الدين بعض النظر عن مصدره هو كما يقول عنه هويتهد " مجموعة من الحقائق العامة لها تأثير فى تكييف الخلق اذا صدق الاعتقاد بها وفهمت فهما واضحا قويا " وانت ترى أن الدين بهذا المعنى قريب من المدلول الذى يقدمه الناس فى عصرنا للفلسفة
فهذا بارودى يقول فى تحديده للفلسفة " يخيل الى ان الفكرة الاساسية الكامنة وراء كلمة فلسفة هي فكرة السعى نحو تركيب شامل . . انها معرفة موحدة متبصرة فى نفس الوقت " فكل من هذين التحديدين يكشف لنا أن كلا من الفلسفة والدين نظام من المعرفة أو من الحقائق
ويشهد تاريخ الفلسفة ان المعرفة الفلسفية أو الحقائق الفلسفية ليست معارف مضبوطة أو دقيقة اذ كما قيل اننا لو اعتقدنا ذلك لاصابنا ذهول شديد عندما نرى فى الفلسفة مذاهب مختلفة ينفى بعضها بعضا أو ان اللاحق منها ينفى السابق وهذا معناه أن الفلسفة ليست علما من العلوم وانما هى مجرد استعداد ذهنى وميل شخصى يستبد بصاحبه الى أن تحصل فى ذهنه نظرة شاملة وموحدة ومتجانسة عن العالم
وازاء هذه الفلسفات المتعددة التى ينفى بعضها بعضا تشعر بكل وضوح وبصراحة ان الفلسفة هى هذا العمل الفكرى الدؤوب فى اكتناه المطلق والذي فى كل مرة يكشف عن عدم رضاه عما اكتسب من تصورات ذهنية كما يبين فى نفس الوقت عن قصوره فى معرفة المطلق
وهذا عمل لا تبتئس له الفلسفة بقدر ما تجد فيه التعبير عن عمل الفكر البشرى الذى يجرى وراء التحصيل عن اشباع نزعة معرفية ودافع نفسى أما الدين وان لم يكن علما من العلوم فان جوهره الايمان هذا الايمان الذى بقول عنه أقبال " انه أكثر من مجرد الشعور فهو فى حقيقته يشبه رضا النفس عن علم ومعرفة . . . لأن الانسان بازاء الدين يشهد الحقائق الدينية شهودا مباشرا " يدفع اليها نزعة فيها سمو يعبر عن حقيقة الانسان كله فى ارتباطه بالكون واتصاله به . وانك اذ تقف على ذلك تدرك ان الدين والفلسفة كلاهما مجموعة من
الحقائق المنظمة وهما ليسا من العلم فى شىء وانما هما ميلان أو استعدادان بشبهان الى حد كبير ذلك الاستعداد الذى نجده عند الفنانين سواء أكانوا رسامين أم نحاتين أم شعراء
لكن الفلسفة وان لم تكن علما فان منهجها هو العقل هو البحث الحر الذي نضع فيه كل شئ موضع الشك وتستنبع كل ما ينتج عن الفكر بالنقد والدين وان لم يكن علما فان جوهره الايمان هذا الايمان الذى لا يستبعد العقل فاقبال الفيلسوف الاسلامى يرى أن " الدين نظرا لوظيفته أشد حاجة من المبادىء العلمية المسلمة الى أساس عقلي لمبادئه الأساسية " وتفسير ذلك واضح عند اقبال اذ الدين لا يمكن أن يستغنى عن السعى الى التوفيق بين المتضادات التى نجدها فى عالم التجربة وعن تعليل يبرر أحوال البيئة التي تجد الانسانية نفسها محاطة بها " هذا التعليل الذي دعا اليه القرآن فيما بتصل بالنظر فى الموجودات وشتى الحوادث والوجود مطلقا وان فيما يتصل بالأحكام التى تتصل بالعمل والتى أعتمدت على التبرير العقلي
ان القرآن المتضمن للتشريع الاسلامى يحتوى على نمطين من الحديث عن المشاكل قد ألتزم فى أحدها التحديد كالاقرار بأن الله واحد قال تعالى قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد أو كالاقرار بنفى الشبيه كقوله تعالى ليس كمثله شىء وقد تعمد التزام عدم التحديد فى النمط الثاني في حديثه عن القضايا والمشاكل ليدفع بذلك العقل الى التفكير الفلسفى
وقد تحدث القرآن عن ذلك فى آيات كثيرة تشير الى انه يجب التفكير والتدبر قال تعالى ان فى خلق السموات والأرض واختلاف النهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما انزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون " فالله لم يقل ما هى السماء ولا ما هي الأرض ولامم تتكون ولا ما هى الرياح والسحاب ولا ما هو الكون بأجمعه ولا ما هى مادته وانما ترك للعقل عن عمد أن يبحث فى هذه القضايا ويعالجها بما فطر عليه من تدبر
وان العقل الذى ترك له القرآن العمل فيما لم يكن منه تحديد فانه لا يضاده شىء ان لم يكن له دليل من القرآن فيما توصل اليه العقل من بحث ونظر وعلم وفن وفلسفة .
ومع ذلك فليس معنى هذا أن البحث والنظر والعلم والفن والفلسفة قد أصابت الحق وانما هى محاولة أن يتدبر الانسان ما حوله وان يتفكر فى الحياة التى يعيشها وفى كل ما يحيطه به وفى الكون أجمعه لأن هذا هو الطريق
الذي تكون منه المعرفة الى العقول والقلوب هذه المعرفة التى دعت آدم الى ان بأكل من الشجرة وهى التى كانت المبدأ فى خلق الانسان
لقد صرخت الملائكة أن يخلق الله آدم " قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقلس لك قال انى أعلم ما الا تعلمون وعلم ادم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين . قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم
قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم . . . " وان وضع الأسماء الذى هو جبلة طبع الله عليها آدم معناه قدرته على ادراك وتصور الأشياء وفهمها وان الانسان هذا الانسان الذى جعل الله طبيعته من نسيج المعرفة تقوم على الادراك والتصور والفهم لا يفتا فى هذا العالم يقوم بدوره الذى قدر أن يكون له ألا وهو التفكير
هذا التفكير هو جوهر ما دعا اليه القرآن فيما لم يكن فيه تحديد من الآيات وقد دعا الى شىء أكثر من ذاك الى التدبر فى أى القرآن باعتبارها قرءانا و باعتبارها وحيا قال تعالى " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " ان هذا بدل على أن الايمان الذى هو جوهر العقيدة الدينية وان الوحى الذى هو موضوع الايمان هو أيضا موضوع تفكير لا يمكن أن يذهب بلا تفكير وتدبر
ان الايمان فى الاسلام كما يبين عنه القرآن ضرب من التفكير يتولد عن التفكير ثم هو يتحول الى تجربة حية لا غنى عنها للانسان اذا ما وقف أمام وضوح الفكر وبيانه هذه التجربة هى ككل تجربة فى الحياة ليست من الخوارق وانما هى قوة قلبية وجدانية تحرر الانسان من سلطان الطبيعة بالارتفاع عنها : انها تجربة ابداعية لا فى فهم الوجود وانما لقهر الوجود على أن يكون وعيا كاملا .
ان الايمان تفكير وهو شئ أبعد من التفكير فى نفس الوقت لانا اذا عرفنا الوجود بعقولنا فانه يصبح تجربة اذا تحولت المعرفة العقيلة الى تجربة وجدانية تصبح كموضوع يتصل بالوجدان شوقا ومحبة لكنها تجربة لا يمكن التعبير عنها الا اذا استحالت الى قضايا عقلية فتأخذ حينئذ صورة التعبير الرمزى قال عنها القرآن مشيرا الى الوحى الذى انزله على محمد " ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى .
