الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

أبطال من الصحراء

Share

الامير محمد بن احمد السديرى حاكم اداري حازم وقائد عسكرى محنك . فاذا أضفنا الى هاتين الصفتين البارزتين فيه صفة ثالثة - بغير مجاملة ولا زلي - وهي أنه اديب ذواقة للشعر سليقة وطبعا فأنما نكون بذلك قد وصلنا الحلقة المتسلسلة من أمراء العرب الافذاذ وقادتهم المحنكين من لدن سيف الدولة الحمداني حتى تاريخنا المعاصر

نجلس اليه فيدهشك منه خلق دمشق دمث وحديث لبق وغرام بالشعر والادب والفروسية تطبع مجلسه وتغمر ناديه

وكتابه هذا الذي بين يدى ، الآن كتاب يتحدث عن خمسة أبطال من ابطال الصحراء فى الجزيرة العربية حين تقرأ سيرتهم وأخبارهم تثب الى ذهنك سيرة ابطال الامة العربية امثال ( عمرو بن معدى يكرب الزبيدى ، وملاعب الاسنة عامر بن الطفيل وربيعة بن مكد مدريد بن الصمة ( وغيرهم وغيرهم ممن حفل بهم تاريخنا الادبي وسجل أخبارهم ومواقفهم البطولية باعتزاز وفخر

ولا شك في ان الحديث عن هؤلاء الابطال يعتبر في حد ذاته تذكيرا للابناء !

بمفاخر الآباء وتصعيدا لمشاعر العزة والنخوة العربية فى فترة من اهم فترات حياتهما التى هى فى أمس الحاجة إلى مثل هذه الذخائر من البطولات الرائعة والفروسية الخارقة فى سبيل المحافظة على الكرامة القومية والعزة العربية . وقديما قال المتنبى :

عش عزيزا او مت وانت كريم

بين طعن القنا وخفق البنود

ويقع الكتاب في حوالى (٣١٥ )صفحة من القطع الكبير . وقد كتب مقدمته الاديب النابية الاستاذ عبدالله بن خميس فقال عنه فيما قال : ) فمن الخصائص التي عرف بها القرب ان تجميع الفروسية والشاعرية في شخص واحد وربها بلغا به درجة النبوغ في كليهما ، فامرؤ القيس ابن حجر وعنترة بن شداد والمهلهل وعبدالله بن رواحة وابن الاطنابة وخالد بن جعفر والبارودى وغيرهم كثيرون عدوا في صميم شعراء العرب وفي الرعيل الاول من فرسانهم . وأبو زيد الهالي وذياب بن غانم وتركي بن سعود وعبيد بن راشد وتركي بن حميد وراكان بن حثلين وشليوح العطاوى وغيرهم ممن اتى عدوان الهربيد فى قصيدة له على ذكر اربعين منهم لقصة طريقة عدد فيها الشهداء الشعبيين الفرسان هؤلاء واولئك وغيرهم ممن هم . على شاكلتهم تركوا للادب العربي ثروة من الشعر الجزل والبيان الاصيل ، كما تركوا في تاريخ الفروسية مكانة لا تنسى ومجدا لا يدانى (

وهذا حق كل الحق فما من بطل من أبطال الامة العربية في جاهليتها واسلامها

الا وكان يجمع الى مزية الفروسية موهبة الشعر . وأقرب مثل على ذلك : ) ربيعة ابن مكد م ( صاحب الظعنة الذي عرض له دريد بن الصمة . فقد حدثتنا كتب الادب أن دريد بن الصمة خرج فى فوارس من بني جشم حتى إذا كانوا في واد لبني كنانه يقال له الاخرم وهم يريدون الغارة على بني كنانة إذ رفع له رجل في ناحية الوادى معه ) طمينة ) فلا نظر اليه دريد قال لفارس من أصحابه ) صح به ، خل عن الظعينة وانج بنفسك ( . فانتهى اليه الفارس وصاح به والخ عليه . فالقي الرجل زياغ الناقة الي الظعينة . وانبرى يرتجز :

سيري على رسلك سير   لامن

سيري رداح ذات جاش ساكن

ان الثاني دون قرني شائني

ابلى بلائى واخبر وعايني

ثم حمل على الفارس فصرعه واخذ فرسه وأعطاه للظعينة فبعث دريد فارسا آخرا ينظر ما صنع صاحبه فلما انتهى اليه ورأى ما صنع صاح به فتصام عنه كأنه لم يسمع فظن أنه لم يسمع ، فغشيه . فألقى زمام الراحلة الى الظعينة ، ثم وافاه يرتجز

خل سبيل الحرة المنيعه

انك لاق دونها ربيعه

فى كفه خطية مطيعه

اولا فخذها طعنة سريعه

والطعن منى في الوغي شريعه

  ثم حمل عليه فصرعه فلما أبطأ على دريد بعث فارسل ثالثها ينظر ما صنعا فلما انتهى

اليهما وجدهما صريعين ونظر اليه يقوه  ظعينته ويجر رمحه . فقال للظعينة اقصدى قصد البيوت . ثم أقبل اليه وهو يرتجز :

ماذا تريد من شئيم عابس

الم تر الفارس بعد الفارس

ارداهما عامل رمح يابس

ثم حمل عليه فصرعه وانكسر رمحه وارتاب دريد فظن انهم قد اخذوا الطعينة وقتلوا الرجل فلحق دريد ربيعة وقد دنا من الحي ووجد اصحابه قد قتلوا . فقال ايها الفارس ان مثلك لا يقتل ولا ارى معك رم والخيل ثائرة بأصحابك فدونك هذا الرمح فانى منصرف إلى أصحاب ومثبطهم عنك . فانصرف الى اصحابه . وقال لهم ان فارس الظعينة قد حماها وقتل اصحابكم وانتزع رمحى ولا مطمع لكم فيه . فانصرف القوم . وقال دريد فى ذلك

ما ان رأيت ولا سمعت بمثله

حامي الظعينة فارسا لم يقتل

أردى فوارس لم يكونوا نهزة

ثم استمر كانه لم يفعل

متهللا تبدو اسرة وجهه

مثل الحسام جلته كف الصيقل

يزجى ظعينته ويسحب رمحه

متوجها بمناه نحو المنزل

وترى الفوارس من مهابة رمحه

مثل البغاث خشين وقع الاجدل

يا ليت شعري من ابوه وامه ؟

يا صاح من يك مثله لم يجهل

وقال ربيعة بن مكدم :

ان كان ينفعك اليقين فسائلى

عني الظعينة يوم وادى الاخرم

اذ هي لاول من اتاها نهبة

لولا طعان ربيعة بن مكدم

اذ قال لي اولى الفوارس منهم

خل الظعينة طائعا لا تندم

فصرفت راحلة الظعينة نحوه

عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم

وخرقت بالرمح الطويل اهابه

فهوى صريعا لليدين وللفم

ومنحت اخر بعده جياشة

نجلاء فاغرة كشدق الاضجم

ولقد شفعتهما باخر ثالث

وابى الفرار عن العداة تكرمي

ثم لم يلبث بنو كنانة ان اغارت على جشم فقتلوا وأسروا دريد بن الصمة فأخفى نفسه فبينما هو عندهم محبوس اذ جاءت نسوة يتهادين اليه ، فصاحت احداهن فقالت : هلكتم وأهلكتم ماذا جرى علينا هو والله الذي اعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة ثم ألقت عليه ثوبها . وقالت : ) يا آل فراس انا جارة لكم منه . . هذا صاحبنا يوم الوادى ( . فسألن : من هو ؟ فقال : انا دريد بن الصمة فمن هو صاحبي : قالوا : ربيعة بن مكدم  قال : فما فعل ؟ قالوا : قتله بنو سليم . قال : فما فعلت الظعينة ؛ قالت المرأة أنا هي وانا امراته . فحبسه الف قوم وائتمروا فيما بينهم . فقال

بعضهم : لا ينبغي لدريد ان تكفر يده عن صاحبنا . وقال بعضهم : لا يخرج من أبدتنا الا برضى المخارق الذى أسره فانبعثت المرأة في الليل وهي ريطة بنت جندل الطعان فقالت :

سنجزى دريدا عن ربيعة نعمة

وكل امرئ يجزئ بما كان قدما

فان كان خيرا كان خيرا جزاؤه

وان كان شرا كان شرا مذمما

سنجزيه نعم لم تكن بصغيرة

باعطانه الرمح الطويل المقوما

فلا تكفروه حق نعماه فيكمو

ولا تركبوا تلك التى تملأ الفما

فان كان حيا لم يضق بثوا به

وزاعا غنيا كان او كان معدها

فلما اصبحوا أطلقوه فكسته وجهزته ولحق بقومه فلم نزل كافا عن حرب بني فراس حتى هلك . .

مثل هذه القصة المليئة بمشاعر الوفاء الرائع والبطولة الخارقة والكرم السخى

والنخوة الشماء ، تجد مثلها فى كتاب  أبطال عن الصحراء  الذي يتحدث عن عقاب وحجاب ( بطلى قبيلة ) ولد على  فخذ من عنيزة و  ساجر الرفدى  بطل قبيلة ( السلتا ) و خلف الأذن  من ابطال آل شعلان ) والفديع بن هدلان وشالح بن هدلان ( بطلى قبيلة ) الخنافرة  . . كل هؤلاء الابطال تقرأ سير بطولتهم وأحاديث كرمهم ، وأخبار وفائهم فتتجلى أمام عينيك صورة واضحة للحياة العربية الاصيلة المفعمة بالنبل والفروسية والشهامة والنجدة . ولا شك في ان كتاب ) ابطال من الصحراء ( يشكل حلقة جديدة تضاف الى حلقات ذخائرنا في المكتبة العربية الزاخرة بالمفاخر

ولعل مما يجعل لهذا الكتاب مكانته المرموقة ومنزلته الملحوظة انه جاء فى الظرف المناسب والوقت المناسب والامة العربية تخوض معركة حياة أو موت مع اعداء الانسانية من الصهاينة فى وطننا السليب  فلسطين العزيزة ) . وهذا وللمؤلف منا عاطر الشكر وجميل الثناء على كتابه النفيس وهديته القيمة

" جازان

اشترك في نشرتنا البريدية