الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

إيران فى عهد الدولة القاجارية

Share

كلمة من المجلة :

* الدكتور أحمد خالد البدلى - مترجم هذا الكتاب التاريخى النفيس - ولادته بمكة المكرمة في سنة ١٣٥٤ ه - ١٩٣٠ م و واكمل دراسته الابتدائية والثانوية بمكة ثم ابتعث فى سنة ١٣٧٥ ه - ١٩٥٥ م والتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية ، وتخرج منها سنة ١٣٧٩ ه - ١٩٥٩ م . وعمل معيدا بكلية الآداب بجامعة الرياض . ثم ابتعث سنة ١٣٨١ ه - ١٩٦١ م الى لندن ، للدراسات العليا . ومن حيث أن " تخصصه " كان في اللغة والادب الفارسيين فقد نقلت دراسته الى طهران سنة ١٣٨٢ ه - ١٩٦٢ م . وفي جامعة طهران تخرج سنة ١٩٦٦ م - ١٣٨٥ ه وحصل على درجة الدكتورية فى اللغة والأدب الفارسيين ، وعاد الى الوطن ، ليعمل مدرسا بكلية الآداب - قسم اللغة العربية - منذ سنة ١٣٨٦ ه -١٩٦٦ .

باكورة اعماله الادبية

وترجمته لهذا الكتاب المهم - ايران في عهد الدولة القاجارية - هي باكورة اعماله الفكرية والأدبية ، وهي باكورة حافلة ، اذ هي تتحدث عن هذا البلد المسلم الشقيق في فترة مزدحمة بالاحداث والملاحم والمشاكل . وهي الفترة الواقعة بين أوائل القرن الثالث عشر ، والنصف الاول من القرن الرابع عشر الهجرى الذى نعيش اليوم في جانبه الأخير ( ١٢١٠ ه - ١٣٤٤ ه ) .

* وقد فرغ الدكتور أحمد خالد البدلى من ترجمة الجزء الاول من هذا الكتاب الزاخر . وسيعقبه بترجمة الجزء الثاني منه . .

* ومؤلف الكتاب المترجم - بفتح الجيم - الاستاذ المرحوم على اصغر شميم . * وقد خصص الصديق العزيز الدكتور أحمد خالد البدلى مشكورا ومقدرا مجلة المنهل بنشر هذا الكتاب منجما على فصول في متتابع اعدادها حتى نهاية الكتاب ان شاء الله . .

* وهذا هو الفصل الاول ننشره فيما يلى ، مقدرين للدكتور الشاب ، جهده الادبي والعلم والتاريخى الاول من نوعه فى بلادنا . . وعلى قدر أهل العزم تاتي العزائم .

وها هو ذا ادبنا بهذا الصنيع الحصيف يسير قدما الى الامام في خطواته الواسعة المركزة بدأ ينقل من كنوز الانتاج العالمي لا الينا فحسب ، ولكن الى العالم العربى اجمع . . انه تصدير كبير مزدوج لادبنا العربي السعودي . .

مقدمة المؤلف نظرة إلى الماضى :

ان حملة المغول على ايران التى بدأت سنة ٦١٤ ه ، واسقطت الدولة الخوارزمية ، وحلت محلها السلطة المغولية ، ادخلت فى البناء الاجتماعى السكان ايران عنصرا اجتماعيا (١) جديدا ، ظل الى يومنا هذا محتفظا بآدابه وتقاليده وطرق معيشيته بحيث اختلف عن المجتمع الايرانى من سكان المدن والقرى ، هذا العنصر هى الاقوام التركية المعروفة بالايلات (٢)

أما كيف تم الغزو المغولى لايران وما هى الخسائز المادية والمعنوية ومدى الفجائع النهي انزلها هذا الغزو بايران فهى أمور خارجة عن نطاق بحثنا هذا . وقد تولى زملائى الكرام من اساتذة علم التاريخ بخثها وتحقيقها فى عدة كتب فليراجعها من أراد التتبع التاريخي الدقيق .

اما ما تجدر الاشارة اليه فى هذه المقدمة والذى بدونه لا يتم الربط التاريخي بين الماضى الذاهب والحاضر المائل فهو كيفية تأثير هذا العنصر الاجتماعى الجديد فى البناء الاجتماعى والتطورات السياسية والصراع الطبقى فى ايران والى أى حد أثر هذا العنصر الدخيل فى مصير الامة

الايرانية . البيان كل ذلك لا بد من ذكر الامور الآتية :

١ - رغم مضى عدة قرون منذ الغزو المغولى واستقرار النظام العشائرى المترتب عليه فى ايران الا اننا نرى ان حياة هذه العشائر لا تختلف اليوم كثيرا عما كانت عليه أول نشأتها رغم التغير الكبير الذى طرأ على الحياة الاجتماعية من حولها .

فعشيرة القشقائية مثلا لا زالت فى أمر حلها وترحالها وانتجاعها للمراعى الشتوية والصيفية تسير على نفس الطريقة وبنفس الاسلوب القديم . فاذا ما قلنا ان طرق التفكير ووسائل معالجة مشاكل الحياة بين هذه العشائر لم تتغير منذ أربعة قرون فنحن لم نجانب الحقيقة .

ان هذا الركود الفكرى والاجتماعي الذي يشاهد في هذه العشائر كان نتيجة حتمية لعدة عوامل ابرزها العامل الجغرافى فقد كانت هذه العشائر تختار الاقامة فى الاودية الخصيبة لتأمين حياة قطعانها ومن ثم حياتها وكان لهذه العزالة عن المجتمع المدني والريفي آثار سيئة على ايران فى المجالين الاجتماعى واسياسي . فقد قاومت تلك العشائر كل محاولة للتقدم والاصلاح فى مجتمعها أرادته لها الحكومة المركزية فهى تقف دائما ضد الافكار الجديدة التى تحاول تغيير حياتها ولو الى الافضل .

وسوف نرى هذه الآثار السياسية والاجتماعية لعزلة هذه العشائر خلال الفصول القادمة .

٢ - نظرا لان حياة هذه العشائز تتوقف بالدرجة الاولى على ولائها لرئيس العشيرة ، فان رؤساء العشائر قد لعبوا دورا خطيرا في توجية السياسة الايرانية ، وكانوا محور تطورات خطيرة في العلاقات السياسية بين

ايران والدول الاجنبية . فاذا اخذنا عشائر ( بوير احمدى ) أو ( القشقائية ) أو العشائر العربية فى فارس مثلا وجدنا أن هذه العشائر كانت مستعدة دائما لان تنفذ ما يأمر به رئيس العشيرة . وهذه القضية تعتبر من أهم الركائز التى اعتمدت عليها الدولة القاجارية حين فكر زعماؤها فى التسلط على ايران وسيتضح لنا هذا خلال حديثنا عن قيام هذه الدولة فى الفصول الآتية .

بعض مظاهر النشاط السياسي العشائري :

قلنا ان العشائر كانت خلال الثلاثة قرون الماضية من أهم العوامل المؤثرة فى مجرى الحياة الاجتماعية والسياسية فى ايران فلنتتحدث الآن عن بعض مظاهر النشاط السياسى لهذه العشائر بالقدر الذي يلقي الضوء على التاريخ القاجارى الذى نحن بصدد الحديث عنه .

لكى ندرك مدى تأثير هذه العشائر فى الوضع الاجتماعى والسياسى للبلاد وهل كانت مصدر خير وبركة أم اداة هدم وتخريب يجب أن تأخذ فى الاعتبار الظروف المختلفة التى كانت تحيط بهذه العشائر من دين والغة وخصائص خلقية وخلقية . فقد كانت هذه العشائر تعيش دائما فى حالة حرب ونزاع تحاول كل عشيرة الاستيلاء على ما بيد الاخرى وغالبا ما كانت العشيرة الاقوى تخضع بقية العشائر لامرها ثم تسخرها لفتح الممالك الاخرى .

وكثيرا ما كان هذا النزاع العشائرى يفتح الباب للتدخل الاجنبى فبى ايران عن طريق سفراء الدول الطامعة فى خيرات ايران . فكانت تلك الدول الاجنبية تحاول استمالة رؤساء العشائر بكل الوسائل الى جانبها فان عجزت عن استمالتهم بالمال لجأت الى

القوة . قوة العشائر المخالفة طبعا . فساعدتها على القضاء على العشيرة الاخرى .

واذا علمنا ان رؤساء العشائر كانوا يمارسون الحكم على مجموعة من السكان السذج الجهلاء الذين كانوا يأتمرون دائما بأمرهم ادركنا مدى الخطورة التى كان يشكلها هؤلاء الرؤساء للحكومة المركزية . وأدركنا ما هو أكثر خطورة من ذلك وهو سر التدهور السياسى والحروب الناشبة دائما بين هؤلاء البرؤساء والحكومة المركزية وكانت هذه الخلافات تغرى الطامع الاجنبى بالنفوذ الى مختلف شؤوننا الداخلية .

ومع اننا لا نستطيع بل ولا نريد أن نتهم عشيرة بعينها بالتواطؤ مع الطامع الاجنبى ، ومع اننا لا نشك فى صدق وطنية هذه العشائر الا اننا نؤكد ان بعض زعماء العشائر وكبار الاقطاعيين العشائريين كانوا من أكبر العوامل التى ساعدت ومكنت الاستعمار من السيطرة على بعض انحاء اير ان . فكثيرا منا كان هؤلاء الرؤساء فى سبيل الاحتفاظ بسيطرتهم العشائرية يمدون العدو بالعون إذا كان في ذلك ضمان لبقائهم وان كنا لا ننسى ما قامت به بعض تلك العشائر فى الثلاثمائة سنة الاخيرة من تقديم أكبر الخدمات لايران والوقوف فى وجه الغاصب ، وهذا يدل على ان العشائر قوة ذات وزن خطير اذا احسن استغلالها فى سبيل رفعة الوطن وحمايته . فالتاريخ لا ينسب للعشائر الكردية مواقفها الباسلة أمام الجيش العثمانى طوال العهد الصفوى والافشارى والزندى . وكذلك مواقف عشائر " تنكستان " (٣) وعشائر " دشتى " أمام

الجيوش البريطانية الغازية لجنوب ايران فى العهد القاجارى .

وكذلك المواقف البطولية التى وقفتها العشائر الكردية القاطنة فى شمال خراسان أمام الهجمات العدائية التى كانت تشنها قبائل الاوزبك والتركمان والشواهد على مواقف هذه العشائر النبيلة كثيرة لسنا بصدد احصائها . وهكذا نرى ان قوة هذه العشائر ذات حدين متمايزين فهى قوة هدامة اذا تركت لاستغلال رؤساء العشائر الذين لا يهمهم سوى توطيد سيادتهم بصرف النظر عما تتعرض له بقية اجزاء البلاد من الخراب ، وقوة بانية اذا ما أحسن توجيهها الى خير الوطن .

من قراءتنا لهذه المقدمة نجد الجواب على السؤال الذى طالما طرحه المؤرخون وهو . لماذا كان يقترن قيام كل دولة جديدة فى ايران في الثلاثمائة سنة الاخيرة بحروب طاحنة وشرسة طويلة ؟

لان العشائر فى ايران قوة خطيرة يستطيع من يسيطر عليها ان يواجه جميع التحديات ببى فلاة ايران . ونلاحظ ان رؤساء العشائر كانوا فى نزاع وصدام دائم مع الحكومة المركزية وكان يحدد موقفهم منها مدى ما تستطيع ان تحققه لهم من زيادة السيطرة أو الابقاء على ما فى ايديهم على أضعف الايمان . ولذلك حاول هؤلاء الرؤساء أن يحتفظوا بهذه القوة البشرية المتمثلة فى عشائرهم فى نفس اوضاعها القديمة من حيث الحياة والنظم والتقاليد والعادات العشائرية حتى يضمنوا ولاءها الدائم لانفسهم . وقد بلغ من رسوخ هذه المفاهيم العشائرية فى نفوس تلك العشائر انه لم يستطع أى حاكم فى ايران أن يزحزحهم عنها فما كاد السلاطين العظام أمثال الشاه عباس الاول الصفوى

والشاه عباس الثانى الصفوى ونادر شاه الافشارى يلاقون حتفهم حتى ذهبت كل مساعيهم لتغير مفاهيم تلك العشائر سدى وعادت سيرتها الاولى .

الفصل الاول القاجارية تبحث عن القوة

( كانت العشائر القاجارية مثل غيرها من العشائر التركية في ايران ، تبحث عن القوة وتسعى الى السلطة ولكنها ظلت أمدا طويلا غير ذات خطر ) .

نسب القاجاريين :

فتحت الحملة المغولية الطريق أمام عدد كبير من القبائل المغولية - التترية الى ايران ، ولقد استطاعت هذه القبائل ان تستولى على الاراضى الخصيبة والمرتفعات الجبلية الخضراء ، ولم يمض قرنان حتى كانت هذه القبائل قد اختلطت بالسكان الاصليين . ثم جاءت حملة تيمور على ايران لتكمل الخراب والتدمير فى ايران ولتفتح الباب مرة اخرى أمام عدد كبير من المهاجرين الجدد من المغول والتتر . اخذت هذه الموجة الجديدة تستعرض قوتها الحربية . وكان وزن القائد في نظر تيمورلنك الكوركانى (٤) يزداد بعدد القتلى من الاعداء

وكان جزاؤه دائما أن يهبه تيمور أرضا مقطوعة تكون خالصة لله يتوارثها بنوه من بعده . وكان من نتائج حملة تيمور هذه أن ظهرت عشائر لامعة فى التاريخ الايرانى كالأوزبك والتركمان . وبعد ان كانت مهمة هذه العشائر هى الحرب اخذ أعينانها يسيرون دفة السياسة الايرانية وصار بعضهم يحكم نواحى القوقاز وشمال بحر قزوين وتركستان الغربية وآذربيجان و آسيا الصغرى والشام وفلسطين . ولعل أكبر قوة ظهرت من بين هذه العشائر هم العثمانيون الذين كونوا امبراطورية عظيمة .

لقد كانت آذربيجان والقوقاز مركزين من مراكز التجمعات العشائرية التركية ورواج اللغة التركية فى تلك المنطقة الى اليوم دليل على ذلك . ولقد كانت آذربيجان منذ زمن تيمور وخلفائه ثكنة حربية ملأى بالجند التركى المتأهب دائما للحرب ، ولذلك كانت منطقة آذربيجان من اكثر مناطق ايران أهمية من الناحية الاستراتيجية . ولعل صراع العشائر المعروفة ( بالقراتويونلو ) و ( الآق قويونلو ) مع الدولة الصفوية عندما حاولت بسط نفوذها على آذربيجان والقوقاز وكذلك التجمعات العشائرية التترية والتركية القاطنة فى تركستان الغربية وصحارى روسيا الجنوبية وشمال القوقاز ومحاولة التسلط على ايران مما أقض مضاجع الصفويين الناشئين أكبر دليل على ما نذهب اليه من أهمية منطقتى آذربيجان والقوقاز لكل من يريد السيطرة على فلاة ايران .

لقد كانت عشائر ( الآق قويونلو ) (٥) التى حكمت فترة من الزمن فى آذربيجان من اقوى العشائر التى اعتمدت عليها الدولة الصفوية ابان قيامها . والعشائر التى عرفت فيما بعد فى تاريخ إيران

بالقاجاريين فرع من الآق قويونلو . واذا كنا لا نستطيع ان نجزم بأن القاجاريين فرع من اتراك ( الآق قويوتلو ) فهم لا شك من أصل تركى متأثر بعثشائر الآق قويونلو بدليل انهم بعد وصولهم الى الحكم ظلوا يحتفظون بألقاب ( قويونلو ) و ( دولو ) (٦) ويمنحونها كعنوان للشرف .

لقد كان القاجاريون يقومون بحراسة الحدود الايرانية - الازبكية نيابة عن الصفويين ويقفون أمام تحديات الاوزبك وقبائل التركمان القاطنة فى تركستان الغربية (٧) . ولقد كان القاجاريون من أكثر العشائر التركية ولاء للدولة الصفوية .

حياة القاجاريين الرعوية :

عندما كانت العشائر القاجارية تقوم بحراسة الحدود الايرانية فى جرجان ومنطقة ( الدشت ) فرضت عليها طبيعة حياتها الرعوية ان تختار المراعي الخصيبة فى حوض نهر ( جرجان واترك ) لتضمن لقطعانها الماء والكلأ . وهكذا لم يمض زمن على اقامة هذه القبائل فى تلك النواحى حتى

اختطت ، كل قبيلة خططا خاصة بها . وكما يحدث عادة بين القبائل الرعوية نشب الخلاف بين افرادها على الكلأ والماء فقرر زعماء العشائر تقسيم المياه والمراعي بين العشائر بالتساوى وبذلك استقر جزء من تلك العشائر فى أسفل الوادى ، وأقام جزء منها فى اعلاه فعرف اصحاب الجزء الاعلى بعشائر ( اليخارى ) (٨) واصحاب الجزء الادنى بعشائر ( الاشاقة ) (٩). وقد اطلق فيما بعد على عشائر اليخاى لقب ( دولو ) وعلى عشائر ( الاشاقة ) لقب ( قويون لو ) (١٠) .

ولقد أحس الصفويون ان اتحاد عشيرتى الاشاقة واليخارى قد يسبب لهم كثيرا من المتاعب لذلك جهدوا فى التفرقة والوقيعة بينهما ، ويبدو ان قوة عشيرة الاشاقة كانت اعظم من عشيرة اليخارى الى جانب تأييد البلاط الصفوى لها الذى كان من العوامل التى زادت في نفوذها .

عشيرة الاشاقة والملك طهماسب الثاني الصفوى :

تعرضت الوحدة السياسية والادارية في ايران لهزة عنيفة بعد الهزيمة التى انزلتها قوات محمود الافغاني بجيوش السلطان حسين الصفوى وسقوط اصفهان فى يد الافغان سنة ١١٣٥ ه . واخذ الطامعون يتربصون بهذه الفريسة المترنحة ( ايران ) وشرعت الدول المجاورة والاستعمار الغربى فى اقتطاع اوصال ايران . ففي سنة ١١٣٨ ه أى بعد ثلاث سنوات من سقوط

اصفهان فى يد الافغانيين بدأت القوات العثمانية تحاصر ايران من الغرب والقوات الروسية من الشمال الغربى وسواجل بحر قزوين بينما كان الملك طهماسب الثاني ابن السلطان حسين الصفوى فى آذربيجان يحاول استرداد ملك اجداده . كما نرى الملك محمود السيستانى والافغان الابداليين يتنازعون فى خراسان ولم يكن وضع أشرف الافغانى الذى كان يسعي لتثبيت حكمه فى اصفهان وفارس بأحسن من غيره . لقد هيأ هذا الوضع القلق المضطرب الذي تعرضت له ايران فرصة مناسبة لقيام ( نادر الافشارى ) الذي كان على رأس قوة صغيرة فى شمال خراسان بمحاولة لبسط نفوذه على ايران كلها .

لقد استطاع الملك طهماسب بمساعدة جند أبيه السلطان حسين الصفوى ، المعروفين بقزل باش (١١) وتأييد عشائر الافشار أن يستولى على آذربيجان وقزوين وكيلان . وفكر في الاستعانة بالعشائر القاجارية لذلك نراه فى سنة ١١٣٧ ه يتجه الى جرجان حيث استطاع استمالة فتح على خان القاجارى احد كبار زعماء عشيرة الاشاقة

باش الذي انضم الى جيش طهماسب الثاني على رأس عدد كبير من خيرة محاربى عشيرته حيث كلفه الملك طهماسب بالتوجه الى طهران وفتحها .

ولقد وفق فتح على خان القاجارى فى مهمته وفتح طهران مما اكسبه مزيدا من الاحترام والقربي لدى الملك طهماسب الثاني الصفوى . فقد استطاع فتح على خان القاجارى أن يوقف تقدم جيش اشرف الافغانى الذي كان متقدما في فتوحاته نحو شمال ايران . وعلى اثر هذه الخدمة الجليلة من فتح على خان القاجارى منحه الملك طهماسب الثاني لقب قائد أعلى للجيوش الملكية . وهكذا أصبح فتح على خان القاجارى اول زعيم من عشيرة الاشاقة باش يحمل هذا اللقب العسكرى الضخم في البلاط الصفوى .

أول ضحايا التسلط النادرى :

ذكرنا ان خراسان كانت تحت تصرف محمود السيستانى . وكانت هناك ثلاث قوى تحاول تخليصها منه . الاولى : الافغان الابداليون والثانية : قوات الملك طهماسب

الثاني الصفوى . والثالثة قوات نادر الت كانت متمركزة فى شمال خراسان .

ولقد استطاع الملك طهماسب الثاني الصفوى أن يستميل نادر الى جانبه بعد عدة مكاتبات تبودلت بين الطرفين . وهكذا تحول الخصمان طهماسب ونادر الى قوة واحدة وقوى أمل طهماسب الثاني في فتح خراسان .

ولكن نادر كقائد عسكرى طموح لم يكن ليحتمل وجود شخصية عسكرية قوية فى الجيش الذاهب الى خراسان لذلك لم تكن العلاقات بينه وبين فتح على خان القاجارى القائد الاعلى للقوات الصفوية على ما يرام كما لم يكن فتح على خان القاجارى ليعجب بغطرسة نادر وهكذا بدأ هذان الطامعان الجديدان يتنافسان فى سبيل الوصول الى قلب الملك طهماسب الثاني الصفوى .

وقد استطاع نادر بما اوتى من حنكة عسكرية ورشادة قيادية ان يستحوذ على إعجاب الملك طهماسب الثاني الصفوى وقتل فتح على خان القاجارى نتيجة دسائس نادر قبل ان يصل الجيش الصفوى الى مشهد (١٢) وذلك فى اليوم الرابع عشر من شهر صفر سنة ١١٣٩ ه . ولم يكتف نادر بقتل زعيم عشيرة الاشاقة باش بل جرد العشيرة كلها من السلاح واعادها الى جرجان .

لقد كان تغاضى الملك طهماسب الثاني الصفوى عن تعقب قاتل فتح على خان القاجارى من الاخطاء السياسية الخطيرة التى

ارتكبها . فهو لم يكن يتصور ان قاتل قائد قواته اليوم سيخلعه من العرش غدا .

بعد فتح خراسان توجه طهماسب الثاني الصفوى الى الحدود التركية لاجلاء الاتراك الذين اغتنموا فرصة الفوضى التى حلت بايران سنة ١١٣٥ ه وهاجموا الحدود الغربية لايران . ولكنه هزم هزيمة نكراء وأجبر على توقيع هدنة أشد نكرا فرآها نادر فرصة لاقصاء الملك طهماسب الثاني الصفوى عن العرش .

أما وقد أصبح الامر بيد نادر شاه فقد سلك مع القاجاريين مسلكا عنيفا تميز بالقمع والقتل والتشريد حتى لا تفكر هذه العشائر فى الانتقام لزعيمها فتح على خان القاجارى وقد سار اخلاف نادر شاه على مع السياسة مع القاجاريين .

كان من نتائج سياسة نادر شاه التى اتسمت بالخشونة والقسوة ضد العشائر القاجارية خاصة والشعب الايرانى عامة أن هب الشعب فى وجهه فى كل مكان محاولا القضاء عليه .

وكان من أشد العشائر التركمانية احتجاجا وتذمرا عشيرة ( يموت ) القاطنة بالقرب من نهر ( أتراك ) فقامت بالثورة ضد حاكم ( دشت ) وجرجان النادى ورغم ان بعض عشائر القاجار كانت في الماضى تعتبر أى خروج من العشائر على الدولة المركزية شغبا يجب أن يقمع بشدة الا اننا نراها هذه المرة تشترك في الثورة على ممثل نادر شاه وتؤيد عشيرة ( يموت ) ، ولكن نادر شاه استطاع أن يخمد هذه الثورة في مهدها وقتل عددا كبيرا من زعماء عشيرتى القاجاريين

ويموت . وكان عدد القتلى في المعركة التى دارت بين القوات النادرية والعشائر الثائرة كبيرا ، ولم يكتف نادر شاه بهذه المذبحة بل أمر بدفن بعض الثوار وهم أحياء . وهكذا أجج نادر شاه نار الحقد في قلوب العشائر القاجارية .

محمد حسن خان القاجاري يثأر للقاجاريين :

كان محمد حسن خان بن فتح على خان القاجارى يراقب الوضع المتدهور والهاوية التى كانت الدولة النادرية تنحدر اليها . وكان يتحين الفرص للانقضاض على النادرية وأخذ الثأر لأبيه فتح على خان القاجارى ولقد استطاع محمد حسن خان القاجارى أن يفر من المعركة الرهيبة التى نشبت بين القوات النادرية والعشائر القاجارية وعشائر يموت ، في جرجان ، وظل مختبئا الى أن علم بمقتل نادر شاه في خراسان وانتقال السلطة الى يد ابن أخيه على قلى خان المعروف بالملك العادل ، فجاء محمد حسن خان القاجارى الى جرجان ليحرض العشائر القاجارية على الدولة النادرية .

وعندما علم الملك العادل بنيات محمد حسن خان القاجارى أرسل حملة تأديبية الى جرجان حيث تولت تأديب رؤساء العشائر القاجارية ، ومن بين أولئك الرؤساء أحد أبناء محمد حسن خان القاجارى ويدعى " محمدا " فقد أمر عادل شاه بخصيه مما زاد كراهية البيت النادرى في قلوب القاجاريين .

كان يتنازع العرش النادرى بعد مقتل نادر شاه أبناء أخيه : على قلى خان الملك

العادل ، وابراهيم خان . فقد كان كل من الأخوين يدعى أحقيته بالعرش . ولقد أحسن محمد حسن خان القاجارى استغلال هذا الوضع المتأزم بين الاخوين ، وكان يتظاهر لعلى اليوم ليظهر مساندة إبراهيم غدا ، حتى لقد شارك محمد حسن خان القاجارى فى حروب عادل شاه في شمال ايران ليثبت له ولاء القاجاريين للبيت النادرى .

ولكن لم يمض وقت طويل حتى قضى حفيد نادر شاه المدعو شاه رخ على كل من عادل شاه وأخيه ابراهيم خان ، وبذلك وصلت الاحوال في البيت النادرى إلى أسوأ الدرجات واتسعت حركة الانفصال عن حكم الدولة النادرية ، تلك الحركة التى بدأت في حياة نادر شاه نفسه وفي عهد ابنى أخيه . ورأى محمد حسن خان القاجارى الفرصة

مواتية للوثوب على البيت النادرى . وإدارة ايران لحسابه الخاص .

كانت أول خطوة خطاها محمد حسن خان القاجارى للوصول الى السلطة هو عقد حلف دفاعى مع زعماء عشائر يموت ، وأتراك ، ووكوكلان ، تقوم هذه العشائر بموجب ذلك الحلف بمساندة القاجاريين ضد البيت النادرى ، واستطاع محمد حسن خان القاجارى أن يقضى بهذا الحلف على الخلافات القديمة بين القاجاريين وبين تلك العشائر التركمانية . وهكذا ظهرت الى الوجود قوة حربية وسياسية في غرب ايران لها وزنها الكبير . ولولا قيام الدولة الزندية في جنوب ايران والتى وقفت في وجه القاجاريين لاستطاع محمد حسن خان القاجارى أن يكون حاكم ايران ، ولكن ظهور الزنديين أخر قيام القاجاريين الى أمد .

اشترك في نشرتنا البريدية