الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

السينما والادب

Share

ترك لنا القرن التاسع عشر عندما اشرف على النهاية آلتين جديدتين ولدتا معا ووثبتا فى آن واحد على الكون وغمرتا قاراته ، وقد انجزت الاولى ذلك الحلم الطفولى الذى كان يعيشه الانسان كلما نظر الى السماء ؛ وهو ان يقتلع قدمية من التراب فيطير كالملائكة والطيور ، وتمتد جذور هذا الحلم الى عصور الميثولوجيات الاولى ، وجاء اليوم الذى تحقق فيه وامكن للارجل ان تتخلص من الجاذبية فقد اخترعت الطائرة

وفى الآن نفسه ظهرت آلة عجيبة اخرى ، لا ترمى الى الانطلاق نحو الماورائيات الجوية حيث تقيم الاشباح والملائكة والآلهة ، بل تهدف الى تصوير الواقع الارضى واستعراض الحياة البشرية كما هى : وهذه الاعجوبة هى السينما .

وبينما كانت الطائرة تبتعد عن عالم الاشياء ، كانت السينما لا تعمل الا على رسمه لفحصه بدقة ولدراسة كل الظواهر الطبيعية

وفي حين كان مستقبل السينما مجهولا ، تأمم وتمدن الفضاء الجوى واصبح صالحا للعبور ، ودخلت الطائرة بعد ان كانت حصان فرسان الخيال ، النطاق العملي وصارت وسيلة للنقل والتجارة والحرب ، وغدت وثيقة الاتصال بالارض عن طريق شباك الاذاعة واجهزة الرادار . وهكذا لم تقربنا الطائرة من الارض بل وسعت من نطاقها وقربت من ابعادها والتحقت بركب الآلات الاخرى ولكن المشاريع التى انجزها السينما تجاوزت حدود الآلة والنطاق العملي واتضح ان الشريط السينمائى هو الذى انطلق بنا الى العلياء نحو سماء من الاحلام ، ونحو لا نهاية النجوم و " الكواكب " ترقص الموسيقى من حوله وتسكنة الاطياف المعبودة . وهكذا تخلص من عبودية الارض ، وقد كانت كل المظاهر تدل على انه خادمها الامين ومرآتها السلبية . فاذا به ترجمان المثل ووسيلة لدراسة علم الانسان ، وعقدة الاتصال بين الحقيقة والخيال ، ولعله

يسمح لنا مع شىء من الضبط بالاقتراب من حل هذا اللغز الغامض الا وهو وجود الانسان المتركب من جانب واقعى وجانب وهمى

ان الفن السينمائى لم يعد فنا قوميا او محليا بل هو عالمى بصفته جسرا يصل بلدا بآخر وعقلية باخرى ، ويشكل بالنسبة للطبقات الشعبية صلتها الوحيدة تقريبا بالفن فى شتى الوانه .

لقد حاول الانسان الاول ربط الصلة مع بنى جنسه عن طريق التصوير حتى قيل : " ان التصوير انجيل من يجهلون القراءة والكتابة " والآثار القديمة ملأى بالنقوش والرموز . وهل الصورة سوى سند للفكرة تعيننا على فهمها وعلي الاحتفاظ بها . وما ذاكرتنا او مخيلتنا الا شاشة تنعكس عليها اشرطة من الذكريات والاحلام والهواجس

وكما ان كل جملة أو كلمة نقرؤها أو نسمعها تنطبع فى أذهاننا فى شكل صورة فان كل صورة يمكن ان تتحول الى جملة أو كلمة .

جمع احد النقاد السينمائيين ذات يوم فى فرنسا ثلة من الاساتذة فى احدى قاعات السينما الباريسية وعرض عليهم شريطا جديدا ، وكان المشهد الاخير منه هو الآتى : الزوج يودع زوجته ثم يذهب للمبارزة بالمسدس مع احد خصومه ، فتخرج الزوجة صحبة خادمتها وتمكث قريبا من مكان المبارزة فى انتظار النتيجة في قلق متزايد فتسمع الطلقة النارية الاولى وتنتظر الطلقة الثانية بلا جدوى ، ثم تسقط على الارض مغشيا عليها ، وهنا تصيح الخادمة " النجدة ! النجدة ! " ثم يتحول المشهد الى كنيسة تقرع اجراسها وينتهى الشريط . فسرت همهمة بين الحاضرين ولم يتمالكوا من التساؤل ، ما هذه الخاتمة؟ كيف كانت نتيجة المبارزة ؛ ماذا جرى للزوجة بعد الاغماء ؟ فقال الناقد " يؤسفني يا حضرات الاساتذة وانتم من علمنا بلاغة الايجاز ، وطالما لفت انظارنا إلى جملة " بوسوى " الشهيرة " السيدة تحتضر ، ماتت السيدة ، Madame se meurt , Madame est morte يؤسفنى ان اراكم لا تحاولون ادراك  بلاغة الايجاز السينمائى فقد كان من المفروض ان نفهم ان الزوجة كانت تعلم ان زوجها سوف لا يبدأ باطلاق النار ، فلما لم تسمع الطلقة الثانية ايقنت انه اصب ، فأغمى عليها فصاحت الخادمة مستنجدة وكأنها تقول : " السيدة تحتضر . . " ثم تقرع أجراس الكنيسة وكأنها تقول : " ماتت السيدة "

انه لمن المزعج حقا ان نرى الكثير من العناصر المثقفة لا تدرك سحر بلاغة السينما ولا سعنا امام هذه الحال الا ان نتمنى كما قال احد النقاد ، أن لا تمتلىء قاعات السينما المظلمة الا بنظارة نيرين

ويحق لنا ان نتساءل هنا فيما إذا كان الفن السينمائى ، بوصفه اداة نعيبر ، وفن الكتابة من جنس واحد وهل ان مميزات الاسلوب الفنى هى نفسها بالنسبة للسينما والادب ؟ ثم هل يستطيع السينما ان يعبر مثل الرواية او القصيد عن الجوهر الشعرى للأشياء والاحداث ؟ لكن ما هو الفن ؟ الفن هو ان يخلق الانسان عالما اصطناعيا خاضعا تقيم الفكر الانسانى ولقواعد الطبيعة ، والفن كما قال الفيلسوف " باكون " هو الانسان مضاف للطبيعة . فالفارق بين الصورة الشمسية والصورة الزيتية هو ان هذه الاخيرة قد امتزجت بذكاء الانسان . نحن نعلم ان السينما ملتقى جميع الفنون تعتمد على الصورة والصوت والكلمة . لكن هل يستطيع الشريط المجرد عن كل شىء ان يعبر عن الشعر ؟ ونقصد بالشعر هنا معناه المطلق لا عروضه وقوافيه

ان هذا الكون متركب من خليط هائل من الرسوم والحوادث التى تعتيرنا دونما نظام ولا سبب . وهذا الانسان أشبه بمن يقف وسط الزوبعة كأنه سباح يمسك بالصخر باحثا عما يطمئنه ويبعث السكينة فى نفسه ، حتى اذا بدا عبر ذلك الاختلاط نغم يضمن رجوع انطباعات ، او توالى اصوات او تتابع صور بعينها ، يغمره شىء من الهدوء ، كهدوء الطفل الذى ينام عندما نهدهده وتتواتر عليه حركات او اصوات منسقمة ، وهل خلا الفكر البشرى من طفولة ؟ ان الشاعر عندما يضع آلامنا واحلامنا فى اطار من نغم اشعاره يدخلنا معه عالما اكثر اعتدالا ووضوحا نشعر فيه بالوثوق والارتياح لانه من بناء الانسان . هذا وجميع ظواهر الطبيعة التى فيها نغم تعطينا الشعور نفسه بالامن والتجرد . فعودة الفصول الاربعة بمميزاتها القارة موضوع خالد للشعر . وكذلك يحصل لنا انطباع شعرى من ظواهر فرار الزمن ان ساقية تجرى ، او ينبوع ماء يتفجر ، او مدخنة يتصاعد دخانها ، او الامواج الصغيرة تتكسر عند قدمى حالم على الشاطىء ، كل هذه الظواهر يمكن ان تكون شعرية . وكثيرا ما يلجأ السينما الى التقاط هذه المشاهد لهذه الغاية .

وهناك معنى آخر للشعر خارج من فكرة النغم ، فقد نقول عن كاتب مثلا انه استخلص الجانب الشعرى من ضواحى المدينة او من باخرة تشق العباب او من صراع الثيران ، وهذا لا يدل على انه وجد بها نغما وانما عرف كيف يستخلص جوهر تلك المشاهد ، ذلك الجوهر الذى يبدو لنا عندما نفكر فى الشىء بدون فكرة الاستغلال . ان موقف الشاعر " فاليرى "

عندما كان يتأمل من جزات الخرفان البحرية فى قصيدته " المقبرة البحرية " مخالف تماما لموقف صانع المراكب الذى يفكر فى اعطاء جدران الفلك شكلها البيضوى الذى يساعدها على تحمل ضربات الموج . ان الشاعر يستسلم للصور بينما الصانع قد تضايقه الصور . ولو امكن لنا ان نلتقط الصور التى تدور بخلد الانسان وان نسجلها فى شريط فاننا نحصل على مناظر فيها خلط وانفصال ، وفيها شىء من الجنون ، ولكنها مع ذلك مناظر شعرية لان الشعر لا يخلو من الجنون ، ) ولان الشعر يولد كلما أبعد الجنون فكرة الفعل ، اليسير على السينما ان يحصل على هذا الضرب من الجنون الشعرى ، بما يعرضه من صور تتلاحق دونما ربطا منطقى . وان التجارب التى قام بها بعض المخرجين من انتاج اشرطة قصيرة حول قصيدة شعرية تعتمد على التصوير ، قد بلغت قمة الفن والروعة . حتى ان الشعراء اصبحوا يدعون الى القصائد " السينمائية " ، اى التى تعتمد على الصور لا الزركشة اللفظية

ان السينما يعتمد بصفة خاصة على البصر ، وتتجه طرق تعبيره الى نقطة معينة من حساسيتنا ، فهذه الجملة مثلا : " وقفت امام فندق ضخم قد تكون مبتذلة عندما نقرأها ولكنها تكون رائعة بدون ريب عندما نراها فى شكل صورة فى شريط . فالادب مضطر الى تفكيك الصور وتحليلها فى حين يجمعها السينما ، هذا ومهما كانت الصورة المكتوبة دقيقة الوصف فانها تترك لافكارنا شيئا من الحرية فى التشخيص . وكثيرا ما يحدث ان تجعلنا كلمة واحدة نفكر ونحلم طوال ساعات . غير ان الادب لا يستطيع ان يجعلنا نحس بالسرعة والنغم بقدر ما يوفر السينما لنا ذلك . ولكم شاهدنا مناظر سينمائية مثيرة ومؤثرة كمشهد الجبال الشاهقة التى تضطرنا احيانا الى التشبث بمقاعدنا وكأننا نحلق فوق تلك الجبال ونخشى ان تزل بنا القدم ، وهذا تأثير مباشر لا تصل اليه الكتابة مهما كانت بليغة . لكن الادب يمتاز بكونه لا يقف عند حد التعبير عن الاحاسيس بل يشرح لنا العواطف والافكار المجردة ويعطينا لوحة كاملة يرسم فيها نشاطنا الباطن وهو من هذه الناحية اثرى واقدر من السينما . ولكن هذا وذاك يؤثران فى بعضهما بعض وبيان تأثير السينما فى الادب ليس بالامر الهين . فالتأثير بوجه عام معقد دائما ويتخذ أشكالا متباينة ، فعندما نجد ولدا متحدا فى الذوق مع ابيه نقدر ان هذا الاخير قد اثر فى الاول ، ولكن عندما يكون ذوق هذا مقابلا لذوق ذاك ، فهناك تأثير ايضا ولكنه اتى فى

صورة رد فعل . فالطفل قد يحب الكيمياء لان أباه يحبها ، ولكنه قد يعرض عنها للسبب نفسه .

وأبرز ما نلاحظه من تأثير السينما فى الادب هو ما كان لاحظه " جان بولهان " ) Jean Paulhan ( اذ قال : " يبدو لى ان السينما قد خلص الادب من عدة شواغل ومضايقات ، كالحركة والسرعة والتتبع والانقلابات ، مثلما خلص التصوير الشمسى التصوير الزيتى من الاجتهاد فى ايجاد الشبه " لقد شارك السينما اذن فى بعث ادبنا السيكولوجى الخالى من المغامرات ، المتجه نحو معالجة مشاكل الحياة اليومية العادية ، وهكذا تسنى للكاتب بعدما تخلص الادب من جمهور هواة القصص ، ان يرمى الى هدف آخر سوى تسلية قرائه ، ولذلك تمت القطيعة بين الادب وجمهوره الاكبر ويمكن لنا ان نكتشف لدى الكاتب الحديث تأثيرا سينمائيا مباشرا فكل ما نطالعه فى الكتاب من امتزاج الواقع بالخيال ومن تسلسل الانطباعات والافكار يذكرنا بتسلسل الصور فى كثير من الاشرطة . فالفن السينمائى هو اول من عرف كيف يمزج بين الماضى والحاضر والمستقبل معا ، مثلما تفعل مخيلتنا بالضبط . فعندما نرى فى الشريط مشهد فارس مثلا ينهب الفيافى مطاردا فارسا آخر كأن قد اختطف حبيبة الاول ، يعمد المخرج إلى مقاطعة التتبع بصور مختلفة لا تتصل بالمشهد الا اتصالا معنويا ، كالصور التى تذكر بغاية الملاحقة او تذكر بمواقف معينة مع الحبيبة المختطفة

ان للسينما لغة عالمية تجتاز الحدود حاملة فى مطاويها الشعر الاقليمى لكل شعب فيستفيد أدباء الشعوب الاخرى بهذه الوسيلة الثقافية الناجعة يشاهدون روايات واساليب توحى اليهم بروايات واساليب اخرى يتبناها السينما من جديد فتلهم بدورها أدباء آخرين ، وهكذا تم الالتحام والانسجام بين الادب والسينما ، ولست ادرى ماذا يكون مصير الادب فى هذا العصر الآلى الساخر بالقيم والمثل ، لو لم يوجد السينما

والخلاصة ان الادب والسينما يسعيان معا كما قال احد الكتاب الى مساعدة الانسان على اكتشاف حواسه الخمس واستغلالها . ان هناك تعاونا حقيقيا ولكنه لا شعورى بين الادب والسينما ، ونرجو ان يصبح ذلك التعاون اكثر فعالية وان يعمل على تخليص معاصرينا من داء " التفصح " ومن تلك الجمل البديعية المتكلفة ومن تلك العواطف الباطلة التى تثقل عبء الحياة العصرية

اشترك في نشرتنا البريدية