اني ادعي وأؤكد ان ادب البشير خريف لم يوف حقه من التعريف والمقارنة لاستخلاص خصائصه المميزة . ولعل ذلك عائد الى تواضع صاحبه الذى فضل الكتابة على الهذر التنظيري والشعوذة الادبية لانه حدسي لا يؤمن بنظرية معينة ويعود الامر حسب ظني كذلك الى عقم النقد الادبى التونسى الذى عجز على العموم تنظيرا وتطبيقا عن التعبير عن خصائص أدب خريف لان هذا الكاتب لم يوفر بسكوته المقصود او غير المقصود لذلك النقد مادة يلوكها واشهارا مصنوعا يروجه عنه . ورايي ان المهاترات الادبية ببلادنا وما اعتمدت عليه من نزعات وتيارات قد استغلت الساحة الادبية لاطراف معينة وغبنت من لم يدخل فى حسابها وتحالفاتها . ولذلك اعتقد ان قضية تعيير ادب خريف يحتاج الى مقاربة منهجية نظرية وتطبيقية سعيا وراء رفع كثير من الملابسات فى شأنه وبغية دفن بعض الانماط الادبية التى تجترها الذهنية الادبية بتونس وخارجها .
ولهذا فاني اطرح الموضوع منطلقا من تعريف الذهنية الادبية . فهى تفيد عندى الصورة الحاصلة بالسماع او بالقياس عن الادب عموما وعن اثر معين وبالاجرى ادب البشير خريف . فالذهنية الاولى - وهى ذهنية السماع - فهى بمثابة اللغة تعبر عن الرصيد الادبي المشترك المخزون فى ذهنية افراد المجموعة الثقافية الواحدة . ويمكن ان نحصر تلك المجموعة فى تونس فى المتعلمين عموما الذين يوظفون ادب خريف توظيفا ثقافيا وحضاريا وعقائديا بدون اعتبار فنياته واساليبه المميزة . اما الذهنية الثانية - وهي ذهنية القياس او التنظير - فهي تفيد عندى الرصيد الادبي الفردى المخزون فى ذهنية الاختصاص ومؤرخ الادب ، والناقد والمثقف والمهتم بالادب . فهى بمثابة الكلام حسب مفهوم
اللسانيات اى الاراء الادبية التى يبثها ذلك الفرد باعتبار تخريجاته وتاويلاته للادب وبعبارة اخرى قراءاته المختلفة لادب خريف وبناءاته المتنوعة . ولقد تحسست الذهنية الاولى باعتماد استنطاق بعض الكهول الذين مارسوا قراءة قصص خريف . ولقد عاقني الوقت من اعتماد عينة واسعة الاطراف فى الزمان والمكان . فلم اخرج عموما الا بآراء واحكام عامة مفادها ان خريف قصاص ماهر يقص علينا أحسن القصص وكفى . وهو تعريف عام يقر مفهوم القصة عند خريف لكنه لا يدل على رصيد موسوعى متنوع الوجوه من معرفة ذلك القصص وآفاقه الادبية والحضارية . وتلك ذهنية مسطحة تعميمية تعبر عن مكانة الادب عموما من الذهنية السائدة . ويعتبر مستواها دون ذهنية افراد المجموعة الفرنسية الذين يتميز رصيدهم الادبي المشترك بكثافة معرفية يجمع بين معطيات مختلفة منها التاريخ الادبي وضروب الادب وأساليب الابداع الفنى وتنوع المدارس الادبية الخ .
ولعل ذلك التعميم عندنا عائد الى نوعية الطرق البيداغوجية المستعملة لتبليغ الادب ووظيفته - فلقد حاولت ان ادرك مدى ادراك بعض التلاميذ مفهوم الضروب الادبية مثلا واحتمال انتساب خريف لها . فلم اظفر بجواب مقنع . ورأيى أن منهج الاستقراء باعتماد الذهنية السماعية كفيل بان يزودنا بمعلومات مهمة عن وظيفة ادب خريف وغيره كما انه كفيل بمساعدتنا على استكشاف الاسباب الدالة على ضحالة تلك الذهنية او ثرائها . ولا شك ان تلك الذهنية السماعية عندنا غير مصيبة فى تجاهل معطيات عامة من الضرورى استيعابها لان تاريخ الادب بتونس يقرها حتى يمكن اقرار شرعيته ومصداقيته الموضوعية من ذلك :
ان خريف هو أول مؤلف قصصى عربى بتونس قد أقر فى تاريخ أدب بلادنا ضرب القصة وخاصة القصة الطويلة . وهو من الادباء العرب القلائل الذين اقروا قواعد هذا الفن الذى نفي عنا واعتبر نموذجا دخيلا علينا . وفى ذلك نظر كبير . وذلك ما يؤيده توفيق بكار وصالح القرمادى عندما يقولان : " لقد وهب منذ 1959 للاداب التونسية قصتها الطويلة الحقيقية الاولى " حبك دربانى " (1) أما أنا فاضيف أن مساهمته فى هذا الميدان قد زودتنا بقصص متنوعة الانواع لا تستقر على حال من القرار . فان كانت قصة " حبك دربانى
تعبر عن القصة النفسانية العاطفية ، فان قصة "برف الليل" تنتسب الى القصة الاسطورية كما تنتسب قصة "الدفلة فى عراجينها" الى القصه الذاتية تغمرها نفحة اجتماعية موضوعها عمال المناجم وهو موضوع لم يخطر الى الآن ببال القصاصين العرب قديما وحديثا.
ان اعتماد القصة الطويلة عند خريف ناشئ عن اختيار مقصود فهو ينتسب عنده الى بعد ثقافى وحضارى وبعد ادبي وفنى . فخريف قد استمد عناصر القصة المذكورة من ثقافته العربية الاسلامية كما يشهد بذلك فى " تجربتى القصصية (2) التى القاها امام ملتقى القصاصين المغاربة المنعقد بالحمامات سنة 1968 . فالقصة لم تكن عنده وليدة تداخل ثقافى مثلما هو الشأن بالنسبة لغيره بل هي نابعة من تراث حضارى يستمد أصوله من ألف ليلة وليلة وغيرها من الآثار العربية . فبعد ما ذكر اعجاب بلزاك بالف ليلة وليلة يقول " وهذا يبين مكانة احد كتبنا القصصية عند اكبر كاتب فرنسى ، أتيت به بنصه ومرجعه عسى ان يزيح عن شبابنا ما بهم من مركب . فان سيد الكتاب عندهم يتوق بكل آماله الى الوصول الى ما نحن فيه زاهدون " (3) ولعل خريف يعتبر المؤلف القصصي العربى الذى قلت روابطه بالقصص الغربى . فروابط الصلة به تكاد تكون مقطوعة .
اما البعد الادبي والفني فهو يعود الى قدرته الفنية وطاقته الخيالية المتنوعة المتحركة قل لاصحاب القصة القصيرة المستبدة بادبنا ان يستوعبوهما . فالقصة القصيرة عند خريف ليست سوى عنصر من عناصر القصة الطويلة . فهى جزء منها وللبست بداية تجربة او انطلاق مهاترة . فهي عنده قصة طويلة مصغرة Roman en Miniature كما هو الشان في " خليفة الاقرع " . ولقد بدا لى انه كتب القصة القصيرة لغايات اخرى منها استعمالها استعمالا ادبيا للرد على خصومه من ذلك اقصوصته محفظة السمار التى توهم فيها الطيور تتكلم باللغة العربية الفصحى جوابا على الذين عابوا عليه استعمال اللغة العربية العامة . وكذلك الشأن حسب رأيي في الاقصوصة نفسها " (4) التى الفت
ردا علي من رموه بعدم اهتمامه بالحركة الوطنية لانه كان لا يؤمن بأدب المناسبات .
وليس هذا يعني ان طول القصة شرط اساسي دال على استبدادها بالابداع والتجديد . بل ان تخصص خريف فيها دون غيره على العموم يدل على اختلاف مميز . وتلك ظاهرة أدبية اجتماعية تعتبر ميزة فى حد ذاتها قد سعت مختلف الاراء والافكار المبرمجة فى هذه الندوة التعبير عنها . وكفانى بهذه الظاهرة نموذجا عن الذهنية السماعية وكنت اود ان اجدها متغلغلة فى العقلية القصصية التونسية المعاصرة سواء فيما يتعلق بخريف أو غيره .
والآن فما عسانا ان نقول فى مميزاته حسبما تنقلها الذهنية الادبية القياسية التى يبدو لي انها قد فرطت فى حقه تفريطا على قدر ما كان عليها من واجب بإحقاق خريف حقه باعتبار مالها من مؤهلات وكفاءات لاداء ذلك . لقد اخذنا من هذه الذهنية عينات غير كثيرة رتبناها ترتيبا تاريخيا حتى ندرك مساهماتها فى تفهم ادب خريف .
ان الترتيب التاريخى لمراجعي المختارة يعطي المرتبة الاولى لمؤلف روسى (5) خصص للادب التونسي المعاصر صدر بموسكو سنة 1968 وقد نسب خريف الى المدرسة الواقعية قائلا : " يسود عند هذا الاديب الاتجاه الواقعي والتعبير الناصع عن الموضوعات الاجتماعية . ويتصل هذا الاتجاه باتجاه آخر يمكن ان نسمية اتجاها وطنيا حماسيا وهو نابع عن النضال الوطني ضد الاستعمار" اما المرحوم فريد غازى (6) فانه خصص لخريف فى مؤلفه الصادر 1970 اكبر مقالة باعتبار كل المقالات المذكورة في مراجعي . فلقد حلل ادب خريف تحليلا عاما مؤكدا خاصة على امرين هامين : اولهما القطيعة البارزة بين سلوك المؤلف الخاص وسلوك اشخاصه الذين اتسموا بالاباحية والخلاعة والمجون لاسيما فى قصة افلاس . اما الامر الثاني فهو يتعلق ب " إفلاس " أيضا التى يعتبرها فريد غازي قصة هادفة " ان افلاس تقدم لنا لوحة ممتازة عن البرجوازية
الصغيرة بمدينة تونس وهى تعيش فى عالم يتطور تطورا كبيرا ويغمرها شيئا فشيئا موجة الحداثة التى ارتضتها لنفسها وتبنتها باعتبارها منها واليها " (7).
فى اسبانيا صدر مؤلف مهم سنة 1978 تحت عنوان " الادب التونسي المعاصر " ( 8 ) اكتفى بنقل نص من قصة " برق الليل " فيه صورة عن الاسبان بتونس . ولقد عرف رمضان ابراهيم فى مؤلفه " التعريف بالادب التونسى " (9) الصادر سنة 1980 خريف قائلا " ويتميز اتجاهه بانه من انصار الواقعية " . ثم يضيف فى شأن برق الليل و " الرواية تقوم على أساس المعرفة العميقة بالماد التاريخية للقرن السادس عشر والواقعية المعاشة الهامة لذلك العصر. والكاتب ذو استعداد طيب كذلك لكتابة السيرة الذاتية " . وسكت محمد الطاهر العامري بتاتا عن بشير خريف في مؤلفه " القصة التونسية القصيرة " من خلال مجلة الفكر " (10) . ولعل ذلك عائد الى كونه عالج تلك القصة من 1966 إلى 1969. ونختم هذه القائمة بمؤلف توفيق بكار وصالح القرمادى " كتاب من تونس " (11) . فلقد ترجما له قصة " خليفة الاقرع " ووضعاها تحت عنوان " الخيال والواقع " Le Reve et le Reel وتعرضا للمؤلف في مقدمة كتابهما قائلين : " ان الممثل الاكثر أمانة للكتابة الواقعية هو البشير خريف " (12) ويعتبران انه ممن يسيرون فى مسار الدوعاجي (13).
هذا من حيث نسبة خريف الى المدارس الادبية . اما حيث الفنيات
القصصية فان الدراسات المخصصة لها تكاد تكون معدومة باستثناء بعض الاشارات الى لغة الكتابة . ففريد غازى والبشير بن سلامة (14) والثنائى توفيق بكار وصالح القرمادى قد أشاروا إلى استعماله اللغة العامية . فيذكر الاول ما عاناه المؤلف من استعماله تلك اللغة . ويشير الثاني الى اعتماده تلك اللغة اعتمادا سطحيا دون ترقية اسلوبية . ويقر بكار والقرمادى باستعمال المؤلف لغة " باروكية " تضفى على اللغة نكهة خاصة كما أشارا الى موقف خريف من العامية والفصحى مما دعاه الى كتابة قصة تتكلم فيها العصافير باللغة الفصحى.
هذه عينات فيها نظر من حيث الكم وحتى الكيف . انها لم تزودنا بالكثير عن خريف تعريفا ومقارنة لاسيما فى مستوى الفنيات . فهى فى جلها تحكم في شانه باعتبار ما يسميه (M.H . Abrams) بانماط النظريات الادبية (Typologies des theories poetiques) (15) . وهي توزع النظرة الادبية باعتبار عناصر اربعة اساسية يتكون منها الحدث الادبي ، وهي : المؤلف ، القارىء الاثر ، والمحيط أو الكون . فهى لا تستند النظريات الحكائية La theorie mimetique) التى تربط الأثر بالمحيط . ولا نجد فى تلك الآراء اشارة الى مكانة المؤلف وعبقريته الخاصة فى الخلق الادبي مما تدعو اليه النظرية التعبيرية (La theorie expressive) التى اعتمدها الرمنطقيون . ولم تشر فى تحليلاتها الى قيمة الاثر فى نظر القارىء مما تدعو اليه النظرية البرغماطية (theorie progmatique) ولا حاجة بنا الى الاشارة إلى انعدام تحليل الاثر فى حد ذاته كنص أدبي مما دعت اليه النظريتان الموضوعية (theorie objective) والنطرية الهيكلية (theorie structuraliste) وقد اعتمد الاولى منهما الرمزيون . وبايجاز فاننا نفتقر الى مقاربتين تسجلان كل ما سبق باعتماد النظرة الباطنية التى لها صلة بالاثر نفسه (approche immanente) والنظرية الفوقية (approche transcendante) التى تشمل الكون والمؤلف والقارئ . فالاولى تكون شرط لزوم والاخرى شرط كفاية لابد من تسليطهما على ادب خريف حتى ندركه حق الادراك . وفي المحاولات المخصصة لادب خريف فى هذه الندوة سعى الى تغطيتهما وان جزئيا.
بقى لنا ان ننظر فيما نعت به أدب خريف : وهو الواقعية . فلقد اشير الى هذا المصطلح ثلاث مرات دون ان أجد لهما تعريفا ولا تطبيقا على نتاج حريف. فكأنى به كلمة تطلق حزافا وتقليدا باستثناء ربطها بالخيال عند بكار والقرمادى . فهل تعنى الواقعية عند خريف الصورة الشمسية لما نسميه الواقع ؟ واى واقع والحال انه وقائع ؟ فهل يعنى العادات ومظاهر التخلف واستعمال اللغة العامية واعتماد القضايا الاجتماعية ؟ فان كان الامر كذلك فالرومنطيقية قد اهتمت بما يسمى بالطابع المحلى La couleur locale; فلقد صدق من قال "كثيرا ما اكد تأكيدا شديدا الكلاسيكيون ، والعاطفيون، وحزئيا الرومنطيقيون ، والتعبيرويون ، الخ .. على التعلق بالواقع ، وعلى الاعتماد اعتمادا اقصى على مشابهة الحقيقة ، وبعبارة أوجز على الواقعية باعتبارها المبدأ الاساسي في برنامجهم الجمالى " (16).
فالواقعية مصطلح مستعمل وهو ينتسب عند اللسانيين الى مصطلحات الاشتراك . فالواقعية عموما وعند خريف خصوصا تختلف عن "الحقيقة" فى مفهوم علم المنطق الشكلى الذى ترتبط فيه العبارة بمرجع معين أى شئ مسمى يمكن وصفه وتعيينه . اما الجملة الادبية فانها لا تعتمد مرجعا . فهى عبارة خيالية (expression fictionnelle) ليست لها صلة بالحقيقة . فالقارئ الذى يستجدى الحقيقة من نص خريف الادبي لا يقرأ ذلك النص قراءة ادبية. وكذلك الشأن بالنسبة للوحة الزيتية او المادة المنحوتة او المنقوشة . ولقد رفض الشكلانيون تلك النزعة التى تربط ربطا وثيقابين الدال والمدلول . فشكلوفسكى (Chklovski) يقول في هذا الشأن " فى عهد (Sturn und Drung ) المانيا كانت الاغلبية الغالبة من المسرحيات تعالج موضوع جريمة قتل الأشقاء . لكن لك لا يدل دلالة واضحة على ان قتل الاشقاء كان يقع بكثرة " (17) .
ولقد لاحظ جاكبسون أن ما يبدو واقعيا للكاتب يمكن ان يبدو خياليا رمزيا للقارئ . فبرق الليل رواية تاريخية حسب رمضان ابراهيم وهى غير ذلك حسبما جاء فى مقاربة رياض المرزوقى التى ستلقى فى هذه الندوة حول اثر خريف الادبي . فانتاج خريف حسب المنظار المقارن ينتسب قبل كل شئ ومثل غيره من الانتاج الى الخطاب الخيالي (discours fictif) . فالقضية لا تتعلق باقترابه من الواقع وتصويره صورة شمسية تختلف فى حد ذاتها حسب الافراد والزوايا التى تؤخذ منها بل في استقراء وتحليل اساليبه ومبتدعاته في الايهام بالواقع (L'illusion du reel) وهنا يمكن أن نجزم بان تفوق خريف يكمن فى قوة اساليبه التى تجعل القارئ يتوهم الواقع واقعا بما يضفي عليه حسب تعبير اللسانيين من مضامين (connotations) تخرجه من معانيه السطحية (denotations) الحديثة الى صور جمالية . فاللغة العامة عند خريف عمل فنى يراد منه تزويد النص السردى الفصيح العادي المقعد بمفاجاة لغوية تأتي بكثافة اعلامية جديدة فيها مضامين جمالية مجددة تخرج عن القاعدة العامة وتصبح حسب تعبير الاسلوبيين " ميلا أو تجاوزا أو لحنة (ecart) بل قل تضمينا ضرب لنا القرآن منه امثلة رائعة.
وهنا اعتقد ان أساليب خريف في الخيال والتضمين والتهكم والشاعرية لم تدرس حق الدرس حتى تبين انه من المجددين الثائرين فى الادب العربى. فلقد اصاب محمد مزالي عندما قدم لــ " مشموم الفل" قائلا : " ان البشير خريف كان فى الستينات وفي مقدمة نخبة من الادباء ثائرا بدوره على القصة القديمة ناقما على فنياتها العتيقة وقوالبها الجامدة ، خالقا لغة حية جديدة ، واهبا الكلمات شحنة وجدانية موحية ومحتوى ذهنيا طريفا " (18) .
ان الواقعية التى تحسب على ادب خريف ناشئة عن نظرة مذهبية عقائدية نجدها فى النص الروسي مثلا عندما يرى ان "افلاس" ترمى "الى نقد لاذع
موجه ضد العادات والاعراف " فهذا حكم ادبى يبحث عن تبرير هو ثانوى بالنسبة لما يكتبه الكاتب . فلقد قال خريف فى هذا الالتزام فى ملتقى القصاصين المغاربة "الادب ملتزم ومطلق .. والمطلق ان يسخر الكاتب قلمه للجمال، الجمال فقط ، جمال الفكرة والخيال والعواطف مهما كانت والجمال فى العرض والسبك" (19) . ولذلك كون ناديا منذ سنوات بمقهى المغرب سماه نادى الجمال . فمذهبيته الواقعية هي فى حد ذاتها واقعية مقنعة يفرضها القارىء على الكاتب . فهي تطمس وظيفة الوحدة الادبية حسب رأى (Genet) الذي يقول : " ان مردود الوحدة الادبية القصصية وان شئنا قيمتها تستخلص من الفرق الناتج عن طرح الوظيفة من التبرير المذهبى " (20).
فادب خريف حسب رأيي ادب يتجاوز الواقعية وما اليها ويستقر فيما اسميه بأدب الحدس او الحدسية الادبية التى فرغ قلبها من كل نظرية منظمة مثل فؤاد أم موسي . وفي ذلك الحدس يمكن ان نستشف عدم قرار خريف على مذهب واحد في القصة . ولنا فى ذلك عودة.

