يجب أن يهزنا مصرع الفنان أكثر من أى حدث كونى ، فالفنان خاصة إذا كان شاعرا إذ الشعر أعمق اثرا فى الإنسان من أى فن خر علاوة عن كونه يحمل الانسانية كاملة في قلبه ، وبالاضافة إلى ما يفصح عنه الشاعر من آمال الانسان وآلامه ، فإنه يحط أمامنا طرق المستقبل بما يوقظه فينا من وعى وشعور بمنزلتنا
يجب أن يهزنا مصرع الفنان وإننا معشر المنتسبين إلى الخلق الفنى خصوصا وإلى الثقافة عموما لنهتز فعلا لمثل ذلك الحدث إذ يترك فى صفوفنا فراغا . وهذا هو الإحساس التى انتابنا عندما حملت إلينا الانباء نبأ وفاة الشاعر الانكليزى الكبير توماس ستيرمس إليوت . لقد انطفأت إذن فى مستهل العام الجديد انفاس شاعر طالما بعثت الدفء في هيكل الادب العالمي في فترة كاد يتجمد فيها لدى هبوب ريح العصر الباردة برود المرمر والحديد وبرود موت القيم
مات اليوت فى السادسة والسبعين من عمره . ولكن سواء مات الشاعر فى عنفوان الشباب أو فى الشيخوخة فإن حياته قصيرة دائما وهل تطول حياة من يبحث عن الازل ؟
سكت اليوت بعدما سيطر على حركة الشعر الانكل سكسونى طوال نصف قرن . وما اتسم به شعره من شمول لقضايا الإنسان المعاصر وما انعكس فيه من أضواء على المصير جعل الشاعر يحتل مكانته كشاعر عالمى وقد نال عدة مكافات فى بلاده وفى آلمانيا وفى إيطاليا وفاز بالخصوص بجائزة نوبل سنة 1948 . ولكن الانسان فيه كان فى مستوى الشاعر فكل هذه المكافآت المتقاطرة عليه من كل مكان لم تغير تماما من حياته المتواضعة المنطوية التى احتفظت باحتشامها وآسر ارها . والرجل العظيم بحق هو من لا يسكره المجد إلى درجة فقدان الاتزان والعقل
وعلاوة عن انتاجه الشعرى ، وبحوثه الادبية اهتم إليوت بالمسرح وكتب له مسرحيته الخالدة جريمة قتل فى الكاتدرائية ، وقد حملها
بعميق القيم الإنسانية وأعطى فيها صورة مثيرة بليغة للصراع بين قوى الخسر وقوى الشر . والمعلوم أن المسرحية تروى مقتل الاسقف توماس ببكيت في القرن الثاني عشر لعدم تواطئه مع مناورات الحكم فى بريطانيا إذ ذاك . لقد حصل اليوت على ثقافة جامعية متينة وتأثر بأكبر شعراء أمريكا وأوروبا ، إزراباوند ، وايلد ، دانونزيو ، "لا فورق" مالارميه ، و فاليرى . هذا إلى جانب تأثره بالكلاسيكية ثم بالرمزية قبل أن يشق طريقه ويجدد اللغة الشعرية طبقا لمذهبه الخاص .
ولقد ظهر إليوت أول ما ظهر لجمهور القراء بمجموعة شعرية صدرت بعنوان " بروبوك " وقد لفت نظر الجمهور إليه بالخصوص قصيده " اغنية حب لا الفريد بروفوك " وقد جمع فيه ببراعة بين التأنق والرمزية ، وفيها كذلك رؤى فلسفية خاطفة تضفى على هذا القصيد والقصائد التى تليه سحرا لا يغالب .
وهذا ما يقوله فى بداية القصيد
لنذهب إذن ، أنا وأنت
عندما يتمدد المساء على السماء
كمريض مبنج فوق مائدة العملية
لتذهب سالكين أنهجا قليلة المارة
خلوات هامسة
لليال ساهرة فى نزل رخيص
والحانات المفروشة نجارة وأصدفا
هذه الانهج التى تلاحق ما يشبه خصاما لا ينتهى
وفى عزمى أن أحتال .
فآخذك إلى مسألة مثيرة .
لا تسلنى ما هى ؟
لتذهب ولنؤد زيارتنا
فى الغرفة نساء يرحن ويغدون
متحدثات عن ميكال انج
الضباب الاصفر الذى يمرغ ظهره بالنوافذ
الضباب الاصفر الذى يمرغ وجهه بالنوافد
يلعق لسانه فى زوايا المساء
ويستمر القصيد على هذا النسق من التصوير والتلحين بطريقة لا
" إن اعصابى متهيجية هذا المساء ، متهيجه ، أبق معى
حدثنى ، ما بألك لا تحدثنى أبدا ؟ تحدث .
فيسم تفكر إذن ؟ فيم تفكر ؟ قل لى
إننى لا أعرف أبدا ما تفكر فيه ، فكر ،
إني أظن أننا فى ممشى الجرذان
حيث فقد الاحياء عظامهم
ما هذا الصخب ؟ إنها الريح خلف الباب
ما هذا الصخب أيضا ؟ ما تفعل الريح
لا شئ ، لا شئ دائما
ذلك هو اليباب صخب الريح تعوى خلف الباب منذرة بالدمار والعدم ، وفى القسم الثالث يتعرض الشاعر للشهوة بعنوان " موعظة النار " وجاء فيها هذا الوصف على لسان تيرسياس راهب ثيبا فى عهد "اوديب "،
أما أنا تيرسياس ، فإنى تألمت مسبقا
من كل ما ينجز فوق هذه الاريكة أو هذا السرير
أنا الذى جلست عند سفح جدران ثيبا
أنا الذى غصت فى أعماق الجحيم
وختاما فإنه يطبع قبلة راعية
وينزل المدرج المظلم يجسه بيديه
أما هى فإنها تنظر وجهها فى المرآة
وتكاد لا تذكر الخليل الراحل
" لقد انتهى الامر ، وليس يغضبني ذلك ،
عندما تسقط المرأة الحسناء في زلة
وتبقى وحيدة ، تتمشى فى الغرفة
مسوية شعرها بحركة آلية
ثم تضع اسطوانة فى جهازها ،
" هذه الموسيقى تزحلقنى فوق المياه "
إن الماء فى قصيدة الارض اليباب " يمثل الحياة وبعثها فى الحقول التى تشكو الجدب والعقم ، ولكن الإنسان الذى اهتدى إلى إدراك هذه الحقيقة أخطأ السبيل نحو الماء فإذا به يموت بالماء .
فليباس Phlebas الفينيقى مات منذ اسبوعين
نسى صوت طيور الماء وامتداد البحر العميق
والربح والخسارة
تحت البحر تيار استل عظامه فى همس
ولما طفا وانحدر
مر بأطوار عمره وشبابه
واحتوته الدوامة
ايهذا الذى يدير الدولاب وتنظر صوب الريح
اعتبر فليباس الذى كان وسيما وطويلا مثلك
ويشير إليوت في هذا المقطع إلى أن الفينيقى وهو يرمز إلى التجارة يغرق فى البحر وليس يغنى عنه ماله ولا الجبه أو الحنينه ، لان حياته كانت قائمة على الربح والخيارة وهكذا يدعو الشاعرا إلى الاعتبار بهذه الماساة حتى يحول الناس اتجاههم ويتبينوا القيم الحقيقية فموت الفينيقى فى الماء يعنى أن مصدر الحياة والبعث هذا لا يمنحنا النجاة ولا الخلاص ما لم تغير من نظرتنا للحياة . ويختتم قصيد الارض اليباب ، بقسمه الخامس وهو بعنوان ماذا قال الرعدء وفيه يواصل الإنسان جر ظمثه بحثا عن الماء
بعد لهب المشاعل فوق الاوجه المتصبة عرقا
بعد تجمد الصمت فى الحدائق
بعد الاحتضار فى البقاع الكثيرة الحصى
بعد الصراخ والجلبة
بعد السجن والقصر ،
بعد صدى رعد الربيع بعيدا فوق الجبال
هو الذى كان حيا ، هو ذا ميت
نحن الذين كنا أحياء ها نحن سنموت
بقليل من الصبر .
هنا ليس ثمة ماء لا شئ سوى الصخر
صخر ولا ماء ، وطريق رملية
الطريق الملتوية بين الجبال
جبال صخر بلا ماء
لو كان ثمة ماء كنا حططنا الرحال وشربنا
وفي هذا المقطوع الخامس الذى يربو وحده عن المائة بيت يبدع أليوت في تصوير اليباب وتجسيم الوحشة ونهاية الإنسان الفاجعة . ولقد أراد بعض النقاد أن يستخلص من هذا القصيد سحب ثقة الشاعر من الانسان وان التشاؤم الذى يسر بله بجلباب نهائى حاسم والحقيقة ان البوت ، ما أعطانا هذه الصورة الا ليوقظ الضمير الانسانى حتى يراج مواقفه من الحياة ويعمل على بعث جديد ، اساسه الحقيقة والصدق والتضامن
لقد كان أليوت شاعرا مفكرا وقد استطاع أن يعبر عن أعمق النظريات فى لغة ليس فيها تحذلق او إبهام إذ كان من رايه الا يبتعد الشعر عن لغتنا اليومية ويرى أيضا أن كل ثورة شعرية من شأنها أن تقريبا من اللغة المشتركة وهكذا صاغ شعره فى سهولة المحادثة وفي دفئها ومرونتها متحدثا عن المنزلة البشرية فكان قريبا منا شكلا ومضمونا
