الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الادب ومعركة التحرير

Share

ماذا يعنى عمل الاديب ؛ هل هو عبث ، فرارا من القلق والضياع والحيرة ، التى تطبق عليه ؟ هل هو طرف مكمل لجوانبه الناعمة التى لم يشبعها ؟ هل هو التزام يحرك وجدانه ، يضعه امام رؤيا يدركها بعينه ، اكثر مما يدركها باذنه ؟

ونستطيع ان نجيب بنعم ، ولا ، فى آن واحد ، وهذا لا يعنى الغاؤنا لفعالية لذات الايجاب والسلب ، ولكن الذى نعنيه ، الحد من الاطلاق ، والتعميم، اللامحدودين فى الاحكام .

فاذا كان الادب عبثا بالمفاهيم الخاطئة المعيقة التى تشكل الطفيليات ، والتى تجاوزها العصر ، لتبعدها عن منزلة الصنم المخيف ، الذى يخشاه المجتمع ، ولا يملك الا ان يعبده ، لانه من مخلفات موروثة .

واذا كان ترفا لا ينسب ظله على المضمون ، ولا يكون على حسابه ، باية حال ، بل فى خدمته ، ويكون من معطيات الامتاع واللذة ، لاشباع عاطفة انسانية ، بها يجدد الانسان نفسه ، ويفك الاجزاء الصدئة ، من ذاته ، ليطرحها عنه .

واذا كان التزاما ينطلق من رؤيا واضحة ، حرة ، ومن قيمة انسانية ، لها خصوبتها ومداها الواسع ، ليقوم بتعرية الاشياء ، وليسقط عنها ما يغلفها من ضباب ، ويعطيها اسمها الصحيح .

اذا كان كذلك ، وامكن وضع هذه الاشارات ، امام عمل الاديب ، فان ذلك العمل يكتسب المناعة ، لخدمة الانسان العربى فى منطقتنا هذه ، وبالتالي ليشق طريقه ، للالتقاء بالانسان فى كل مكان من خلال الاداب الاخرى .

وعلى هذا الضوء ، ينتصب سؤالان ازليان ، هل العمل الفنى اسلوب او موقف ؟ وارجو ان تسمحوا لى ان احدد اين اقف الان منهما ، اننى اعتقد ان العمل الابداعى موقف ، وهذا ما يجعله رسالة ، تستقطب غاية معينة ، وهذا لا يعنى اسقاط الاسلوب من الحساب ، لان الرسالة بما لها من نبل وحرارة ايمان ، فانها لا تعتبر خلقا فنيا ، ولا ترقي الى مرتبته إذا كان شكلها فاقدا للرعشة الابداعية ، المؤدية للدوار الخفيف اللذيذ ، ذلك

ان انبل دعوة اذا تخلف عنها الشكل الفنى ، لاتكون ابداعا .

ولا يغنى من يقول ان العمل الابداعى ، اسلوب وليس موقفا ، ولا غاية بعد ذلك ، بدعوى ان الموقف يغتال الفن فذلك غير وارد لان العمل الهادف لا يتكامل الا اذا احتضنه شكل فيه من دفء الحياة وجدتها وعطائها .

فدعاة مذهب الفن للفن ، اشبه ما يكونون بابطال من غير ميادين يجرون خلف الريح لمحاولة معرفة وجه العاصفة هل هو طويل او عريض ؟ ويتساءلون هل تسترد الشمس ضوءها عند غروبها ويمتص قرصها الشعاع ؟ او يبقى ضوءها ضائعا بالفضاء يبحث عن قرص آخر للشمس ، بلا حياة واذا ما توقفوا عن الجرى ليلتقطوا انفاسهم اللاهثة وجدوا انفسهم وحيدين تأكلهم العزلة الموحشة التى فرضوها على انفسهم لانهم منفيون من مجتمعهم يعيشون حياة جانبية .

ان العمل الفنى بدون ايدلوجية يكون غير حاضر الا اذا قلنا ان الشمس للشمس ، وليس لها من وظيفة غير التسلية ، بسعيها بين الصبح والمساء من المشرق الى المغرب ، اننا اذا نادينا بذلك نكون جردنا الفن من وظيفته فى التأثير والتفسير والتغيير .

التأثير فى المجتمع باعطائه دفعات الى الامام ، تجديدا لطاقاته وتفسيرا لفعاليته .

والتفسير للحياة ليستطيع ان يشق قشرة الانسان للغوص فى اعماقه لتعريفنا بانفسنا وللتدليل على وجودنا .

والتغيير لاذابة جدران الثلج والقضاء على الرتابة منعا للتحجر .

فالاديب وسيلته التى يتعامل بها مع غيره هى الكلمة التى يغمسها فى مظهره ، فى دواته ، ليزيل عنها الشوائب التى علقت بها عبر القرون والاجيال فتخرج شابة طرية كانه خلقها لساعته ولم تستعمل قبل اطلاقا والاديب الاصيل تحس بكلمته تولد امامك ، وهى تقفز وترقص بين عينك واذنك فلا تصدق ان تلك الكلمة استهلكتها العصور الماضية بالاستعمال ولاتصدق ذلك لانك شاهدتها تولد امامك فى بيت من قصيدة فى سطر عذراء لا اجمل ولا أنضر منها .

والعمل الادبى ليس هروبا من الواقع الى عوالم الرومانسية الوردية ، وانما هو اكتشاف للانسان ولعلاقته باشيائه ، اكتشاف لآفة الحياة الكبيرة التى تعلن عن كينونة الانسان ووجوده ، وقضية حضور الانسان او غيابه تطفو على اعمالنا الادبية ولايكون هناك ادب هادف ، لايقف على قاعدة شعبية متخذا من قضاياها خطوطا لفنه .

واذا كانت الاصالة تدرك بقدر التعرية والكشف عن الحياة ، فان التغيير

تغيير الحياة وظيفة العمل الادبى لما يحمله من بذور ذات طاقات تتفتح مع كل فصل من فصول السنة .

على ان النضال الفنى فى ميدان الفكر اكبر من ان تضمه فترة او ظرف محددان ، لان خطوته اوسع من ذينك الظرفين ، ويظل العمل الفنى ينشط خارج الزمن بينما النضال المصلح يضغطه ظرفا الزمان والمكان بحيث يفقد شرفه خارجهما وينقلب إلى عمل تخريبى ، فى الوقت الذى نجد فيه النضال الفنى تجرى خلاله رسالة هى اشرف ما يحمل الانسان تعمل على التجمع والوحدة داخل الجماهير العريضة ، ويقدر ما كانت الكلمة صادقة وجدت التعاطف وولدت الاستجابات لدى من يحس بانسانيته ومن يملك القدرة على التلقى والانفعال ، وعندما ينفعل المتلقى ، فانما يلبى حاجاته ودوافعه المضطربة فى داخله لتطرح الصدأ المتراكم وتبدأ المعاناة الانسانية فى هبوبها بما فيها من عذابات تحلو اكثر من مرة تحقيقا لمستقبل تكون فيه الكرامة مطلب جماهيريا ، معترفا به من الناس كل الناس وعندئذ يذوب التزييف الجماعى ، الكذب الجماعي الذي يملأ تجويفات رؤوس الذين يطمعون فى تقسيم العالم ، كما لو كانت البلاد والناس ارقاما جامدة ، توضع فى جدول التكتلات فى الوقت الذى يسقطون فيه من حسابهم ارادة البلاد والناس الذين يرفضون ان يتحولوا الى ارقام فى جدول ، وهم غير مستعدين لاهدار وجودهم وكرامتهم وحريتهم لان الغاء شخصيتهم امر غير وارد باية حال لانهم اقوى من كل شئ .

والاديب مدعو فى مرحلتنا العربية هذه ان يكشف فى عمله الفنى كل مدخرات وموروث الانسان العربى النضالى ، ويختصر كل صفاته الكفاحية ليقدمها فى شكل كلمة ، فى حرف فى اى عمل ادبى الى جماهيرنا التى تترجمها فى مرحلتها الانية الى رايات تسد الافق الى اناشيد تهز المنطقة الى نار تغسل ، تطهر فلسطيننا وجنوبنا العربى من ظلال العنصريين والمستعميرين الذين حجبوا عن ارضنا امنا الشمس ، لتسطع من جديد كما سطعت مؤخرا بوطن المليون ونصف شهيد ، الجزائر ، لينبت القمح والزيتون والازهار ليلعب اطفالنا فوق تربتنا بلا خوف بعد ان يختفى الموت ولم يعد يطرق كل بيت فى الصباح وفى المساء بغير انتظام ليدخل وعلى انيابه الف جوع اصفر لم يشبع بعد يريد دما جديدا ، دم ابن ، دم زوج ، دم اب.

الاديب مدعو لان يعطى معركتنا ضد العنصريين والمستعمرين ابعادا جديدة وقيمة جديدة ترسب فى نفوسنا الثقة بالانتصار واكساب النضال روعة الاعياد والاعراس وبالتالى التركيز على الايمان المطلق بان معطيات هذا النضال معطيات انسانية وان جدواها لا يقتصر على منطقتنا ، بل يمتد الى غيرها ، لانها تشكل تراثا انسانيا وان كنا نحن وحدنا بدمائنا وشهدائنا نصنع هذا العطاء لان القدر اختار امتنا العربية لهذه التضحية لاننا اصحاب رسالة .

نعم نحن عرب واصحاب رسالة ، ولكن على صانعى الحرف فى العالم ان

يقدروا ذلك ويقفوا معنا يقفوا مع الحرية اننا نضعهم امام مسؤولياتهم ونناديهم من فوق هذه المنصة ، بمؤتمر الادباء العرب المنعقد ببغداد الماجدة ان الحرية لا تتجزأ ، فسرقة وطن باكمله ( فلسطين ) ثم تسليط القوانين القمرقية العنصرية على من بقى من اصحاب هذا الوطن والغاء ارادة وحرية شعب الجنوب العربي تجعل الشرفاء فى العالم يقفون امام انفسهم ، وقد اعترتهم هذه التجربة ليقولوا هل هم مع انفسهم او مع الحرية ؟ هل هم مع الانسان او ضد الانسان ! ! ! .

انها معركة مصيرية لامحل لمتفرج واحد فيها وعدم الحضور بالمعركة يعنى الغاء الذات والكينونة الحياتية يعنى هروب الجندى من معركته الفاصلة .

اصدقاء الحرف العرب مدعوون فى مرحلتنا هذه الحاسمة ، لتأكيد هويتنا العربية باستمراره لمواجهة التحديات وهى اخطر ما واجهنا منذ انحسار الحرب الصلبية بالهزيمة لايقاظ النخوة والبطولة النائمتين فى اعماق كل فرد منا ، لاطلاق قدرتنا النضالية المخزونة خلف كل قطرة من دمائنا لشجب عوامل التيه والتمزق والتشكيك وهى مخلفات الطغاة الاتراك الذين حكموا ارضئا وهزوا كياننا القومى وحاولوا تفكيكه وتعمدوا وضعنا فى فراقاتهم المظلمة ليحيق بنا التأخر الفكرى ومخلفات الاستعمار الاوربى الذى عمل على ان يضع على وجوهنا بصماته القذرة ليحولنا الى عبيد كما فعلت ايطاليا بشعى ببلدى ( ليبيا ) .

اننا نقف مع قدرنا المحتوم وجها لوجه فاما ان نكون اولا نكون اما ان تذوب ونمحى او يبقى وجودنا تحت الشمس يبسط ظلنا على ارضنا كبرياء ولا ظل لغيرنا عليها .

اننا مدعوون لان نعيش قضايا شعبنا العربى .

اننا مدعوون لان نحو قضايانا الى قضايا انسانية عالمية عندما نتحدث عن فلسطين فنركز على عملية الابادة التى ترتكبها الصهيونية ضد اهل البلد بسبب التميز العنصرى العرقى ورفع هذه القضية باعتبارها من قضايا الحرية التى يستوجب فيها ضمان حرية تقرير المصير لشعب يرابط على حدود بلاده تحت الخيام ، بعد ان تحول الى فلول من اللاجئين فى ليلة مظلمة سرق فيها الاستعمار القديم ارضه وسلمها للاستعمار الجديد ، يجب التركيز على ان الصهبونية الوجه الثاني المشوه للاستعمار وبهذا الاصرار يمكن سحب الارض من تحت اقدام اعدائنا .

ان العمل الفنى ، عمل ثورى من مميزاته الرفض ، وفى محافظته على ثوريته ورفضه ، بضع يده على عالمه كله ، عالم الحركة والانفعال والتطوير والتغيير عالم الحياة الواسع واى عمل غنى يفقد الثورة والرفض يتحول الى شىء عادى

روتينى مكرور مثل اصوات النواعير الرتيبة وما كان الابداع الا وليد الثورية والرفض ولا كان هناك تبديل وتحرير وبناء اذا كانت الاشياء مقبولة على حالتها الاولية .

ان هذا ( الانا ) فى ذاتى او فى ذاتك لا دليل على وجوده الا بحياته ولا تكون له حياة الا اذا كان الرفض والحركة من ادواته .

الادب ليس تصويرا فوتوغرافيا للحدث بحيث تكون له عدة نسخ وانما هو حرث للواقع بحثا عن جذور الحياة لتحسس النمو والعطاء لاكساب الواقع قيمته الانسانية واغناء ضمير الامة بهذه القيمة حتى لا ينفصل الاديب من مجتمعه وتلحق به الآم المنفى .

اما المعارك التى تثور هذه الايام حول القديم والجديد فى الشعر فهى معارك وهمية جانبية تستنزف طاقاتنا وتحولنا عن معاركنا الحقيقية ثم تجمدنا حيث نحن لانها تحبسنا بين ماضينا ولا تدعنا ننطلق للمستقبل وعبثا محاولة اصدار احكام نهائية ما دامت الدنيا لم تنته بعد وما دام يوم واحد باق لم  يعشه الانسان بعد فلا احكام نهائية على الفن .

عمل الادب الاصيل هو الذى يسبق عصره ويبشر بعالم جديد ، ولن يقول احد ان الفن وجد من اجل الاحكام ، لان الاحكام هى التى وجدت لخدمة الفن .

ترى هل العروض مثلا هو خالق الشعر ، او الشعر هو الذى صنع العروض ؟ ؟ ؟ وهل كانت ولادة الشعر تاريخيا على يد العروض ؟ ؟ فاذا كان الخليل ابن احمد الفراهيدى هو ابو العروض ، فان ابا الشعر هو الانسان الاول عندما قال آدم لحوائه ، كلمته الخالدة ، كلمته الاولى التى سالت علم شفتيه ومسحتها حواء بورقة شجرة والتقطت حروفها الاربعة الازلية الخوالد ، فكانت كلمة : احبك .

والشعر ككائن حى ، وجهد بشرى خلاق لبناء الحياة يظل فى مسيرته الطويلة بشكله القديم والحديث على ميعاد مع قدره ، مرتفعا عن هذه المعارك الهامشية ، التى فقدت ميادينها ، ليحيى تجربة امتنا العربية التى تتعرض للتحديات ليظل شعرا ، وشعرا فقط .

المهم ان يكون هناك شعر اصيل ، ولا عليه ان اتخذ شكلا معينا ، لاحتضان تجربة ما ، فالتجارب تتتالى بلا حدود منذ ارجوزة الشعر وسجع النثر ولن تتوقف اليوم ولا يوم الناس الذين يأتون بعدنا ، فالاشكال تؤوب مع الزمن الدوار ، والزمن يدور ويدور .

ارجو ان تسمحوا لى بان اتطرق لشعر ليبيا فى معركة التحرير التى خاضها شعبنا العربى الليبى طوال فترة تزيد على ثلث قرن ، ضحى فيها الشعب بما

لم يضح به شعب آخر ، ضحى بنصف عدده ، كما تدل على ذلك الاحصاءات ، كانت معاركنا تستحيل الى برك من الدماء ولم تبق اسرة واحدة لم تقدم الاضاحى للوطن ، كان الاب يشنق مع ابنه ، كانت ليال مظلمة استمرت اكثر من ثلث قرن لم تطلع فيها الشمس لذلك جاء شعرنا الوطنى ممزوجا بحبات ثلاث من الالم والدمع والعرق وادى الشعر دوره فى المعركة وكان وقودها .

كان الشاعر سليمان البارونى ويطلق عليه : رب السيف والقلم ، لانه ناضل بسلاحه كما ناضل بقلمه فكان مشعل النضال المقدس ، وقد آلى على نفسه ان لا يحلق شعر رأسة ولحيته الى ان تنتصر ليبيا ، وشاء القدر الساخر ان لا يدرك فجر ليبيا ، ويموت يجلله شعره الذى تدلى على كتفيه وفوق صدره ، وقد اعطى حياته لوطنة قطرة قطرة الى ان فارق الحياة ، وهذه بعض ابياته من قصيدة تدل على الاصرار والتحدى تحكى قصة شعره الذى لم يحلقه حتى مات :

هذا هو الشعر                                    الذى شهد الحروب الهائلات

وعليه امطرت القنابل                             كالصواعق نازلات

خاض المعامع لايهاب                             على الجياد الصافنات

آليت ان يبقى الى                               ان يعبر الجند القناة

لنرى الغزاة على ضفاف                        النيل تفنك بالبغاة

ونرى طرابلس العزيزة                          فى ليال باهرات

تختال فى برد الهنا                             بالانتصار على الطغاة

ما بين تهليل وتكبير                          وتقديم الصلاة

فيكون عنوان الفتوح                         مدى العصور الدائرات

او هكذا يبقى اذا                          لم ننتصر حتى الممات

يا من وعدت المؤمنين النصر                أمنن بالحياة

والشاعر احمد الشارف ويلقب بشاعر ليبيا وشاعر القطرين طرابلس وبنغازى كان شاعرا يعرف اين يضع الكلمة ، ويجعلها انفعالات جيل كامل ومن قصائده التى تغنى بها المجاهدون فى سهول ( ليبيا ) وجبالها ، وكانت تسمع ولا تقرا لان الشعر فى عهد الاستعمار يجرى على السنة الرواة ويحفظه الناس ويردد خلف الابواب المقفلة حتى لا تكون كتابته حيثية من حيثيات احكام الاعدام الكثيرة ، ومن قصيدته الوطنية هذه :

رضينا بحتف النفوس رضينا              ولم نرض ان يعرف الضيم فينا

ولم نرض بالعيش الا عزيزا              ولا نتقى الشر ، بل يتقينا

فما الحر الا الذي مات حرا            ولم يرض بالعيش الا امينا

وما العز الا لمن كان يفدى             ذماما ويفني عليها الثمينا

وما الخزى والعار الا لشخص           الى وطن العز اضحى مهينا

ونحن فروع زكت من اصول                        فنحيى مثاثرنا ما حبينا

لتاريخ عنصرنا فى الورى                           حديث على صفحات السنينا

اذا قامت الحرب كنا رجالا                        الى الحرب ارسخ من طور سينا

ترانا نشاوى عليها كأنا                           شربنا بها خمرة الاندرينا

ولا عجب فى السوغى ان اتينا                    بشيمة آبائنا الاولينا

ايا من يجرون اسطولهم                             الينا بالافهم والمئينا

فما ضرنا ان حللتم شطوطا                    إذا شط ما كنتم قاصدينا

فكم فى طرابلس الغرب ليث                  يصون البلاد ويحمى العرينا

وما زاد صرح المدافع الا                       زئيرا لاشبالها الضائرينا

والشاعر احمد رفيق المهدوى ويلقب بشاعر الوطن كان شعره النضالى يدخل كل بيت مع الشمس ويؤنس المجاهدين فى ليالى العذاب الطويلة الكبيرة ، يستقر شعره فى كل قلب بلا استئذان وكان شاعر الوطن الذى حفظ الشعب كله جميع شعره قبل ان ينشر واين النشر فى تلك الليالى السود ؟ وقد واكب مسيرة الشعب يغنى له ويعطيه من ذاته ويذوب الى ان جاء يوم قيل كان الشاعر هنا واصبح فى ركب الخالدين .

ومن روائعة الكثيرة قصيدة : (غيث الصغير ) يتحدث فيها عن طفل  لاحدى اسر الشهداء بقى هو على قيد الحياة بعد ان استشهد افراد اسرته الواحد بعد الآخر امام عينيه ، فدخل الملجأ واعجب بنباهة هذا الطفل فاعطاه مبلغا من النقود وساله عما يصنع به ، فاجاب الطفل انه سيشترى به سلاحا لينقم ممن قتلوا اسرته ، فاضمر الوالى شرا للطفل غيث ، فدس له السم فى طعامة ومات ، ونقتطف من هذه القصيدة ابياتا متفرقة :

هو فى الملجأ من دون اليتامى                دائم الصمت وقارا واحتشاما

واضح الجد قليلا ما يرى                   ضاحكا الا اذا استحيا ابتساما

دون تسع ناحف فى صحة                 واستواء كالردينى قواما

قيل هذا دولة الوالى اتى                     ليرى فى ملجا البر النظاما

خرج الاطفال واصطفوا له                  للتحيات هتافا وسلاما

جال يستعرضهم ممتحنا                     وهو يختار غلاما فغلاما

ما رأى فيهم كغيث اذ رأى                 من ذكاء عجبا فاق الاناما

خاطب الطفل مليا فرأى                   رابط الجاش فصيحا لا كهاما

عرف الوالى لغيث همة                   ورأى جودا له يحكى الغماما

قال خذ أن تمت مهذى مائة             لك لا تسرف وكن فيها قواما

قال يا مولاى سمعا اننى                  سوف ابقيها وان كانت حطاما

قال ما تصنع يا غيث بها                قل لى الحق ولا تخش ملاما

قال غيث وبدا الجد على                وجهه شبه ليثا او قطاما

ان لى ثارا اذا ادركته                     لا ابالى بعد ان ذقت حماما

لو تحصلت على مال به                 اشترى عدة حرب وحساما        

ادرك الثارات ممن قتلوا                   والدى انى اريد الانتقاما

جأوا ظلما وعدوانا الى                   افظع الافعال اذ كانوا لئاما

عادة النذل اعتيال الولد                  جعلوا سرا له السم طعاما

لفظ الاخر من انفاسه                     وينادى الانتقاما ، الانتقاما

والشاعر ابراهيم اسطى عمر فقد ابدع للشعب من اجل الشعب ، وتغنى ببطولات وامجاد امتنا العربية بدا تجاربه وهو عامل الى ان جلس على كرسى القضاء فجسد الكلمة الصادقة وتخلى عن الوظيفة ليناضل ويكافح فى صف الشعب حيث ولد وعاش وكانت اشعاره بمثابة طلقات فاعجب الناس بالشاعر الذى يطلق النار الى ان مات وهذه ابيات متفرقة من قصيدة عربية :

الله اكبر والتكبير من دأبى                     اذا اعترانى ما يدعو الى العجب

ما جد فى الشرق ها انى ارى عجبا           فى كل عاصمة عيد بلا سبب

والقوم فى كل قطر للعروبة قد                علاهم البشر بعد الغم والنصب

وفى ندائهم تمجيد وحدتهم                   وفى قلوبهم شىء من الغضب

الان آمنت هذا العيد يعصمنا                 من التفرق او من حكم مغتصب

الله اكبر هذا اليوم للعرب                     عيد لوحدتهم فى القصد والارب

ابناء يعرب هذا العيد مرحلة                  قطعتموها فجدوا السيرفى الطلب

نشيدنا دائما فى كل مرحلة                  الحق للسيف ليس الحق للكتب

والشاعر احمد الفقيه حسن هو شاعر عربى اصيل نظيف عاش تجارب بلاده ( ليبيا ) وتجارب العرب فى كل مكان وغنى للعروبة وشجب للاستعمار وجعل من نفسه شعلة على الطريق لا تخبو يحترق ويضئ ويقول امتى العربية وبلادى ليبيا وظل شعره يؤكد على الحرية وينادى بالاستقلال وبقى صوتا جهوريا تردده الوهاد والاودية صوتا عربيا اخضر ومن قصيدة له :

انا بنو العرب فى الدنيا باجمعها                           لنا فلسطين دار من اوالينا

مهد العروبة لا زالت لنا وطنا                            واننا لم نزل عنها محامينا

نحمى حماها ولا نرضى بتجزئة                           لها ولسنا بحكم الضيم راضين

قد آن ان يستعيد السيد حجتنا                        من بعد ما زيف السيف البراهينا

لم نخش بعد قوى الباغين ما احتشد                   ت وليس تستطيع يوما كف ايدينا

ان العروبة لاستقلالها طمعت                          بهمة دونها سعى المجدينا

والشاعر احمد قنابة حمل شعره بالانفعالات اكثر مما يحتمل فى كل بيت من شعره قصائد كاملة هو شاعر صامت ولكنه يترك شعره يتكلم دائما مؤمن بالعروبة حتى عظامه نادى بالحرية والاستقلال ووصل صوته اعمال الشعب ومن شعره :

الا هبوا بني وطني وديني                       نذب عن العروبة والعرين

الا هبوا الا اتحدوا ومدوا                          يمينكم امد لكم يمينى

ولا تهنوا فتهزموا وتنسوا                             عهودا من وثائقها حنينى

فجامعة العروبة لن توانى                             على اعزازنا فى كل حين

فما وطن العروبة كهف ضيم                        ولا كنف الكنانة بالمهين

أجامعة العروبة انت ام                             وجل بنيك فى حصن حصين

أجامعتى اطل عليك عهد كيوم                    النصر وضاح الجبين

فهبى كى نحرر كل قطر                            اهين وكل شعب مستكين

والشاعر بشير الجواد كل ما فيه شعر ، لقد ولد شاعرا وكانه المسؤول وحده عن مشاكل العرب فحملها على ظهره ، يقول انا عربى ، ودمى ان لم يكن عربيا ، فلا حاجة لى به يغنى الشعب بقصائده الطويلة لانه التقطها من افواه الشعب ، عاش كفاح الامة فحول دماءها وعرقها الى ابيات من الشعر ، فيقول :

أتصفو الليالي ويحلو الزمن             بفسح المجال وبعث الوطن

ولسنا نبالى بكل الاحن                فسوف نوالى جهادا يشن

يدوم النضال ومهما يكن              وطيس النزال فلسنا ولن

نعود لخالى زمان وهن                 بعزم الرجال يعيش الوطن

والشاعر رجب الماجرى هو شاعر استطاع ان يحول الكلمات الى نغم يتمثل فيه التمرد والرفض حينا وحينا آخر يرضى على كل شىء وحتى على شوك كل شئ ممراحا ، يحمل الحب والامل والكلمة الجميلة للناس كل الناس ومن شعره يندد بعجوز الاستعمار :

ليهنأ موطنى عهد جديد                    طوى الاذلال مطلعه السنى

ليهنأ ان نكن طلقت حقا                   عجوزا وصلها حمق وغى

سياستها لرائدها طريق                      مخل ذو شعاب لولبى

فهذا الشرق وهو اليوم نار                 مؤججة بصحبتها شقى

فلا يغررك ان وهبتك مالا                 زهيدا كل ذى غرض سخى

تجود لغاية تسعى اليها                     خداعا فهو جود اشعبى

اذا جر الرفاه الى قيود                     فحسبك من غنى شبع ورى

والشاعر على الرفيعى كتب للشعب واعطاه ما عنده ولكنه لم يعطه كل ما عنده أكل هذا باب الكلمة ولم يشبع وشرف الحرف ولم يرو هو شاعر يسكت حينا ويتفجر آخر ، ويغضب من شىء ومن لا شئ ولكنه لا يغضب ع الجماهير العريضة وقد كتب الشعر التقليدى والحديث لا يهمه من الشكل الا ما يتعاطف مع تجربته كشاعر ومن شعره :

باسم العدالة سوف احطم ما بنيت

باسم الكرامة والحقوق الضائعة

بالكبرياء تثور فى جرحى الخضيب

باسم الدموع وضيعة العرق الصبيب

باسم الضنى والكدح والحق السليب

باسم المتاعب والمواجع والاسى

وضراوة البرد العصيب

وحرارة القيظ المذيب

ستشب نار البغض فى مخضل هاتيك الربوع

ماذا جنيت من التسامح والرضا

غير الجحود وخيبة الجهد المضاع

والضيم والعرق المهان

قد كنت بالامس الحقود

عبدا اجير

لكنني ابدا سارجع مالك الارض الكبير

فالان اعلنت المواجع صيحتى

من أجل حق فى سبيل كرامتى

وغضبت واسترجعت من حريتى

من بعد قيدى بعد علقم ذلتى

فانفت محياى الوضيع

وسئمت ضعفى واندفعت بجرأتى

وصرخت فى وجه الدخيل المحتكر

اما الشاعر على صدقى عبد القادر وهو انا المتشرف بالحديث اليكم ، فماذا اقول لكم عنى فهل انصفونى ؟ ام ظلموا انفسهم ؟؟؟ لست ادرى ؟ فماذا اقول لكم عن نفسى ؟؟ لا اعرف ، صدقونى لا اعرف ، الا اننى اود ان اقول لكم اننى احب الاطفال والجمال وخيوط المطر ووجه امى وبلادى .

هل هذا يكفى ؟؟ اعتقد ذلك وهذا بعض من شعرى :

اليكم كبار بلادى

تحمل يدى امى رسالة

بها دفقة من حليب الرضاعة

ودمعة

بليل طويل ، وتهويم شمعة

بها قصة ، تاريخنا ، مختصر

وتسألكم عن مجئ الربيع

وعن حارس اسمر فوق اسلاكه الشائكة

واصبع يمناه فوق الزناد

متى تضغط الاصبع الجائعة ؟ ؟

لاكل الزناد

لاجل نداء الحدود

حدود فلسطيننا

وتسأل عن ساعة الصفر ، تصلب فيها الظلال

وتطلق فيها الرياح الحبيسه

وتسألكم ابنتى

متى يا كبار بلاد نعود ؟؟

الى دارنا

ففيها تركت العرائس ، واللعب الضاحكة

لاني سأرجع

متى يا كبار بلآدى نعود ؟ ؟

فهلا سمعتم نداء التراب

وهلا رأيتم مئاذننا عند كل مساء

هناك ؟ تطل عليكم

تطاول تغمس في قرص شمس الاصيل

اهلتها وهي بالدم تقطر

تعيش على امل العودة

وترقب عبر الافق

ولادة اعلام يوم الخلاص

واذرع قافلة العائدين

ايها الملأ الكريم ، ارجو ان اكون قد وققت ، ومعذرة لزملائى الشعراء لاننى لم استطع الحصول على نماذج من شعرهم وانا احزم امتعتى على عجل لضغط عامل الزمن على الذى وضعنى فى ظرف ضيق لدرجة اننى كتبت هذا وانا اضع قدمى على طريق السفر ، ولكم يا قادة الفكر منى التقدير .

يا من تجتمعون هنا على صعيد الحرف المضئ ببغداد الخالدة ولكم من صناع الفكر فى ليبيا ، تحية عربية .

اشترك في نشرتنا البريدية