مدرسة الرسالة في السنغال
أجد من الأمانة أن أنقل إلى صاحب الرسالة وإلى قرائها هذه القصة، فهي تسجل فضلاً من أفضال (الرسالة) التي أدتها وما تزال تؤديها إلى العربية (لغة القرآن) . أما في هذه المرة فقد امتد الفضل بعيداً عن مركز الدائرة إلى ٩٥٠٠ كيلومتراً عندما دخلت الرسالة مدينة (داكار) حاضرة السنغال.
كنا نسمر يوم السبت الماضي في ندوة (الكيلاني) وقد أم الندوة لفيف من أهل العلم والفضل منهم عطوفة السيد أحمد حلمي زعيم فلسطين، والسيد مفتي الجزايرلي، والإمام البشير الإبراهيمي، والأستاذ الفضيل الورتلاني.
وبينا نحن جلوس إذ قدم إلينا صاحب الندوة رجلاً أسود اللون، يلبس العقال العربي عرفنا من بعد أنه حجازي الأصل، وأنه هاجر منذ اثني عشر عاماً إلى السنغال: هو السيد محمود عمر الذي يشغل الآن منصب مدير المعارف الأهلية بالسنغال. ومعه طالبان سنغاليان. وأخذ يروي الأستاذ كامل الكيلاني قصة عجيبة، هي أن الشاعر الأستاذ محمود غنيم كان قد التقى في الندوة بهذه الجالية السنغالية، فما إن عرف أحد الشبان اسمه حتى أستأذن في أن يقول شيئاً، فلما أذن له فاجأ الحضور بقصيدة طويلة من شعر غنيم. .
. . وتوقف الأستاذ الكيلاني ليتم القصة السيد عمر فقال: منذ اثني عشر عاماً عندما فكرت في أن أسافر إلى السنغال لأعلم اللغة العربية لأهلها، لم يكن في استطاعتي الحصول على شيء مطلقاً من المؤلفات أو الكتب نظراً لبعد المسافة وطول الشقة. . وعدم وفرة هذا النوع من الكتب في الحجاز، ولذلك صح عزمي على أن أحمل معي
كل ما كان عندي من أعداد مجلتي الرسالة والإسلام، وقد بلغت خمسة آلاف عدد لأني حرصت أن أحصل على أكثر من نسخة للعدد الواحد ما أمكن ذلك. وكان هناك في السنغال ٣٠٠ طالب يلتفون على كل عدد من الرسالة لينقلوا منه شعره ونثره ليحفظوه عن ظهر قلب. وقد استطعنا بهذه الطريقة وحدها، وعلى يدي مجلة الرسالة أن نعلم اللغة العربية لثلاثة آلاف وخمسمائة من الطلاب العجم. .
وهنا وقف هذا الشاب الأعجمي العربي. . . كما أسماه الأستاذ الإمام السيد البشيرالإبراهيمي. . . وأخذ يتلو هذه القصيدة العامرة التي كان الأستاذ محمود غنيم قد أنشأها في عدد من أعداد الهجرة الممتازة التي كانت تصدرها (الرسالة) في مستهل العام الهجري من كل سنة، والتي نرجو ألا تحرمنا منها.
وكنا نستمع إلى الشاب الأعجمي العربي وهو يتلو هذا الشعر في لكنة خفيفة، وقد بدت تلك المعاني أكثر جلالاً، فكانت تهز النفس هزاً، وتبعث ذلك الإحساس القهار حينما نرى شاباً حدثاً من السنغال على بعد الشقة يحفظ هذا الشعر ويتلوه ويترنم به. .
ولقد علق السيد البشير الإبراهيمي على ذلك بقوله: إنني قرأت هذه القصيدة عندما نشرت لأول مرة، وقرأتها مرة أخرى هذا الأسبوع في ديوان الشاعر. . ولكني لم أهتز لها كما استمعت إليها الليلة من هذا الشاب العربي الأعجمي.
ومما يذكر في هذا المجال أن هؤلاء الشباب كانوا قد أفادوا في بدء تعلمهم اللغة العربية من قصص الأطفال التي كتبها الأستاذ كامل الكيلاني، ولذلك كانوا غاية في السرور عندما صادفتهم بالقاهرة واجهة دار مكتبة الأطفال ودار الرسالة، فقد صفقوا طويلاً عند كل واحدة، وهتفوا وهم يعجبون فيما بينهم كيف تحقق حلمهم البعيد وعاشوا
لحظة في هذه الأماكن التي تلقوا عنها في أواسط أفريقيا لغة الضاد.
ولذلك رأيت أن أسجل هذه القصة وأن أبعث بها إلى صاحب الرسالة تحية مجددة لفضل الرسالة على شباب العروبة، هذا الفضل الذي يمتد إلى كل مكان.

