الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

التراث والمجتمع الجديد

Share

موضوع " التراث والمجتمع الجديد " من الموضوعات التى كثر الحديث عنها فى كل عصر وامة ، فهو موضوع قديم حديث ، يتمثل فى هذه المعارك المتعاقبة فى كل عصر بين " القديم " و " الجديد " ، وبذلك لا ينحصر فى جيل دون جيل ولا يختص بزمن دون زمن .

واذا قصرنا حديثنا على امتنا وحدها ، رأينا هذا الصراع يبرز أمامنا واضحا منذ كان لنا تراث معروف :

فقد كان أبو عمرو بن العلاء لا يعد شعرا الا ما قاله الجاهليون والمخضرمون ، حتى لقد قال عنه الاصمعى : " جلست اليه عشر حجج ، فما سمعته يحتج ببيت اسلامى " . ويبدو ان أبا عمرو تساهل وفرط حين نظر فى شعر جرير والفرزدق فاعجبه بعضه ، فقال : " لقد حسن هذا المولد حتى هممت ان آمر صبياننا بروايته " . ولكنه حين خشى على نفسه من التوسع فيما يعده شعرا وقف عند حد أبي أن يتجاوزه فقال : " ختم الشعر بذى الرمة "!

وجاء بعده تلميذه الاصمعى ، فسلك سبيله ، واختار مذهبه فى تفضيل القديم والاقتصار عليه ، وان كان سار بعده شوطا ، فادخل فى عداد الشعراء بعض من جاء بعد ذى الرمة ، ثم وقف وتحرج من التوسع ، وقال : " ختم الشعر بابن هرمة ".

ولا يجوز أن تؤخذ هذه الاحكام على ظاهر نصها ، فما الى هذا قصد اولئك الاعلام ، ولكنهم كانوا يدفعون عن العربية وتراثها غزوا يريد تدميرهما ، على الوجه الذى سنبينه . وكل ما يعنينا من هذه الاحكام هو دلالتها العامة على ان هؤلاء الرواة العلماء كانوا لا يرون الادب الحق الا هذا التراث القديم ، وكانت كلما جاءت طائفة من تلامذتهم توسعت قليلا وأدخلت فى نطاق التراث بعض ما سبق عصرها مما لم يدخله اساتذتها ، واقتصرت على رواية هذا التراث القديم وحده وتعصبت له ، وأنكرت نتائج من عاصرها من الشعراء وعدتهم من المحدثين او المولدين الذين لا يسمون الى طبقة السابقين ، ورأت فى نتاجهم ما لم يجر على نهج معبد ولا على طريق مرسوم . واستمر الامر على ذلك جيلا بعد جيل ، وسيستمر الى ما شاء الله .

وقامت مع قيام الطائفة الاولى ، واستمرت معها تواكبها ، طائفة اخرى ،

تنكر هذا التراث القديم ، او بعض جوانبه ، وتستهين به بل تسخر منه وتسعى الى أن تهدمه هدما . وتمثل هذا الموقف فى اتجاهين يختلفان فى المصدر والغاية وقد يلتقيان فى المورد والنتيجة .

أما اولهما : فهو ما ذهبت اليه جماعة من المسلمين ممن تمكنت منهم الغفلة واستحكمت فيهم السذاجة ، فنفوا عن العرب فى جاهليتهم كل مأثرة . ووصموهم بأنهم كانوا امة جاهلة لا حظ لها من علم أو معرفة ولا من عمران أو رقي ، بعيدة عن كل مظهر من مظاهر الحضارة والمدنية . وكل ذلك لينصروا الاسلام ، زعموا ، ويعلوا من شأنه . وبرز من هذه الطائفة بعض الوعاظ والزهاد الذين أدخلوا فى وعظهم عناصر غريبة عن الاسلام وعن تراث العرب : من القصص والاخبار وضروب الاوهام ، يستعينون بها على التأثير فى العامة  ، فأساؤوا ، من حيث لم يقدروا ، الى ديننا والى تاريخنا بهذه الاساطير والاوهام . ثم سلك منهم فريق ، فى حياتهم ، سلوكا ظنوه زيادة فى الورع والتقى ، وكان من تأثرهم فى ذلك بمؤثرات غريبة عن الاسلام نفسه دخيلة على التراث ، ان انفصلوا عن روح الاسلام والتراث ، وانقطعوا عن الحياة برمتها ، وضلوا ضلالا بعيدا وأضلوا كثيرا من الناس فى العصور المتلاحقة .

أما ثانى هذين الاتجاهين فهو ما ذهبت اليه جماعة تملكها الحقد واستبدت بها الضغينة وأعمتها العصبية ، فأخذت تنهال على هذا التراث هدما وثلبا . وصفها الجاحظ فقال : " ثم اعلم أنك لم تر قط أشقى من هؤلاء الشعوبية ، ولا أعدى على دينه ، ولا أشد استهلاكا لعرضه ، ولا أطول نصبا ، ولا أقل غنما من أهل هذه النحلة . وقد شفى الصدور منهم طول جثوم الحسد على اكبادهم ، وتوقد نار الشنئان فى قلوبهم ، وغليان تلك المراجل الفاترة ، وتسعر تلك النيران المضطرمة . "

فلم يروا فى العرب الا أنهم رعاة ابل وغنم ، قبائل رحل متفرقة ، لم تجمعهم جامعة ، ولم تؤلفهم حاضرة ، ولم ينتظمهم ملك . فأخلاقهم وعاداتها وانماط حياتهم ، كلها مثالب ، ليس لهم فكر ولا حكمة ، ولا أدب ولا علم ، وانما ذلك كله لغيرهم ، للامم الاخرى وخاصة الفرس واليونان والهند ، فقالوا : " من أحب أن يبلغ في صناعة البلاغة ، ويعرف الغريب ، ويتبحر فى اللغة ، فليقرأ كتاب كاروند . ومن احتاج الى العقل والادب ، والعلم بالمراتب والعبر والمثلات ، والالفاظ الكريمة ، والمعانى الشريفة ، فلينظر فى سير الملوك . فهذه الفرس ورسائلها وخطبها وألفاظا ومعانيها . وهذه يونان ورسائلها وخطبها ، وعللها وحكمها ، وهذه كتبها فى المنطق التى قد جعلتها الحكماء بها تعرف السقم من الصحة ، والخطا من الصواب . وهذه كتب الهند فى حكمها واسرارها ، وسيرها وعللها . فمن قرأ هذه الكتب ، وعرف غور تلك العقول ، وغرائب تلك الحكم ، عرف أين البيان والبلاغة وأين تكاملت تلك الصناعة " .

فكيف تكون للعرب بلاغة وخطابة ، وقد خاطبهم أولئك الشعوبيون فطعنوا على خطبائهم : بأخذ المخصرة عند مناقلة الكلام ومساجلة الخصوم ، وعابوا عليهم لغتهم وأصواتهم ، ووصمومهم بأن قتالهم كان جله بالعصى ، فقالوا : فحملتم القنا في الحضر بفضل عادتكم لحملها فى السفر ، وحملتموها فى المدر بفضل عادتكم لحملها فى الوبر ، وحملتموها فى السلم بفضل عادتكم لحملها فى الحرب . ولطول اعتيادكم لمخاطبة الابل ، جفا كلامكم ، وغلظت مخارج أصواتكم ، حتى كأنكم اذا كلمتتم الجلساء انما تخاطبون الصمان . وانما كان جل قتالكم بالعصى . . .

ألسنا نسمع كل ذلك ، وان اختلفت الالفاظ ، الى يومنا هذا من بعض من اسودت قلوبهم حقدا من بعض المستشرقين وتلامذتهم المستغربين ، ومن بعض من اسودت عقولهم جهلا فاطلعوا على بعض ما عند الامم الاخرى وجهلوا ما لامتهم ، وغرهم ما يرون فى حاضرهم ؟

وما شعر العربى ، ألم يكن عوجا على رسم يسائله وعلى طلل يبكيه ؟ ومن كانت أولئك العرب من أسد وتميم وعكل ويمن ؟ ألم يكونوا أعاريب ؟ " ليس الاعاريب عند الله من أحد " ! فكيف تترك الحضارة لمثل هذه البداوة الجافية ؟ ألم يقل شاعرهم :

فلست بتارك ايوان كسرى                            لتوضح او لحومل فالدخول

وضب في الفلا ساع وذئب                            بها يعوى وليث وسط غيل

و :

دع الاطلال تسفيها الجنوب                           وتبلى عهد جدتها الخطوب

وخل لراكب الوجناء أرضا                             تخب بها النجيبة والنجيب

ولا تأخذ عن الاعراب لهوا                           ولا عيشا فعيشهم جديب

دع الالبان يشربها رجال                              رقيق العيش بينهم غريب

بارض نبتها عشب وطلح                             وأكثر صيدها كلب وذيب

فأين البدو من ايوان كسرى                          وأين من الميادين الزروب

ولتستقيم الموازنة الساخرة بين حالة العرب وحالة الفرس كان لابد ان يقول الشاعر فى ذروة المجد العربى أيام بنى امية :

فاتركي الفخر يا أمام علينا                       واتركى الجور وانطقي بالصواب

واسألى ان جهلت عنا وعنكم                     كيف كنا فى سالف الأحقاب

اذ نربي بناتنا وتدسو                              ن سفاها بناتكم في التراب !

فهل أبقت العرب اذن تراثا يعتز به ويحافظ عليه :

تراث انو شروان كسرى ، ولم تكن     مواريث ما أبقت تميم ولا بكر

فلا بد اذن من التخلى عن كل هذا التراث العربى : فى الشعر والنثر

والاخلاق والعادات والقيم ، ولا بد من احياء تراث فارس فى كل ذلك :

أنا ابن الاكارم من نسل جم        وحائز ارت ملوك العجم

ومحيى الذى باد من عزهم          وعفى عليه طوال القدم

وطالب أوتارهم جهرة               فمن نام عن حقهم لم انم

ومع ذلك فقد كانت هذه الشعوبية أعلم الناس بزيف دعواها وبطلان افترائها . فقد كانت تجمع فى آن بين تسفيه تراث العرب والتثقف بهذا التراث ، فنجد رحلا مثل أبي نواس كان عالما فقيها ، عارفا بالاحكام والفتيا ، بصيرا بالاختلاف ، صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث ، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخة ، ومحكمة ومتشابه  . . . وكان  أحفظ لاشعار القدماء والمخضرمين وأوائل الاسلاميين والمحدثين . وقد قال عن نفسه : " ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب  ، منهم الخنساء وليلى ، فما ظنك بالرجال " !

فلم تكن دعواهم اذن الا تنفيسا عن حقد ، وترويجا للاباطيل بين الناس ليخدعوهم عن أنفسهم ، ويشككوهم فى تراثهم ، ويزعزعوا ثقتهم بأمتهم ويفصلوا حاضرهم عن ماضيهم ، فيقطعوا ثقافتهم عن جذورها الاصيلة . ولا شك في أن هذه الدعوى وجدت من يصدقها حينئذ كما تجد دعاوى تشبهها من يصدقها ويخدع بها فى عصرنا هذا .

ومع خطورة هذه الدعوى فقد كانت عداوة مكشوفة وحقدا باديا يسهل على  المرء درؤهما وتفنيدهما . ولكن البلاء الشديد يكمن فى ذلك العمل الصامت الذى تضافرت فيه جهود كثيرين من هذه الطائفة لتشويه تراثنا وتدميره من داخلة بما دسته فيه من زيف وتحريف ووضع ، فتسللت الى أيام العرب وأنسابها وأخبارها ، أى الى تاريخنا السياسي والاجتماعى ، والى احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم والى تفسير كتاب الله تعالى . حتى بتنا احوج الناس الى تمحيص هذا التراث وتحريره ، لنستبين الأصيل من الدخيل ، ونميز الصحيح من المزيف ، فى تاريخنا السياسى والفكرى والأدبى والاجتماعى .

فلم تكن اذن دعوة هذه الطائفة دعوة تقدمية الى نمو وتطور وبناء جديد - وان تظاهرت فى بعض جوانبها بذلك خداعا وتضليلا . وانما هى دعوة رجعية ضيقة قائمة على العصبية والهدم ، سلاحها الافتراء والتزييف .

وقامت مع قيام هاتين الطائفتين ، واستمرت معهما تواكبهما ، طائفة ثالثة هى أقرب الثلاث الى الفهم السليم والى طبيعة الحياة الصحيحة . جمعت بين الحسنيين ، ورأت ان الحياة لا يمكن ان تجمد وتقف حيث كانت ، ولكنها فى الوقت نفسه لا يمكن ان تنطلق متحللة من كل نظام يربطها بخصائصها ومقوماتها التى تتمثل فى تراثها . فأنزلت هذه الطائفة قديمها فى منزلها الصحيح

وعكفت عليه تدرسه وتحييه وتجدده وتستخرج كوامنه وتجلو روائعه . ثم مضت فى حياتها على هدى من هذا التراث تستقبل الجديد وتحيا فيه حياة سليمة وتشارك فيه مشاركة أصيلة .

واذا أردنا ان نعرض نماذج من هذه الطائفة فربما كان اول من نبدا بهم هم كبار الصحابة . فقد نزل القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بينهم ، فكانوا أقرب الناس الى فهم مراميه . لقد ندد الوحى بالبالى من التقاليد الموروثة التى كانت تشد الناس الى الوراء شدا يحول بينهم وبين الفهم الصحيح للحياة ويعوق تطورهم . لقد كان - كما يحلو لبعض المحدثين أن يقولوا - ثورة على العادات  البالية والمفاهيم الرثة . ولكنه لم يكن قط هدما للتراث والقيم القديمة كلها . ولذلك كان الصحابة يجمعون فى حياتهم بين التطور والنمو فى المجتمع الجديد وقيمه وبين التمسك بالتراث الجاهلى ومحافظتهم عليه . فكثيرا ما كان هؤلاء الصحابة يروون مآثر العرب ويتذاكرون اخبارهم ويتناشدون أشعارهم . وما اكثر الاخبار التى تروى عن عمر بن الخطاب وعنايته بالشعر الجاهلى ، واعجابه بأبيات منة بعينها ، وتفضيله لشاعر على شاعر . وكذلك كان ابوبكر عالما بأيام العرب وأنسابهم ، راوية للشعر الجاهلى ، يتمثل به فى مواقفه ، ويستنشد الشعراء ما قالوه فى جاهليتهم واسلامهم . وكذلك كان جل الصحابة من الرجال والنساء . بل لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنشد الصحابة الشعر ويسائلهم عنه ، ويستعيد ما يستحسنه منه ، ويبدى اعجابه ببعضه . وكان هؤلاء الصحابة يرون الشعر ديوان العرب وسجل مآثرهم ، وكانوا يحضون على روايته ودراسته ، بل كانوا يرون انه أساس ثقافتهم الاسلامية ، فكثيرا ما كانوا يستشهدون على ألفاظ فى القرآن بأبيات من الشعر الجاهلى ويرون أنه لا يفهم بعض ذلك الا بهذا .

ومرت السنون ، واشتد الصراع بين دعاة التمسك بالقديم وايثاره ودعاة هدمه وانكاره . وقام من ينظر الى الامر نظرة الحق المبرأ من الهوى المجرد من التعصب . فهذا الجاحظ يعلن رأيه واضحا فى قوله :

" وقد رأيت اناسا منهم يبهرجون أشعار المولدين ، ويستسقطون من رواها . ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان ، وفى أى زمان كان " .

وزاد ابن قتيبة من وضوح القضية فقال : " لم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن ، ولا خص به قوما دون قوم ، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده ، فى كل دهر ، وجعل كل قديم حديثا فى عصره . "

وقال ابن رشيق : " كل قديم من الشعراء فهو محدث فى زمانه بالاضافة الى ما كان قبله . "

وتمثل ذلك واضحا فى بيت الشاعر:

ان هذا القديم كان جديدا         وسضحى هذا الجديد قديما

وهى سنة الحياة ولا سبيل الى الخروج عليها .

نجد بعض شعرائنا الذين ادركوا هذه الحقيقة فى مختلف عصورنا الأدبية قد عكفوا على هذا التراث الفكرى والفنى والاجتماعى والسياسى فدرسوه دراسة تعمق وشمول وعاشوا فيه وتمثلوا قيمه ومثله ، الى ان استقامت لهم طريقتهم فمضوا قدما يتفاعلون مع حياتهم الجديدة ، ويفتحون نفوسهم وعقولهم لانواع المعارف والثقافات ، فتلقوا منها ما شاؤوا هم ، لا ما اريد لهم ، فأساغوها ، وهضموها حتى صارت جزءا من ثقافتهم ، من تراثهم ، من كيانهم ، ثم افرغوها فى قالبهم واخرجوها لنا فى معالم جديدة فى الشكل والمضمون : فى الالفاظ والاوزان وتنوع القوافى حينا ، وفى المعانى والصور والاخيلة والموضوعات ، اى فى التجربة الفنية ، حينا آخر . فأصبح تجديدهم جزءا من تراثنا زاد من خصبة ومن غناه .

ونخلص من كل ما تقدم الى معالم واضحة :

أولها : ان تاريخنا الفكرى قد عرف هذا الصراع بين القديم والجديد معرفة واعية ، وانزله منزله الصحيح ، فقامت طائفة من العلماء والرواة والشعراء ورجال الفكر يتمسكون بالقديم ، ويدعون الى تقديمه وتفضيله ، ويذودون عن كيد الكائدين ودسائس المغرضين الذين أرادوا أن يهدموا هذا التراث ليجتثوا اصول الامة ، ويفصلوا حاضرها عن ماضيها .

ولم يكن موقف هذه الفئة عن جمود أو تعصب ، ولا عن جهل أو ضيق افق ، وانما كان موقف المدافع أمام هجوم مدبر ، ولا بد للمدافع من التشدد والصلابة وعدم التفريط .

وقامت فئة ثانية تدعو دعوة الفئة الاولى ولكنها كانت تعلم ان هذا القديم ليس آثارا تحفظ فى متحف ، وانما هو حياة نامية ، فقبلوا الجديد حين كان تطورا طبيعيا من القديم ، وحين كان يصدر عن نفس الامة ويعبر عن ذاتها ، وليس مجرد تقليد لمظاهر مجتلبة ولا محاكاة لانماط ومذاهب غريبة عن روح الامة وتراثها .

وثانيها : ان هذا التراث العربى - فى ضوء ما تقدم - كان دائم التجدد ، لا ينفك يتفاعل مع الحياة تفاعلا خصبا ، ويتجاوب معها تجاوبا اصيلا . وكان أبدا تراثا منفتحا على غيره ، غير مغلق على نفسه ، كان يأخذ ويعطى ، وكان دائما فى اخذه وعطائه يصدر عن شعور عميق فى نفس هذه الامة برسالتها الانسانية . ولذلك كان دائما فى تجدده ينبع من ذات النفس العربية فى صدق واصالة .

ولا يمكن لتراث غير اصيل ، لا يعبر عن ذات الامة التى ينتمى اليها ، ان تكون له رسالة انسانية ، حين يلتقط فتات الامم الاخرى ، فى تقليد سطحى ومحاكاة ظاهرية .

وثالثها : ان جميع الذين نهضوا بعبء التجديد كانوا ممن تزودوا بالتراث العربى تزودا فيه تمكن وعمق ، وأحسوا بالروح العربية احساسا يسر لهم السبيل للتعبير عنها ، دون عجمة ولا اغراب ، فأصبح تجديدهم جزءا من هذا التراث فى سيره العظيم . أما أولئك الذين كانوا ينزعون عن جهل ، ويدعون التجديد عن عجز ، والذين كانوا يريدون ان يحرفوا موكب التراث عن وجهته ليضل طريقه ، فقد باءت محاولاتهم بالخذلان ، وبقى التراث يؤدى رسالته .

ورابعها : ان تراث الامة هو روحها ومقوماتها وتاريخها ، والامة التى تتخلى عن تراثها تميت روحها وتهدم مقوماتها وتعيش بلا تاريخ . والامم كلها ، مهما تكن فلسفتها الاجتماعية والاقتصادية ، تحرص أشد الحرص على تراثها وتبذل جهودا كبيرة لاحيائه ونشره وبثه فى نفوس أبنائه ، بل ان بعض الامم الحديثة تفتعل لنفسها تراثا تجمع اجزاءه تجميعا وتنفخ فيه نفخا لتتم له صورة تفئ اليها الامة وتنطلق منها . فليس صحيحا ان الاخذ باسباب الحضارة يستلزم هدم التراث ، وقد انخدعت بعض الامم بهذه الدعوى فأصبحت كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى . وانما الصحيح ان تقدم الامة - حين تبدأ الحياة تنساب فيها - انما يكون من داخل نفسها وينطلق من تراثها .

وخامسها : ان تراثنا قد تعرض لضروب عنيفة من الغزو استطاع ان يقف للظاهر منها ويدفعه . ولكن بعض هذا الغزو كان مستترا ، تقنع باقنعة خادعة ، وهاجم هذا التراث من اعماقه ، من داخل حصونه : فكان ان وضع كثير من الاحاديث النبوية ، ودست في تفسير القرآن وفى تاريخنا الفكرى والسياسى والاجتماعى أساطير وأقاصيص غير عربية ولا اسلامية ، من تراث اليونان والفرس والهند واليهود ، وبثت فيه روايات ملونة بالاهواء المضلة . وتداخل ذلك كله فى تراثنا ، وانطلى علينا بعضه . ولذلك اصبحنا نرى التناقض والتشويه فى بعض اجزاء هذا التراث ، فيما تفرق فيه من روايات وأخبار ، تدعو الى الحيرة والاضطراب ، وتمسخ جوانب من حياتنا الفكرية والاجتماعية ، وتشوه بعض المعالم الكبرى فى تاريخنا ، وتلقى على رجالنا ، فى شتى الميادين ، ظلالا قاتمة من الشك فى اعمالهم واقوالهم ، والانتقاص من قيمتهم الحقيقية .

وسادسها : ان جل جهودنا حتى الآن قد اتجه الى طبع هذا التراث طبعات تتفاوت فى جودة تحقيقها ، وقد تيسر لنا فى هذا الميدان قدر صالح ، وان كان لا يزال دون ما نريد . واتجهت جهود اخرى أقل من الاولى ، وان كانت كبيرة القيمة فى ذاتها ، الى تحرير هذا التراث من الزيف الذى علق به ، والى تخليصه من الشوائب التى كدرت صفاءه ، والى تجريده من الدخيل الذى

هجنه . ولكن هذه الجهود ظلت محصورة فى نطاق ضيق يقتصر على الصفوة والخاصة من العلماء والادباء . واتجهت أقل الجهود الى نشر هذا التراث بين الناشئة من تلامذة المدارس ، وبين طلبة الجامعات وجمهرة المتعلمين والمثقفين نشرا يعتمد على التذوق الفنى لما فيه من جمال واصالة وصدق ، وعلى التقدير الحقيقى لما فيه من قيم ومثل ونظم اجتماعية وانسانية ، وعلى التعرف الموضوعى - البعيد عن العاطفة السطحية والانفعال العابر - الى ما فيه من جهد عميق فى جميع ميادين المعرفة النظرية والتجريبية ، والى نصيبه الوافر ومشاركته الايجابية فى بناء الحضارة الانسانية .

ان هذه الاحكام شائعة عامة ولكن اكثرنا يسمع بها بالتلقن السطحى العابر، فلا يكون لها فى العقل والنفس دلالة واضحة ولا احساس عميق ، بل ان اكثر متعلمينا ومثقفينا يشكون فيها بل انهم ليسخرون منها وينكرونها ، لانهم علموا بعض ما عند الاخرين وجهلوا ما عند قومهم ، ولانهم اطلعوا على بعض ما كتبه ذوو الاغراض والاهواء فى التهوين من تراثنا والتقليل من شانه والازراء به ، فانخدعوا به وصدقوه .

وما اكثر الكلام الذى يقال عن مجتمعاتنا الرجعية وانظمتنا التى انقطع بها الزمن ، وعن تاريخنا الذى قام على السيف وجباية الاموال ، وعن سير اعلامنا التى لم تلتفت الا الى الخلفاء والحكام والولاة ، وعن ادبنا الذى كان ادب كدية واستجداء ونفاق فى بلاط الملوك والامراء ، وعن لغتنا التى اصبحت عاجزة عن مواكبة حياتنا العصرية ومتطلباتنا العلمية ، وعن فلسفتنا وعلومنا التى لم تكن الا نقلا مشوها لنتاج اليونان والهنود وغيرهم .

ولا يجوز ان نستهين بهذا الذى يقال ويكتب ، ونعه مما يكتب عنا الاعداء الاجانب ، فقد بدأ الاجانب بذلك ، ولكننا تلقينا عنهم وتتلمذنا لهم ، واصبحنا نطعن انفسنا بأنفسنا ، بل صار كثير منا اشد عداوة لنا من الاجانب .

ولا بد لنا من ان نتدارك الامر قبل ان يزيد استفحالا وضراوة . ولا يكون ذلك الا بالعمل الواعى الدؤوب على احياء هذا التراث ، واعادة تقويمه ، وتحريره من كل ما اندس فيه ، وتنشئة الامة عليه تنشئة مبصرة تقودها الى معرفة ذاتها والثقة بنفسها .

وسابعها : ان التجديد فى الادب خاصة ، وفى التراث الفنى والفكرى عامة ، امر لا يجوز ان يكون مثار جدال ولا موضع انكار ، حين تنتفى مظنة العداء لهذا التراث ، وحين يقوم بالامر افراد من انفسنا أحاطوا بتراثنا احاطة معرفة وفهم وتذوق ، وارتوت نفوسهم من معينه الثر ومن قيمه ومثله ، ثم تفتحت على آفاق جديدة لم نعرفها فى التراث القديم ولكنها انحدرت من روحه ومن جوهر كيانه ، ونبعت من ذات الامة ومشاعرها وحياتها وحاجاتها وآمالها .

ولا بد من روافد متجددة تصب فى هذا التراث ، فتحرك ساكنه حينا ، وتزيد ماءه حينا آخر ، وتعمق مجراه وتوسعه حينا ثالثا . فلا بد من الاطلاع على ثقافات الامم ومعارفها فى القديم والحديث ، ولا بد من ترجمة بعض هذه الروائع والذخائر ، فهى ملك الانسانية كلها . واذا كان تراثنا فى الماضى لم يتردد في الاسترفاد بضروب التراث المختلفة عند الامم جميعها وامتص كثيرا منها وجعلها جزءا منه ، فاننا سنقصر فى حق انفسنا وكرامتنا الفكرية ، وفى حق التراث الذى نصنعه للمستقبل حين نغلق منافذ النور من حيث أتى ، ونقتصر على الاستضاءة بما عندنا ، فيفسد الهواء بعد حين ، وينضب الزيت ، وينطفئ المصباح . فلا بد من ان نفتح النوافذ كلها لنستقبل النور والهواء ، على ان نرى النور بأعيننا لا بأعين غيرنا ، وان نتنفس الهواء برئاتنا لا بالرئات التى تصنع لنا ، وان نفتح النوافذ وتغلقها حين نريد نحن لا حين يراد لنا ، وعلى الصورة التى نختارها لا على الصورة التى تفرض علينا .

وليس الامر فى التجديد امر الفاظ او اخيلة او معان او او اوزان او قواف . فذلك كله شىء قد كان فى جميع عصورنا الادبية على تفاوت بينها .  وهو شىء قد انصرفت اليه جهود موفقة فى الثلث الاول من هذا القرن ، ولم تثر شيئا من الانكار عند الكثيرين .

الامر فى التجديد ليس هذا كله ولا شيئا منه ، ولكنه اعمق وابعد . ان اساس الامر هو مدى انسجام المنهج النفسى والاحساس الفنى عند المجددين مع المنهج النفسى والاحساس الفنى للامة وروح تراثها . واذا كان لا يجوز لاحد ان يدعو الى تجميد التراث جيلا بعد جيل والى ان يحتذى الخلف خطوات السلف احتذاء تطابق وتشابه ، لان فى ذلك حجرا على الحياة نفسها بل افناء لها ، فان السؤال الذى يجب ان يسال دائما هو : هل هذا التجديد هو تطور اصيل ، نابع من وجدان الفرد والامة ، متجاوب مع طبيعة حياتها وجوهر كيانها ، مواكب للمرحلة التى تمر فيها ، متطلع الى المستقبل الذى ترنو اليه ، متسق مع روح التراث ، معبر عن تجربة فنية ذاتية . هل هو حلقة متماسكة في سلسلة متصلة تتدرج تدرجا طبيعيا يقود بعضها الى بعض وينتهى اولها الى آخرها ؟ او انه شىء لا تعرفه الامة ، ولا تحس به ، ولا تتذوقه ، ولا تحتاج اليه . شئ غريب عنها ، دخيل عليها ، منقطع الصلة بها وباصولها وتراثها . شئ صنعه غيرها وكان عنده نتاجا طبيعيا فى بيئته لانه نابع من ظروفه متطور عن مجتمعه ، فهو بذلك جزء من حضارته ، جزء من منهجه النفسي واحساسه الفنى ؟ ثم جاء منا من يقلده ويحتذيه ، دون ان يتمثله ويهضمه ، ودون ان يصبح جزأ من احساسه واحساس امته . لئن كان احتذاء القديم تقليدا ، فماذا نسمى هذا الضرب من التقليد للاجنبى الغريب ؟ أليس انحرافا بالامة عن طريقها ، وتعويقا لها فى انطلاقها ، وتضليلا لها عن نفسها وتدميرا لجذورها واصولها ، لتصبح كجذع الشجرة الذى يغرس على ظاهر

الارض ، بغير جذور تضرب الى الاعماق ، وقد تركب له الغصون والاوراق والثمار المجلوبة المصنوعة فتعجب بعض الراثين وتخدعهم ولكنه يستطيع ان يورق ولا يثمر لانه ميت لا حياة فيه .

ولا بد لكل نتاج جديد ، يصح ان يعد فى المستقبل تراثا ، من ان تكون له جدوره الحضارية الخاصة به التى تسبغ عليه اصالته وتطبعه بشخصيته المميزة .

واذا كانت الصلة بين الادب والحياة صلة وثيقة ، فان كل تجديد فى الادب والفن عامة ، يجب ان يكون متسقا مع طبيعة حياة الامة وروحها ، فالتطور فى الادب ينبع من تطور المجتمع ، وحين يكون كذلك يكون فى الوقت نفسه عاملا من عوامل تطوير هذا المجتمع تطويرا سليما دون ان يفصله عن جذوره ، ويقطعه عن اصوله ، ويعريه من اصالته .

اشترك في نشرتنا البريدية