نظم المركز الدولى بالحمامات التابع لوزارة الشؤون الثقافية ببادرة من مديره الصديق الدكتور رشاد الحمزاوى ندوة البشير خريف واثره الادبى يومي 20 و 21 فيفرى 1982 .
وقد شارك في هذه الندوة ثلة من الاساتذة والباحثين نزلوا القصاص البشر خريف المنزلة اللائقة به وذكروا بمعطيات في تاريخ الادب التونسي كان لابد منها لاستجلاء أدب صديقنا البشير خريف والتنبيه الى مواطن غفل عنها من كتب عنه فى السابق .
وتتجلى أهمية هذه الندوة في ان الاديب المعني بالامر كان حاضرا يستمع الى الدراسات والبحوث المعدة في شانه وهى ظاهرة أصبحت سنة متبعة في تونس الحديثة بينما كان الاديب التونسي في غابر الايام يفارق هذه الدنيا وهو مغمور وينتظر بعد وفاته السنين الطوال - ليتذكره صديق وفي حركته نوازع نبيلة - أو منصف اصطفته الايام خضوعا لناموس العدالة الالهية ولنتذكر حظ أبي القاسم الشابي أو الطاهر الحداد أو الدوعاجي الذين لم يجدوا مكانتهم الادبية الحقيقية الا بعد استقلال تونس .
وقد احببنا - لاعتبارات عديدة منها ان الاديب البشير خريف هو من أسرة هذه المجلة - نشر ملف في هذا العدد يحتوي على بعض الدراسات والبحوث التى نوقشت أثناء هذه الندوة منبهين الى ان ما سيجده القارئ في الصفحات
الموالية الخاصة بهذا الموضوع لا يعكس الا جزءا قليلا لما قيل عن البشير خريف ولا يعطي الا فكرة عامة عن وقائع الملتقي.
وعلى كل فان نشر هذا الملف يعد مساهمة ذات أهمية فى التعريف بالقصة التونسية لحما ودما والتنبيه الى الخطوات الكبيرة التى سجلها هذا الفن فى تونس في العقدين الاخيرين ذلك ان من يتحدث عن البشير خريف فانما يفتح في الواقع ملف القصة التونسية الذى له قصته ايضا .
وليس في نيتى سرد قصة " القصة التونسية " ولا فى الحسبان المغامرة فى تسجيل تاريخ هذا الفن في صفحات قليلة بل غاية ما أريده هو تقديم وجهة نظر من واكب الحركة الادبية التونسية فترة من الزمن ومارس هذا الفن ولو بقسط ضئيل وعرف شيئا من باطنه وظاهره .
عندما نطالع ترجمة القصاص البشير خريف نجد إشارة بسيطة إلى أول أثر نشره وهو قصة "ليلة الوطية " فى جريدة الدستور بعناية من شقيقه المرحوم الشاعر الكبير مصطفى خريف وذلك سنة 1938 وأثارت القصة استنكار الاوساط الادبية آنذاك نظرا إلى أنها كتبت باللهجة الدارجة .
وانتظر الاديب البشير خريف عشرين سنة أخرى أى عام 1959 ليقدم قصته الثانية إلى مجلة " الفكر " بعنوان : "حبك دربانى " ونشرت تباعا فى " الفكر " بعنوان : " إفلاس " ولم تطبع في كتاب على حده الا بعد أكثر من عشرين سنة وعلى نفقة صاحبها حسب ظني .
واذا كان صاحبنا عرف الشهرة بقصصه الاخرى فان هذه القصة تصور حقيقة عناء الخلاق التونسي الذي يريد أن يكون وفيا لفنه وبيئته صادقا مع نفسه ومع مجتمعه . ولولا عزيمة بعض الصادقين فى تونس المستقلة من المسؤولين والادباء الأفذاذ لما امكن التغلب على هذه الصعاب ولما امكن إبراز الادب التونسي بوجهه الناصع الوضاح الصادق الامين.
وأريد هنا أن أسجل خدمة للحقيقة التاريخية والواقع المعاش كيف عرفت قصة البشير خريف النشر وكيف عرف الشهرة بعد ذلك إذ أن إصرار أديبنا
على الكتابة كان يوازيه أيضا إصرار مسؤول متحمس للادب التونسي آلى على نفسه أن يتقحم الصعاب ويبرز للناس الادب الحي والقصة التونسية لحما ودما . ألا وهو الاستاذ محمد مزالي.
وأذكر أنه في غضون سنة 1959 تقدم صديقنا البشير خريف الى نادى "الفكر" بجمعية قدماء الصادقية حيث كانت أسرة " الفكر " تجتمع عشية كل يوم سذاك وقدم نفسه كأخ للشاعر المعروف مصطفى خريف وجلس بين أعضاء الاسرة بعد أن رحب به الاستاذ محمد مزالي وأعلم الحاضرين في لطف واحتشام كبيرين بأن له قصة يريد أن يطلع الاسرة عليها فتناولها منه مدير المجلة وتصفحها ثم أشار عليه ببداية السرد . وما ان قرأ منها الفقرة الاول والثانية والثالثة حتى استوقفه بعض الحاضرين وطفق يناقشه بحدة تارة وشئ من السخرية أخرى . فما كان من الاستاذ محمد مزالي إلا أن استرجع المخطوط من صاحبه ووعده بالنظر فيه شخصيا .
وفي الجلسة الموالية وفي آخر الحصة دافع الاستاذ محمد مزالي بحماس كبير عن نشر قصة البشر خريف وقرر احتضانها بين صفحات المجلة وناولني المخطوط وانفضت الجلسة ورحت على عجل الى المنزل لقراءتها بعد التشويق والحث فالتهمتها وأعجبت بها وكان ما كان فيما بعد من النقد ولم يكن البشير خريف وحده ليتحمل ذلك بل مدير المجلة ايضا وهو مما خفف الوطاة على أديبنا .
ولا فائدة - عند الحديث عن أدب البشير خريف - من ذكر حماس الاستاذ محمد مزالي لهذا الادب بعد ذلك والتعرض الى ظروف بروز قصة " برف الليل " - وهو آنذاك رئيس لجنة الثقافة ببلدية تونس - ولا العمل على إبراز هذه القصة فى مسلسل اذاعي عندما كان مديرا عاما للاذاعة والتلفزة التونسية وما كان لهذا المسلسل من الوقع في نفوس المستمعين.
أردت أن أذكر بعض هذه التفاصيل لأبين أن القصة التونسية لحما ودما لم يكتب لها أن تظهر الا عندما انتفت القيود التى كانت تكبل الشعب التونسي أثناء الاستعمار وهذه القيود لم تكن ناشئة فقط عن النظام الاستعماري ولا عن
حكم البايات بل أيضا نابعة من عصور التحجر وفهم منزلة الأدب ودوره على غير وجهه الصحيح فلقد كان الادب أدب النخبة والتحذلق والحلقات الخاصة.
ثم إن النظام الاستعماري لم يكن ليحض على ادب نابع من الذاتية التونسية العربية الاسلامية بل إننى أذكر أن مستشرقا من أكبر المستشرقين ألقى محاضرة ليدلل على أنه لا يمكن أن توجد الرواية التونسية الطويلة لاسباب كثيرة تتعلق بنفسية التونسي وتركيبه وبيئته كأنه خلق من طينة أخرى وغاية ما يمكن أن تجود به القريحة التونسية هو القصة القصيرة . وكان يساند هذا النوع من التحليل الادب التقليدى أدب الكليشيات والحذلقة والتفيهق بدون أن يشعر أصحابه بذلك .
وهكذا ران على أدب القصة في تونس قبل الاستقلال طوق قوي لم يقدر على تكسيره الخلاقون التونسيون الا بعد الانعتاق من الاستعمار لان القصة التونسية الحقيقية لا يمكن أن تكون مادتها الا الواقع الذي يعيشه الناس فى البيئة التونسية والا الاحداث اليومية البسيطة التى يمكن للخلاق أن يسمو بها ويجعلها فى مستوى الفن الرفيع فلا الرواية التاريخية ولا الذهنية قدرتا على أن تعبرا التعبير الواضح عن البيئة التونسية الخصوصية وان تحتوى على الابعاد التى عرفتها القصة الواقعية التونسية .
وما من شك في أن البشير خريف فتح للقصة التونسية عهدا جديدا ظهرت على خطواته مواهب كبيرة عمقت تجربته ومكنت الادب التونسي من انتاج قصصى ثرى تعددت التجارب فيه واكسبته قوة ومتانة جديرتين بأن تجعل هذا الفن في تونس هاما كما وكيفا.

