الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1023الرجوع إلى "الرسالة"

Share

شاعرالشعب تأليف الدكتور سامى الدهان

تقتدي بعض دور النشر في مصر والبلاد العربية بما  تصنع أمثالها في الغرب فإن ناشري الكتب يدأبون على  إصدار سلاسل شهرية أو أسبوعية تشتمل على كل شائق  وطريف يتعلق بالفكر والثقافة، فلما ظهرت سلسلة   (اقرأ)   ذكرت من فوري سلسلة   (لو)  الفرنسية، وقد استبشرنا  الخير بظهور سلسلتنا العربية وفرحنا بالحلقات الذهبية

التي ضمتها إذ شعت نوراً وجمالاً، ثم لم نلبث أن رأينا فيها  حلقات من معادن لا يجوز أن تسلك مع الذهب في نظام  واحد، فما كان في الدهر عقد ذهبي يجمع حلقات من  نحاس أو قصدير.

فمن هذه الحلقات كتاب   (شاعر الشعب)  لمؤلفه  الدكتور سامي الدهان؛ تناولته وأنا أحسبه دراسة أدبية مبسطة أو بحثاً مقرباً، وإذا به موضوع لا يرقى إلى  الموضوعات المدرسية المنظمة، وقد سماه المؤلف شاعر  الشعب ليستهوي الجمهور ببراعة العنوان دون أن يدل على  المقصود، فمن هو شاعر الشعب؟ وأي شعب أراد المؤلف  في ظاهر الكتاب؟

أما فى باطنه فهو يعنى بالكلام عن شاعر النيل حافظ  إبراهيم الذي ملأ صيته الشرق، وليس بحاجة إلى دراسة  خفيفة أو بحث مرتجل، فرجل الشارع بمصر والبلاد  العربية سمع بحافظ إبراهيم، فما بالك بالمتعلمين والمثقفين؟  وإنما يعوز حافظ إبراهيم اليوم أن يتصدى لدراسته من يستطيع تحليل شعره وعصره وبحث حياته ووطنيته من  شتى نواحيها متعمقاً فيها، مستغرقاً أطرافها وخوافيها.

ويبدو أن المؤلف الفاضل آثر الراحة ورضى الجمهور  والناشر فقد بات أكثر أدبنا بضاعة مزجاة خاضعة لقانون  العرض والطلب في عالم الاقتصاد، فلملم الدكتور الدهان  أصول كتابه وفصوله من ديوان حافظ إبراهيم الذي نشرته  وزارة المعارف المصرية سنة ١٩٣٧ وشارك في جمع شعره  وشرحه وتنسيقه الأساتذة الثقات أحمد أمين وإبراهيم  الأبياري والمرحوم زين.

وقد كتب المقدمة الشاملة العالم البحاثة أحمد  أمين فكان من أغرب ما صنع المؤلف أن أهمل ذكر هذا  المصدر الفياض الذي استقى منه آمناً مطمئناً غير حاسب  أي حساب للمطلعين المتتبعين، وكان يهون الأمر لو أن هذا  المصدر كان لعابرين مغمورين، لكنه لمعاصرين مشهورين،

وكانت أمانة العلم تقتضيه ألا يغفل ذكر كاتب المقدمة  الذي كفاه عناء البحث والتنقيب.

وفي هذا المؤلف الصغير ناقض الدكتور الدهان نفسه  كثيراً، فمرة يقول في أمر إيجاباً ثم يقول في هذا الأمر سلباً  ونفياً، فمن أمثال هذا قوله إن حافظاً لم يتلق ثقافة عميقة  واسعة ولا دراسة منظمة ثم يشيد في مكان آخر بوعي  حافظ ومعرفته منساقاً مع المعجبين بثقافته، فيقول    (ولا يخطئ الدارس حين يرى في مجلس الإمام، مدرسة  عالية أو جامعة ثقافية يتخرج فيها الطالب كما يتخرج في  الجامعة سواء بسواء. ولا حرج إذا وجدنا في صلة حافظ  بهذه الدروس والمجالس صلة الطالب بالجامعة فقد أخذ بها  حافظ وعب من منابعها فكان في دار الإمام يتلقى اللغة  والحكمة ويقرأ الشرح في المنار ويتمرس بالشعر والوطنية.

ثم يسرد المؤلف أقوال صحب حافظ من أمثال  البشري وبركات ومطران والعقاد وطه حسين حتى يملأ  صفحات كتابه من هذه الأقوال دون تحليل لها أو تعليل  لما جاء فيها. والأصل في الاستشهاد بالدراسات الأدبية  أن يستنبط منه الباحث الحكم والدليل، ولكن الدكتور  الدهان روى الأقوال ونقلها ليزيد في عدد الصفحات.

ومن التناقض في الحقائق التي سردها المؤلف قوله إن  حافظاً أجاد شعره في شبابه ونظم أحسن قصيدة وهو في  الرابعة والعشرين؛ ثم ذكر بعد صفحتين   (هذا بعض  شعره وقد جاوز الخامسة والعشرين طبعه بطابع القدماء  وليس فيه إلا تهويل وتزويق، ولا براعة تشع منه  ولا اختراع) .

ومرة يجد المؤلف مجال القول ذا سعة في الكلام على  حافظ من ناحية معينة ومرة لا يتجاوز الصفحتين حيث  ينبغي التفصيل والتعليل، وذلك حسب نطاق الاقتباس  واختصار الأصل، والظاهر أن المؤلف الفاضل كان في كلتا الحالين من حكمه وكلامه خاضعه لسياق نفسي واختيار

متخطف عابر

وإن أدب قال فلان وروى عن فلان من غير دليل  أو تحليل قد فات أوانه إذ كان من بضاعة المرحلة الفائتة  في أدبنا المعاصر

وكنا ننتظر من الأستاذ الفاضل الدكتور سامي  الدهان أن يتحفنا ببحث شائق عن حافظ ابراهيم في  سورية ولبنان، فقصيدته الرائعة التي قال فيها:  حيا ربوع الحيا أرباع لبنان      وطالع اليمن بالشام حياني

حافلة بصور المودة والعروبة ومباهج الطبيعة والجمال،  وهي جديرة بالدرس والمقارنة، وفيها قال حافظ:  وقد وقفت على الستين أسألها   أسوفت أم أعدت حر أكفاني

قد اتفق أن كنت نهاية دلشاعر بعد هذه الوقفة  بشهور. على أن الوقفة الشاعرة الملهمة كان جديراً  بالمؤلف أن يستغلها لو مر بها، فإنها تصلح لانبثاق مسارح  العاطفة من شاعر خالد اتفق له أن تنبأ بموته وصدقت  نبوءته. لقد سبق المتنبي حافظاً إلى مثل هذه النبوءة  المحققة حين فارق فارس فقال قبيل فراقها: وأنى شئت يا طرقي فكوني      أذاة أو نجاة أو هلاكا

ومن عجب أن يقول المؤلف إن حافظاً لم يحس بالطبيعة  ولم يحدثها أو تحدثه، وكأنها لم تنقش في ذهنه إلا كما  ينقش الأزميل في الماء أو القلم في الصحراء) وقد فاتته  القصائد الوصفية التي نشرت في ديوانه الأخير من  ص٢٠٥ إلى ص٢٣٩ وفيها مقطوعات وأبيات في وصف  الطبيعة بين السماء والأرض، وما يزال في خاطري من  عهد الدراسة قصيدة حافظ في وصف الشمس، وهل  الشمس إلا أم الطبيعة ومحور الكون؟ وقد وصف شاعر  النيل الزلازل والبراكين، وصور البحر وخفوق الرياح  أروع تصوير، ولم يترك جنان الربيع ولا منازل الجزيرة  في وطنه الجميل

ولا ينبغي أن يغيب عن كفتي ميزاننا الأدبي الحديث

أن حافظاً وشوقياً والبارودي وصبري قبلهما لم يعنوا  بوحدة الموضوع كما نطالب بها اليوم شعرائنا، ولروح  الشعر العربي طبيعة تختلف عن طبائع الشعر الغربي إذ أن  شعرنا لا يخلوا من التنوع واختلاف الصور فيه على الرغم  من كل تجديد

وثمة كلمة نابية جاءت ص٣ ذكرها المؤلف وهو  يتحدث عن حافظ وشعره فقال (ظل يهذي حتى قال  الشعر) وما كان حافظ مهذاراً في شعره ولا هاذياً، وإن  النكتة التي شاعت في أحاديثه الخاصة لم تكن لتذهب من  وقاره وقدره. ولعل المؤلف أراد أن يقول: حاول حافظ الشعر او غرزم فيه حتى تمرس به

وبعد فإن كتاب (شاعر الشعب) مثل الدراسات  الخفيفة العابرة وما كانت منتظرة وهي على هذه الصورة  من مؤلف ولا ناشر، على أن لمؤلف هذا الأثر الأخير  آثاراً قيمة تشهد له بالبراعة والاقتدار.

اشترك في نشرتنا البريدية