديوان لباب تعاليم (إقبال) وحكمته، جادت به قريحته، وهو في المرحلة الأخيرة من مراحل حياته، وقد نضجت أفكاره وبلغت حكمته وفلسفته قمة العلو والكمال، إلى أن جعل ينشرها درراً منظومة وغير  منظومة. فقد سمى هذا الشعر المبثوث في هذا الديوان   (ضرب الكليم)  أو إعلان الحرب على العصر الحاضر.  ومن أجل ذلك، يعد هذا الديوان خير شيء لمن أراد  الاطلاع على فكرة (إقبال)  ونظريته في الحياة ومشاكلها  ومسائلها المتنوعة المتشعبة.

أما هل نجح المعرب في إبراز محاسن شعر إقبال في  حلة قشيبة من لغة الضاد، حتى يتأثر بها قراء العربية  والناطقون بها، فهذا سؤال يصعب الجواب عليه بسهولة.  فإن الترجمة - مهما أوتي المترجم من قوة الأداء وملكة  البيان - قد تذهب في أكثر الأحيان برواء الأصل  وبهائه في الشعر. والذي يقدر على أن يبقى على طلاوة  الأصل وما له من تأثير بعد الترجمة، فلا شك أنه ممن بلغ

قمة الإعجاز وارتفع فوق المستوى البشري المعتاد في الأداء  وقوة البيان. هذا في الشعر. أما في النثر، فله شأن آخر،  وفيه متسع للقول. وإذا نظرنا من هذه الوجهة إلى ديوان  (ضرب الكليم)   المعرب، رأينا أن المعرب قد نجح في مسعاه وأدى إلى قراء العربية معاني شعر (إقبال) السامية بدقة وبأمانة وبأسلوب عربي نقي، قلما نظفر بمثله عند جمهرة الكتاب. وذلك أقصى ما يقدر عليه كاتب وشاعر مهما كان من قدرته البيانية ولكته الأدبية. والمعرب الفاضل يستحق أجمل الثناء وأسنى كلمات الشكر من جميع المولعين بإقبال والمفتتنين بشعره.

والكتاب مطبوع طبعاً أنيقاً على ورق جيد، عنيت  بنشره جماعة الأزهر للنشر والتأليف، إلا أننا ما رأينا  وجهاً لإدخال أداة التعريف على     (باكستان)   في   (سفير  مصر لدى الباكستان)  فإنه خطأ شائع، ينبغي تجنبه.  والدكتور عزام قد استعمل الكلمة     (باكستان)   مجردة  عن لام التعريف في المقدمة مراراً فلعل هذه الزيادة ممن  تولى الطبع والنشر. وعلى كل، فلجماعة الأزهر للنشر  والتأليف، شكري وتقديري وتحياتي.

اشترك في نشرتنا البريدية