لهم ير العرب فى آل عثمان يوم جاؤوا مدافعين عن بيت المقدس الا انهم مثلهم مسلمون . فلم يحاولوا أن يقاوموا حكمهم الا يوم انحرفوا عن الاسلام فاسستبدوا وبطشوا وتعالوا بطورانيتهم وتركوا بلاد المسلمين نهبا لقوى الاستعمار الغازية . لذلك كانت أول مقاومة لاستبداد الترك وفساد حكمهم باسم الاسلام على يد الوهابين فى القرن الثامن عشر . وكان العرب يحسون عروبتهم واسلامهم فى آن متمازجين مختلطين حتى انه لما جاء ابراهيم بن محمد على أوائل القرن الماضى ليوحد بين مصر وسورايا ويناهض الوهابين لم يستطع أن يحرز نصرا الا يوم أكد للعرب أنه عربى مثلهم .
وتداخل الدين فى مفهوم العروبة قبل ميلاد القومية العربية قرنا أو يزيد . لقد كان العثمانيون الدولة المسلمة الوحيدة بين ثمانى عشرة دولة مسيحية فى أوربا وبدأوا فى آخر ايامهم يحاربون الروس والبلقان والطليان وحاولوا أن يحموا الامبراطورية من تسلل الانجليز أو الفرنسيين ولكن فرنسا تضع رجلها فى مصر ثم تنزح لتثبيت نفسها فى الجزائر ثم تتدخل باسم حماية استقلال لبنان فتفرده وتوطد انجلترا اقدامها حربية فى مصر بعد ثورة عرابى وتتسلل الى العراق والى الجنوب العربى . وما تكاد نذر الحرب العالمية الاولى التى أطاحت بامبراطورية آل عثمان تظهر حتى وقع العالم العربى كله نهبا لتسللات الاستعمار باسم الحماية والوصاية والانتداب وما شاء الاستعمار من اسماء . وهكذا دخل آل عثمان أرض العرب فأحالوها بلادا متخلفة فريسة للمستعمرين وجيوشهم .
وابان هذا التحول وفى أواخره خاصة تنبه العرب على الخطر المحيق بهم فبدأوا عملية التجمع . وتنبه العثمانيون فى الوقت نفسه الى الخطر المحيق بهم فحاولوا تجميع المسلمين . واختلط الامر فى الثلث الاخير من القرن الماضى فى المجال الفكرى والعقائدى وأحيطت القومية العربية بضباب كثيف غذته الاحداث فازداد قتاما .
تجمع العرب وظليم آل عثمان وتعاليهم وموجات التتريك تغذى هذا التجمع ولا تفرق فيه بين مسلم وغير مسلم ولكن تجمع العرب ايضا والعثمانيون حروبا عثمانية ضد نصارى أوربا سموها حروبا دينية .
فاذا كثير من العرب يحبون أل عثمان ويكرهون . يسخطون عليهم ويميلون اليهم يرون الظلم والاستبداد فينادون بالانفصال ثائرين ثم يرون تحديات الغرب المستعمر فتخف حدة الثورة ، وتؤجل الى حين الرغبة فى الانفصال . وتكثر حروب تركيا حتى أن أول جمعية تألفت للمناداة بالانفصال عن تركيا اشترطت الا يحارب العرب الا فى بلادهم . ولكن الحوادث تترى واوضاع البلاد العربية تختلف من حيث الصلة بالحكومة المركزية فى الاستانة فاذا الادب يعكس هذا الخضم المتشابك من الاحداث فى صور شتى .
وكان الادب والشعر خاصة أصدق رؤية وأوضح نظرة من حيث ما يجمع العرب ويجعلهم أمة فريدة هى خير أمة اخرجت للناس خيرها فى أنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أى أن خيرها مستمد من قدرتها على السلوك المثالى لذلك اصطفاها الله فاختار منها خاتم النبيين وخير المرسلين بل اصطفى لغتها فجعلها وسيلة التعبير عن الوحى المنزل . ولكن القدرة على التفتح للغير التى كانت مصدر قوة للعرب طوال تاريخهم والتى منها دخل المسلمون من غير العرب حاكمين فى أرضهم تتدخل فى علاقة العرب بآل عثمان فتضعف من شأنهم اذ تطيل عمر تعلق العرب بالعثمانيين وتمد فى رجاء أن يحققوا مصالحهم معهم وبهم ولا يخيب الظن الا بعد تجارب طويلة عديدة مريرة .
وصور الأدب تعلق مصر بالدولة العثمانية مع الاعتراف بالوحدة العربية بل مع التعلق بالوطنية والاقليمية . لقد نادى عمر مكرم بالانفصال عن تركيا فلم تجد دعوته قبولا ولكن عرابى لما نادى بالجمهورية المصرية عن تركيا فى ظل الدولة العثمانية ناصره الشعب كله فى قوة اسطورية وتشبت خيالى . ونادى عرابى ومصطفى كامل بحث المصريين أن يحكموا انفسهم ولكن فى ظل آل عثمان فتغنى شعراء مصر هذا الوجه من الوطنية والعروبة لأنهم لم يعانوا استبداد الترك لانفصالهم عن الامبراطورية عملا ولم يكن يقويهم فى حربهم جحافل المستعمرين الا شعورهم الدينى الذى يربطهم بآل عثمان رباطا وثيقا . لذلك لم يرث العثمانيين من الشعراء قدر ما رثاهم شعراء مصر .
اما الشام الكبير واما العراق فقد أحس استبداد الترك وفوضى حكمهم وتمييزهم العنصرى والعقائدى ومن هنا نبتت بذور الادب القومى المستقل عن الترك والدين فى الشام صافية خالصة وان كانت ابان ظروف معينة نراها تتحد مع مصر فى خلط القومية بالولاء الدينى او شبه الدينى لآل عثمان . وكان دخول فرنسا لتأكيد الكيان اللبنانى وحمايته بعد حرب الستين 1860 أول خطوة دامت لفصل بلد عربى عن سلطان آل عثمان تحت راية اجنبية وكان دخول الجيش الانكليزى مصر سنة 1882 لتأييد البيت المالك ثانى فصل
استعمارى لقطر من الاقطار العربية عن الامبراطورية . وكان الاستعمار الفرنسى قد حل فى الجزائر منذ سنة 1830 ولكن المغرب العربى لم يكن يعانى من حكم آل عثمان بقدر ما كان يعانى من فوضى الحال وعدم وجود حكومة فعلية . وعانى الادب القومى من عمليات البتر تلك زمانا ولون الوضع صورة بالوان دخيلة ولم يقو الادب القومى فى هذه البلاد الا بعد أن زحفت موجات التحرير وخف التغنى بالكيانات المستقلة . ولئن ظلت وثائق السياسة تنطق بآثار الكيانات المستقلة حتى أن ميثاق جامعة الدول يعترف باستقلال الاجزاء فان الادب استطاع فى سرعة أن يثور على هذه النغمات ويخفتها فى تياره القوى الجارف . وهذا لا ينفى وجود شذوذ للقاعدة ولكن موجة التحرر وموجة الالتقاء على طريق الوحدة وخاصة بعد ثورة مصر وتحرير الجزائر قضت على هذه النعرات وعلى غيرها وبين الانتصار على التفكك انتصار العروبة على الكيانات والطائفية والاقليمية وغيرها وبين الميلاد المضبب فى النصف الثانى من القرن الماضى نجد تراثا ضخما للادب يرسم الخطوات واحدة ويقف بمقومات الوحدة وقوفا يدفعها ويقويها ويقوى العرب بها .
ولقد ألف الذين كتبوا فى هذا الموضوع أن يقفوا مع هذا التراث الادبي القومى حادثا حادثا فى تاريخه يعدونه ويستعرضون ما ألف من أدب حوله . . منذ تأليف الجمعيات السرية لمقاومة الاستبداد العثمانى وقد توج شعار أول جمعية بابيات ابراهيم اليازجى المعروفة الى ان انتهى العرب من تحديد معركتهم مع الاستعمار وخوض غمار اهم خطواتها فى الانتصار . ولكن تقسيم هذه الفترة الى مرحلتين مرحلة آل عثمان ومرحلة الاستعمار لم يحظ باكثر من الاعتراف به كتقسيم لمرحلة تاريخية .
ولكن مرحلة الادب القومى فى مقاومة آل عثمان وابان الحرب العالمية الاولى تتسم يخصائص فنية وموضوعية واضحة بينما مرحلة الادب القومى فى مقاومة الاستعمار منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى الى فجر التحرير والوحدة تمتاز بدورها بخصائص أخرى فنية وموضوعية مغايرة .
وسنقف ببعض هذه الخصائص لاننا لا نملك فى هذه العجالة أكثر من مجرد الوقوف . ففى مرحلة الثورة على العثمانيين نجد موضوعات بعينها تسيطر على الشعر خاصة هى بمثابة ارتياد الطريق نحو تحديد مقومات القومية لتكون سبيل وحدة وتجمع فالعرب يتكلمون لغة واحدة وهى اقوى رباط فهى تتعرض لمحنة فيزداد التعلق بها لانها لغة ولا كاللغات لها قداسة ولها تاريخ . بل ان للعرب أيضا تاريخا ، ويقف مع اللغة هذا المقوم الاخير على استحياء أول الأمر ؛ انه ارث مشترك وهو مما يفخر به الجميع بل هو مما يحفز على الثورة ويأبى الضيم والذل .
وضرورى أن يتحد المسلمون وغير المسلمين لانهم فى ظل آل عثمان اخوة ،
ان فرق الايمان بين جموعنا فلساننا العربى خير موحد
ويقول الوليد بن طعمة فى مهاجره :
عيسى واحمد فى بلواهما اعتنقا والناطقون بحرف الضاد اخوان
ويقول غيره :
اتباع أحمد والمسيح هوادة ما العهد ان يتنكر الاخوان
مهما يكن من فارق فكلاكما ينمى الى قحطان أو عدنان
ولو تتبعنا الشعر الذى قيل فى اللغة العربية على انها الرباط الاول والاسمى والاقوى فى القومية العربية لوجدنا هذا الموضوع يعكس بدوره ما هو به من أحداث حتى الاستعمار الغربى السافر . ففى محاولة الترك تتريك البلاد والدواوين والمدارس واهمال او منع تدريس اللغة العربية وفى محاولة الاستعمار أن تحل لغته محل لغة البلاد يقف الشعر موقفا صلدا منافحا على عظمة اللغة وجمالها وتفردها من بين سائر اللغات . لغة القرآن الكريم ولغة أمة حية أكثر من ستة عشر قرنا وفى حياتها الطويلة يتداولها التعبير الادبى فيزيد جمالها ويثرى من طاقاتها .
ان الذى ملأ اللغات محاسنا جعل الجمال وسره فى الضاد
ويقول بدوى الجبل :
كل الربوع ربوع العرب لى وطن ما بين مبتعد منا ومقترب
للضاد ترجع انساب مفرقة فالضاد أفضل ام ترة وأب
تفنى العصور وتبقى الضاد خالدة شجى بحلق غريب الدار مغتصب
ويقول غنيم :
وما وحد الجمع مثل اللسان ولا اتحد الجمع الا غلب
إذا اتحد الفكر فى معشر تجمع من شمله ما انشعب
قد انتظمت امم الضاد طرا فكانت كعقد وكانوا كحب
فذا كاتب من اعالى الفرات وذا من دمشق وذا من حلب
ويقول شفيق جبرى :
تضمنا لغة لم يمح رونقها زحف السنين بآلام وأشجان
لولا قواف بوادى النيل ننشدها فى غوطة الشام او فى ارز لبنان
لقطعت بيننا الاوهام واضطربت بنا الوساوس فى وصل وهجران
بل ان سعد زغلول قيل له يوم تزعم مصر :
اهدد يديك وصافح كل من نطقوا بالضاد يقبل عليك القوم كلهم
ولما تعرضت اللغة لحملات الاستعمار قال حافظ ابراهيم قصيدته المعروفة :
رجعت لنفسى فانهمت حصائى وناديت قومى فاحتسبت حياتى
وهكذا يرسم الشعر لهذا المقوم الاول فى القومية العربية تاريخا طويلا هو قصة انتصار العرب فى معركة التتريك وافناء الاستعمار لشخصية العرب .
ولكن مرحلة الاستبداد التركى تضغط على موضوعات أخرى غير اللغة والتاريخ فتقارن بين العرب والترك فى الحضارة وتشيد بالاحداث الجارية على اختلافها وتقف من استبداد الترك مواقف أكثرها ضعيف بسبب تعلق ما يزال بالترك المسلمين .
فانتصار البابان على الروس يرى على أنه نصر على اعداء تركيا من جهة وعلى أنه أمل فى نصرة الضعيف على القوى اى فى انتصار على تركيا نفسها . فاذا الشعر يمجد اليابان فى قوة لا يبررها الحادث نفسه ويقفز الاجتماع بالفرحة بنصر اليابان ليضخم الموضوع الى ما يجاوز حقيقته بكثير . وياتى اعلان الدستور العثمانى بعد ذلك بأربع سنوات مسويا بين الترك والعرب فيهلل له الشعراء والأدباء لانه يحفظ كرامتهم ويؤاخى بينهم وبين الترك .
يا آل عثمان من ترك ومن عرب وأى شعب يساوى الترك والعربا
ولم يبق شاعر معروف أو غير معروف لم يهلل للدستور فى مصر والشام والعراق وكأنما اعلانه قد انقذ الحيارى وأوجد الحل الذى يكفيهم اراقة الدماء . ولكن سرعان ما يتنكر حزب الاتحاد فاذا الثورة أشد وأقوى .
وهنا مرحلة الشعر المستنفر الذى يحض على ثورة ويدعو الى جهاد الاتراك ويتجلى الشعر القومى فى اجلى صورة شعر ينضح بالعواطف الجياشة وبالاباء والعزة العربية ويرسم التاريخ فى أبهى صورة وكأنما هو يقول هذا تاريخكم ايها العرب فكيف ترضون الذل من بعد ، ويساهم الكتاب كالكواكبى فى أمر القوى وطبائع الاستبداد فى هذا التيار ، ويدفق أدب الاصلاح الدينى من جديد ويسهم فى توضيح وجوب الثورة . وما تكاد تقف فى الحرب مع الالمان حتى ينقطع آخر خبط بربطها بالوجدان العربى . لم تعد حربها للذود عن الاسلام وانما هي حروب مصالح وامبراطوريات فلا بد للعرب من أن يستقلوا . وتأتى حادثة ضحايا الطغيان التركي شهداء العروبة على يد السفاح جمال باشا الذين شنقوا في ساحة دمشق وساحة بيروت فاذا لهيب يتفجر فى رثائهم ويمتلئ الشعر ثورة عارمة . وتأتي ثورة الحسين ل لتلهم الشعراء وبدورها ثورة عربية
فهذا ابن النبى يقود آمال العرب الى الاستقلال ويلتقى الساخطون على آل عثمان مع الذين كانوا يتعلقون بهم فى تيار واحد لا يشذ عنهم الا قلة قليلة تعود فيما بعد الى التيار العام . وتحيا فى الشعر صور عربية قديمة وفى الفرقة آمال دينية ودنيوية تتحقق ثم يأتى خلف الوعد والخيانة والغدر وفى شعر بقدس اهله الوفاء بالعهد يجد الشعراء خضما من المعانى والاخيلة والصور ويؤلف كل هذا ديوان شعر حول الحسين يؤكد الطابع العربى القديم ويرسم صورة قديمة قد لونتها العواطف العربية بالوان حديثة من الرومانسية :
وبثورة الحسين تنتهى الفترة الاولى لهذا الشعر وأهم خصائصها الى جانب لصوقها بالموضوعات الحية انها استطاعت فى جزالة عربية وبمزيج من غنائية العرب ورومانسية الغرب ان تجمع القوم حول فكرة الكيان الواحد وان تلهب الشعور والوجدان حول مميزات هذا الكيان ووجوب الثورة من أجل استرداد العرب لمكانتهم . انها فى تاريخ القومية العربية بمثابة حركة استطاعت أن تستنفر الناس وان تثور على ظلم آل عثمان وان ترد على تعصبهم بتعصب أقوى واسمى وان تحافظ على كيان الامة بالمحافظة على لغتها ودينها وثرائها وان تستنفر من العبودية عزمها لتنطلق بآمالها .
وما تكاد الامة العربية تستبدل آل عثمان بالاستعمار الغربى حتى يتدفق الشعور فى تيار جارف واضح لا شبهة فيه ولا مهادنة . واخذ الادب يعلو فوق التقسيمات الجغرافية التى اصطنعها الاستعمار ليتعانق العرب فى كل مكان حول أدبهم وشعورهم خاصة . فما تكاد تحدث ثورة هنا أو هناك الا الهبت حماس الناطقين بالضاد وبدأت الدائرة العربية تتفتح لتضم العرب فى شمال افريقيا عبر مصر بل أصبح أدب المهجرين الشمالى والجنوبى جزءا لا يتجزأ من أدب الامة العربية الحديثة ترن أصداء احداث الامة عبر المحيط لتنطق الياس فرحات وسليم الخورى وزكى قنصل وابو الفضل الوليد فى الجنوب وايليا ابو ماضى ورشيد ايوب وجبران ونعيمة فى الشمال . وفى ساو باولو مثل هؤلاء يقيمون لكل حادثة اجتماعا ويقيمون حفل تأبين لسعد زغلول وفي مناسبات النكبة والجزائر والسويس والوحدة بل يقيمون اخيرا حفلا ابتهاجا بنصرة اليمن يقول فيها الياس فرحات :
تعالى زئير اسود اليمن فرج السفوح وهز الفنن
وهكذا ينضم ديوان شعراء المهجر والجنوبيين خاصة مع ديوان شعر الامة العربية من الخليج الى المحيط ليكون ديوانا واحدا وأدبا واحدا .
وبرزت فى هذه الفترة الكيانات الداخلية وحاول الاستعمار أن يشجعها لتكون عامل فرقة بين العرب . فنيقية لبنان وفرعونية مصر وبابية العراق تطفو على السطح وتلم الشعراء قصائد ودواوين أحيانا ولكن مؤامرات
الصهيونية تتخذ شكلا منذرا باخطارها قبيل الحرب العالمية الثانية حتى تخف كل هذه النعرات الطائفية لتختفى حينا ثم تظهر بعد التحرير وقد ذابت فى الكيان العربى الموحد تقويه وتثبت اركانه .
وما تكاد النكبة الفلسطينية تقع حتى يبدأ الادب مرحلته الجديدة المغايرة للمراحل السابقة ففيها الرؤية الواضحة المحدودة التى تؤكد حدود العروبة من الخليج الى المحيط امة واحدة وجسدا واحدا . ويخفت التيار الرومانسى ازاء الاستعمار الذى ظهر في الثورات الاولى منذ ثورة مصر 1919 الى أن وضح الامر امام نكبة فلسطين . ان الاستعمار ما كان يمكن أن تثبت به قدم فى أرض الامة العربية الا لأن حكم العثمانيين قد خلفها منهوكة مفككة . فسرعان ما استطاع الاستعمار ان يجد اعوانا من الحكام فتحالف الاستعمار والحكام على محاربة التيار القومى . ودقت اجراس الخطر رهيبة حزينة فى مأساة الارض السلبية . ولئن تكن الاسكندرونة التى بكاها الشاعر الحلب السليمان العيسى فى أكثر من قصيدة لم تحرك شعراء العروبة قاطبة فان مأساة فلسطين السلبية قد كشفت عن العيون الغطاء واذا مسرحية لم تتم فصولها زاخرة بالموضوعات والمواقف تبهر الشعراء فيخرج فيض مواكب النكبة فصلا فصلا . يخرج شعر ابراهيم طوقان عاطفيا حزينا مستنفرا للجهاد عارضا صورة الحكام الدجالين ويصور الفدائيين باكيا انه ليس منهم . ووسط هذا الشعر وغيره تتجه الثورة العاطفية الى الواقع لترسم صورة هذا الوطن الذى يتحرق الشاعر شوقا الى العودة اليه . ويأتى عبد الرحيم محمود من طبقات الشعب الدنيا ليستشهد بعد أن يقول :
سأحمل روحى على راحتى والقى بها فى مهاوى الردى
فاما حياة تسر الصديق واما ممات يغيظ العدا
وأبو سلمى صاحب القصيدة المعروفة :
ايه ملوك العرب لا كنتم ملوكا فى الوجود
والتي يذكر فيها ملوك العرب ملكا ملكا ويفضح موقفهم فى حرب فلسطين :
قالوا الملوك وانهم لا يملكون سوى العبيد
ويقول خليل زقطان فى نفس المعنى :
جيوش السبعة الاصفار كل تراجع حاملا غار القيود
وانجلت المعركة عن خيانة الحكام ولكنها انجلت ايضا عن لاجنئين بؤسهم يبرع يوسف الخطيب فى وصفهم وحنينهم الى أرضهم تبرع فدوى طوقان فى نصويره وتطلعهم الى الثأر والعودة بصفه هارون وعلى هاشم رشيد وغيرهما فى كل قطر عربى .
ومن النكبة قد يتفجر الشعر الواقعى الجديد يحكى القصة السوداء . وهذه ابيات الخطاب وقد ادركته النكبة وهو ابن سبعة عشر عاما :
انا مشعل انا مارد جبار لا الريح تخمدنى ولا الاعصار
لو شئت جمعت النجوم مشاعلا ودفعت منها الموت حين اثار
ثم يعود قيرى حاله ويثور :
يا انا يا سلعة هبة للمشترين
يا انا يا قدحا فى سهرات المترفين
يا انا يا شمعة تحرق ليل الكادحين
فى ضلوعى اى اعصار من الحقد دفين
حتى يسرف فيقول :
أصلى ؟ لمن تكون صلاتى لاجئ ليس لى هشيم حياة
ليس لى شفرة تضم رفاتى
ويرد عليه شاعر القاهرة محمد بدر الدين :
هى نكبت فالقدس كانت قبيلتى ان لم أكن فيها ففيها امتى
واللاجئون من الضحايا اخوتى يوما ساكتب في ثراها قصتى
بدمي وانسف قيدها بعزيمتى
فاذا صرعت اخي فوسدنى هناك انا من هنا لكن روحي من هناك
ويرى الاديب العربى فى وهج لهيب المعركة قضية الالتزام فى الادب كل شاعر يسهم فى تصوير المعركة حتى شعراء الغزل الرقيقين حتى نزار قبانى يكتب للصغار قصة راشيل تاجر الاعراض وكيف حلت محل امه واخته الشهيدتين فى عزة المؤمنين وكرامة للعرب .
وفي هذا الضوء يرى العرب أسباب التخلف ويرون العدل الاسلامى فى ثوب عصرى جديد . وتبدأ نداءات الثورة على النظام الطبقى تفتح العيون على ركائز الاستعمار وفساد الحكام وبؤس الفقراء وتعطيل طاقات الشعب تحت وطأة الامتيازات الطبقية . واذا نعمة الاصلاح عند الشعراء القدامى مثل حافظ ابراهيم والزهاوى تأخذ عند شعرائها بعد النكبة أمثال بحر العلوم والجواهرى والراوى لونا داميا حاقدا ثائرا حتى يخرج الشعر عن اطار الدين واطار القومية العربية .
وحول النكبة يبدأ القصص الملتزم قصص تصور النكبة وهولها وأخرى
تصور البطولات ويؤلف عيسى الناعورى طريق الشوك وعائد من الميدان ويؤلف امين فارس ملمس وحليم بركات وبديع حتى وجبرا ابراهيم جبر وسميرة عزام وغيرهم كثيرون وفى مجموعات قصصهم اطوار المأساة راثاء وبكاء واستنفازا وهولا ونذيرا وتطلعا واخيرا ثورة على تجميد الموقف ثورة على الاعالة والاغاثة والحيام والتشريد . وفى مجموعة سميرة عزام الاخيرة الانسان والساعة قصة " لأنه يحبهم " قصة عن نسف مخازن الدقيق لانها تنيم القضية .
وتأتي ثورة مصر مبشرة بفجر وتأتى حرب السويس لتقوى تيار الواقعية ان العرب قد تضاربوا فعلا وكسبوا حربل مع الاستعمار وقال الزعيم العربى جمال للمستعمر " لا " مجلجلة قوية وانتصر العرب وجاء بعد النصر انتصارات الاخوة في الجزائر استقلوا واذا بلد الليون والنصف مليون شهيد تبرز فى الشعر والادب لتصور البطولات بطولات الشعب بطولة جميلة التى تغنى بها الشعر فى مصر والشام والعراق وألف الادباء حولها شعرا ونثرا ومسرحا واوبرا . ولكن أروع ما نقرأ فى حرب الجزائر صورة مأساة الشعب الذى تحالفت قوى الاستعمار قرنا ونصف قرن على ابادة شخصيته . كما بصورها الجزائريون انفسهم بالفرنسية باللغة التى يعانون منها مأساة الغربة كما يصفها شاعرهم مالك حداد . ان للجزائريين تجربة فريدة وصورتها رافد من الروافد التى يحب أن تغذى القومية العربية لتحشد الهمم نحو تحقيق كيان الامة العربية متوحدا قويا حتى تنتهى هذه الصور البائسة المريرة الذليله للانسان العربى . هذا محمد ديب يصف الذين نزع الاستعمار منهم ارضها فى ريف تلمسان وتركهم دون عمل نهب الفقر وهم يزحفون الى المدينة .
" لم يعد اى حائل يحول دون زحفهم المتلاحق الذى أوصل جحافلهم الى الاحباء النظيفة الاسواق التجارية واقسام المدينة الشريفة حيث بيوت الاوروبين التى تعكس انوارها فى الليل الحياة الهانئة . يهيمون دون هدف وكثر عدد الموتى بينهم . كم من مسكين لفظ نفسه الاخير دون دمدمة وكان الموت يفاجئ بعضهم وهو يزحف دون وعى نحو مخبأ مجهول ثم يغيبون عن الانظار . ان هؤلاء الناس يودعون الدنيا فى تحشم مثالى وكأنهم بذلك يعتذرون عن موتهم " .
ويصور ادريس الشرايبى بؤس العمال الجزائريين فى مصانع فرنسا كالعد في رواية " النيوس " ويصور مولود المعمرى بؤس الشباب الذى يساق الى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل باسم فرنسا . ويصيح الشاب أنا جزائرى ولكن الجزائر كلها سجن كبير رهيب . وكاتب ياسين ومولود فرعون ومالك حداد نقد كل هؤلاء صور المأساة العربية المشتركة مأساة الاستنزاف الاستعمارى لطاقات العرب وشن حرب الابادة عليهم وتحالف
الاستعمار مع الطغاة والرجعيين للقضاء على عروبة الشعب العربى حتى بات الجزائرى يسأل ما الوطن وما لغتى .
وما تكاد الجزائر تتحرر حتى تمد يدها الى العرب لتسير مع اخوتها فى الركب الصاعد نحو التوحيد .
ويوحد العرب سياستهم الخارجية فى الحياد الايجابى وعدم الانحياز وتحرر اليمن بفضل المبادرة بالمساعدة التى تأتيها فى سرعة وفى سخاء فتدخل الام العربية بذلك طورا يأخذ من تجربة الوحدة وانفصالها درس ضرورة التخطيط . وفي السنوات الست التى مضت زخرت المكتبة العربية بروافد ضخمة من الدراسات المفصلة سياسية واقتصادية كلها تكشف عن وجه الاستعمار فى وضوح . ان الاستعمار ما يزال يلعب ادوارا خطرة فى الخليج وفى الجنوب وما يزال يلعب دورا خطرا فى السياسة وفى الاقتصاد اذا ما عجز على لعب دوره حربيا . وكل هذه الدراسات تفتح أمام الادباء آفاقا على الحقيقة الكبرى حقيقة الامة العربية التى كانت وستظل ابدا امة واحدة تجاهد لتحرير كل شبر من ارضها وفى الوقت نفسه تجاهد لتبنى فى سنوات وتمحو ما فرضه عليها الاستعمار من تخلف عشرات السنين .
ويتطلع الادباء الى هذه الآفاق الواسعة الى دور الامة الواحدة وقد اطلقت طاقاتها الحرة لتؤدى مرة أخرى رسالتها الفريدة فى تقدم الانسانية فيؤلفون بوحى من هذا شعرا ونثرا ولكن هذه الآفاق لا تشغلها عن تصوير الواقع القريب . لأن الاتجاه الواقعى الذى فرضته النكبة ما يزال سائدا يصور الواقع الداخلى لكل قطر ويحدد مراحل البناء ويركز بطبيعة الحال على هذا الفرد العربى اينما يكون على الارض العربية ليعرف ماذا هو والى اين يسير . لقد فتح الفرد العربى نوافذ الثقافة كلها وعلى مصراعيها وراح ينهل بينهم من قد حرم طويلا فأحس كيانه احساسا جديدا ويرى فى نفسه صفات الانسان العربى القديم بكل ما فيها من طاقة وقوة مذكرة اياه باجداده الذين فتحوا ليعمروا ولينشروا السلم والامن والحضارة والرخاء وفتحوا قلوبهم وعقولهم للانسانية كلها دون تعصب أو تحزب ليبلغوا أقدس رسالة وليحيوا وليحيا معهم الجميع دون تمييز أرفع المثل الانسانية واسماها .

