1 - بسطه عامة حول الموضوع
موضوع صعب :
ان الرسالة التى أناطها بعهدتى المجمع الوطنى للغات تفوق قواى بكثير . وانا ان كنت قبلت مع الشكر والامتنان هذا الشرف الكبير وهذا العمل الشاق فذلك لان الصعوبات فى هذا المضمار لا يمكن ان تعزى فقط الى ما فى الدارس من التقصير بل هى مع الاسف صعوبات متصلة متين الصلة بالمادة نفسها . وان كان من الطبيعى ان يتحسس المرء سبيله وهو يتهادى فى سراديب الماضى فان ليل القرون الخوالى ليس هو العقبة الوحيدة التى تحول دون نور الحقيقة . فان هذه الظلمة قد اصبحت كثيفة كما سنرى تحت تأثير عدد كبير من الظواهر والعوامل ، ثم ان النور الذى يقود خطانا ما يزال ضئيلا خافتا .
ويجب على المرء - كى يتبين الامور هنا تبينا نسبيا - ان يجمع على الاقل بين اختصاصين مزدوجين يصعب جمعهما صعوبة كبيرة فى عصر كعصرنا هذا المتميز بالغلو فى التخصص والاقبال عليه اقبالا جنونيا . فيجب على الدارس ان يكون ملما فى نفس الوقت باللغة والثقافة العربية من جهة وباللغة والثقافة " الرومانية " من جهة أخرى . هذا بالاضافة الى اختصاص ثالث يحسن الالمام به ايضا وهو العلم الجيد بالالحان الموسيقية ومعرفة اساليبها الفنية والتطور التاريخي للالحان والاغاني فى العصور القديمة ، لان وثوق الصلة بين الموسيقى والشعر فى القرون الوسطى أمر لا يمكن نسيانه البتة .
تقدم النظريات " العربية "
ولا يمكن لى بالمرة ان البى هذه المتطلبات المشروطة فى الدارس اذ لا استطيع سوى تقديم خبرة مستعرب بسيطة تقترن بشىء من الألفة بمواضيع الادب المقارن فى العصر الوسيط .
لقد بدأت حياتي العلمية فى ظل العالمين الاسبانيين الكبيرين : ( ريبيرا ) و ( آسين ) وهما من ابرز زعماء هذه الدراسات ومن اقدر الناس على خوض ميادين الخصومات الصاخبة التى ثارت حول هذه المواضيع . وقد شهدت عددا من هذ المعارك وانا ما ازال شابا حدثا . ولذلك فانه بامكانى ان أقيس اليوم التقدم الذي حصل في هذه السنين الثلاثين الاخيرة بفضل دراسات لا تحد شائك صعوباتها من الشغف بها والاقبال عليها . فمن كان يقدر سنة 1919 ان يتكهن ان نظرية ( آسين ) الشهيرة عن التأثيرات الاسلامية فى كتاب " الملهاة الالهية (Divine Corede) ستبلغ سنة 1948 حدودها التى لا يمكن ان تتعداها ، بينما تجد في نفس الوقت التأييد والاثبات الكاملين والاسس اليقينية الصحيحة التى امدتها بها الدراسة الجليلة التى قام بها انريكو شرولى Enrico Cerulli)) حول " كتاب المعراج " ؟ ومن كان يستطيع ان يفترض ان كتابا مثل كتاب "اسبانيا في تاريخها " لأميريكو كاسترو (Americo Castro) سيبرز فى اوساط العلماء الاسبان المختصن بالعهد الوسيط ، تلك الاوساط المعروفة منذ ما لا يزيد على الثلاثين سنة بعدائها وردها لكل ما يشتم منة رائحة التأثير العربى؟ هذا يقطع النظر عن سائر الحصاد الخصب الحاصل فى مروج حمتها الاقدار من الاضطراب ومنعتها من عواصف المجادلات والخصومات.
وفي الحقيقة فانى لا أدعى اننا ادركنا النصر النهائى ، ولست أدعى ان " النظريات العربية " - والعلماء يطلقون عليها هذا الاسم - قد فقدت خصومها الاشداء الالداء . غير اني اريد ان اشير فقط الى انها قد جلبت اليها من المؤيدين عددا كبير ، مما قد يجعلنا نميل أحيانا الى قلب معطيات الموضوع . فنسائل انفسنا كما اشرت الي ذلك منذ حين - لا عن امكانية وجود روابط ثقافيا مضوطة في العصر الوسيط بين الحضارة الاروبية والحضارة الاسلامية ) فشرح السبب في ذلك بسيط ( بل عن كيفية انفصام هذه الروابط انفصاما مقصودا وبسبب نية مبيتة فى تناسي الماضى وتجاهله من طرف الفكر الاسبانى ويستحق هذا المشكل - الذى يكتسى اهمية بالغة بالنسبة للثقافة الاسبانية . دراسة عميقة .
المقارنة وميدان الشعر
ومن بين مبادئ الخصومات التى اشرنا اليها فان ميدان الخصومات حول الشعر هو الاخطر والاعسر بدون شك ، ولقد اكد القرن الثامن عشر ذو النزعة المحبة للعرب النظرية التى تؤيد تأثير الشعر الغنائى الاسلامى فى شعر اوروبا فى القرون الوسط . ثم جاءت الابداعية فاطنبت فى هذه النظرية واشادت بها الزيادة مهمة . غير ان هذه النظرية ما لبثت ان تعرضت لانكار وجحد عنيدين. وقد كاد علم فقه اللغة الموضوعي ان يستأصل جذورها فلا تبقى منها الاثار لا تكاد تدرك .
ثم عاد الناس فى مطلع قرننا الحاضر الى اكتشاف هذه النظرية من جديد, ولم تزل قوتها الاقناعية تتزايد يوما بعد يوم . ولو سمح لى باستعمال استعارة عصرية فيها شىء من الجسارة فانى اقول ان الدراسات التى تبحث عن هذا التأثير قد اضطرت الى ثقب طبقات الزمن المتراكمة والنفاذ منها شأنها فى ذلك شأن تلك الآلات الثاقبة التى تنفذ اليوم الى اعماق الارض بحثا عن النفط. ذلك ان المعادن المطلوبة مقبورة فى اعمق اعماق التاريخ.
حول ميدان الشعر العربي الكلاسيكى :
يبدو فى الظاهر ان الغنيمة الحاصلة ضعيفة هزيلة . فليس للشعر العربى الكلاسيكى من مواطن الاتصال بالشعر الغنائى " الرومانى " فى اوروبا الا القليل النادر ولم تسفر البحوث فى هذا الميدان الا عن نتائج سلبية . غير ان هذا الاستكشاف - وان كان سطحيا - قد مكن من ادراك بعض الادلة المشجعة ( كالاتفاق فى بعض المواضيع وفى بعض العبارات وفى بعض الاشخاص والاشكال المصطلح عليها والتى تدور حول العشق والعشاق ) وبعث الاعتقاد بان الحب عند العرب لم يكن حبا شهوانيا فحسب . واعتقد انه لا يوجد اليوم من ينكر وجود نوع من الحب فى الشعر العربى قريب جدا مما اطلقنا عليه نحن اسم " الحب الظريف " ( Courtois ) او حتى مما نسميه اصطلاحا " الحب الافلاطوني " ثم علينا ان لا ننسى ان جزءا هاما من هذا الشعر العربي الكلاسيكي قد دخل فى الشعر الذى اتى من بعد فى شكل موشحات .
حول ميدان شعر الموشحات : نظرية ( دون خوليان ريبيرا ) :
ولقد قام استاذى ( ريبيرا ) فى محاضرته الشهيرة التى القاها سنة 1912 حول ابن قزمان ، بمحاولة بعيدة المدى فى سبر هذا الغور . فلقد كان العالم الالماني ( هارتمان ) تعرض لدراسة الموشح سنة 1897 ، غير ان دراسته لم تكد تتجاوز الناحية الوصفية ، وقد درس ) ريبيرا ( التطور التاريخي للموشح والزجل دراسة ادته الى ان يفترض ان هذين الفنين الشعريين قد نشأ فى الاندلسر تقليدا لشعر غنائى " رومانى " وجد قبلهما ، وان الموشح والزجل اثرا بدورهما تأثيرا عظيما فى الشعر الغنائى البروفانصالى الذى كان يتغناه ( التروبادور ) وفى شعر اوروبا بصفة عامة . ويرى ( ريبيرا ) ان " مفتاح لغز " الشعر الغنائى فى العصور الوسطى باجمعه انما يوجد فى ديوان ابن قزمان.
وما من شك فى ان نظرية العالم الاسبانى الكبير فيها ما فيها من المبالغات والاخطاء ، وانها قد ادت الى زيغ ظاهر فى البحوث اذ انها قصرت النظر على الزجل وعلى ما سمى بالفقرة الزجلية ، بقطع النظر عما سوى ذلك . غير ان هذا الحدس - الذى سنعود الى الحديث عنه فيما بعد - كان حدسا عبقريا .
وقد اثارت هذه النظرية فى الحال ضجة كبرى وموجة من المجادلات العنيفة نمكنت فيها والنظرية العربية " من قطع اشواط كبيرة واكتساب انصار عديدين على انها تطورت بصفة ملحوظة فى نفس الوقت وما يزال لهذه " النظرية العربية " خصوم عديدون غير ان انصارها اكثر عددا وهم يرون ان الفقرة الزجلية قد عرفت فيما مضى انتشارا واسعا فى كامل اوروبا .
ولن اذكر من العلماء المختصين هنا سوى اثنين هما : مينندز بيدال ( Mendez Pidal ) فى تحريرية ( الشعر العربى والشعر الاوروبى) وقد قام بالتحرير الاول سنة 1938 - والعالم الثاني هو أ - ر - نيكل الذي لخص ابحاثه او كاد فى كتابه ) الشعر الاندلسى وصلاته بشعر التروبادور البروفانصاليين القديم - 1946 )
وليس من المفيد - ولا من الممكن - ان نتعرض هنا بالتحليل للفروق الجزئية الدقيقة التى تفوق الحصر وللتعديلات والتخفيفات المتوالية التى ادخلت على نظرية ريبيرا . وليكف القول بان عددا من اتباعه ان هم يقبلون فى الجملة خلاصة بحوثه فهم يشكون فى وجود شعر غنائى " رومانى " سبق الموشحات والزجل الاندلسي . بل هم يرون ان نماذج فارسية او عربية كالدوبيت والتسميط مثلا - كانت هى الباعث الاول لابتكار الاندلسيين الموشح والزجل.
اكتشاف الخرجات " الرومانية "
وفي سنة 1948 حدثت عملية سبر اخرى غير منتظرة فكانت اعمق مما سبقها في هذا الميدان واصابت معدنا من اخصب المعادن واثراها . فقد نشر فى هذه السنة بمحلة " الاندلس " التى سهرت على ادارتها منذ تأسيسها - مقال للاستاذ س . م . ستارن حول موضوع : الاببيات الختامية باللغة الاسبانية فى الموشحات الاندلسية العبرية . ويجب ان اشير هنا الى حدث مهم - اذ ان للجديد الساطع نورا قد يعشى الابصار - وهو ان مدير المجلة لم يدرك اول الامر ما لهذا الاكتشاف العظيم من اهمية ادية ، ولا تفطن الى ذلك الاستاذ " رامون مينند سدال الذى وقعت استشارته بطلب من ستارن قبل نشر المقال . فقد قصرنا اهتمامنا اذ ذاك على المظهر اللغوي المحض لهذه الدراسة . وقد كان اول من ارسل صرخة الانذار هو بدون شك الاستاذ " دامازو الونزو " فى مقالة : ( اغانى العشاق الاسيان المستعربين : غرة ربيع الشعر الغنائى الاوروبى ) الذي نشر بمحلة فقه اللغة الاسبانية ( سنة 1949 )
فكان من المتأكد القيام ببحث اولى لمعرفة هل ان الخرجات ( وهذا الاسم الاصطلاح يطلق على الابيات الاسبانية التى ترد كخواتم للموشحات ( مقصورة على الشعراء اليهود .
لكن محاولة حصر هذه الميزة فى الشعراء اليهود فحسب سرعان ما اتضح انها واهمة فقد حدثت صدفة عجيبة سمحت بالبعثور على ينبوع ثرى فى قطاع عربى
وكان ستارن قد اشار منذ سنة 1949 الى وجود خرجة " رومانية " ضمن موشح عربى ( 1 ) وقد تمكنت شخصيا سنة 1952 بفضل سماحة زميلي العالم الاستاذ كولان ، من الاطلاع على مجموعة من الموشحات فى مخطوطة يملكها يرجع عهدها الى القرن الرابع عشر . فنشرت اذ ذاك مقالة بعنوان : " اربع وعشرون خرجة رومانية فى موشحات عربية " ، ( 2 ) ثم : نشرت دراسة اخرى حول نصوص جديدة ، ( 3 ) ولم يقتصر الامر على ذلك ، بل اننا تمكنا من الرجوع الى مجموعة موشحات لسان الدين ابن الخطيب المسماة بجيش التوشيح ، في ثلاث مخطوطات تونسية ، وهذه المجموعة تحتوى على خرجات " رومانية " عديدة . ومجمل القول اننا قد اطلعنا الى حد الآن على ما يقارب الخمسين من هذه الخرجات ، وقد اثبت ستارن مجموعة مؤقتة لهذه النصوص - مع بعض التنقيحات والزيادات - واستطاع ان يوضح جزءا ضئيلا من معانيها ( الاغاني المستعربة . بالرمو 1953 )
ولست املك الآن من الزمن ولا من المكان ما يسمح لى بالخوص فى المشاكل اللغوية والأدبية المتعددة التى يثيرها اكتشاف الخرجات " الرومانية " ضمن الموشحات الاسبانية والعربية واليهودية . فلنكتف بالاشارة الى اللازم الاهم.
فاننا قد وصلنا على الارجح الى الظفر بسر الموشح : وهو ان العنصر الجوهرى فيه هو الخرجة . وقد فقدت " المقطوعة الزجلية " - اى التركيب العام للقصيد - من اهميتها فى نظرنا . وفد اصبح الزجل عندنا فى المقام الثاني بينما احتلت الخرجات المكانة الاولى واحتكرت اهتمامنا .
وتكتسى الخرجات الرومانية التى وقع اكتشافها اهمية بالغة بالنسبة الى فقه اللغة والى معرفة تطور الاغراض الشعرية فى الادب الاسبانى فى عصوره الاولى وهى تطرح الى ذلك مشكلين اساسيين : 1 ) هل تمثل هذه الخرجات الشعر الغنائى " الرومانى " الذى سبق الموشحات ، وهو الشعر الذى افترض وجوده ريبيرا افتراضا نظريا محضا ؟ - 2 ) اذا كانت هذه الخرجات تمثل كما يمكن ان نفترض نماذج من اقدم ما نعرف من الشعر الغنائى الشعبى بأوروبا ، فما هى الصلات التى تربطها تاريخيا وادبيا بالشعر الغنائى الاوروبى؟
تصميم هذا البحث :
لست ادعى حل هذه المشاكل العويصة - فمثل هذا الادعاء ضرب من الخطل
وسوف اسكت عن عدد عديد من الجزئيات - يعرفها الاخصائيون - كنت اضطر الى ذكرها لو كنت اخاطب اناسا لم يسبق لهم ان سمعوا بفن الموشح.
ولذ فاني ساقصر البحث على بعض النقط الرئيسية : فاعرض أول الامر وبصورة موجزة اصل الموشح وتطوره فى رأيى . ثم انتقل بعد ذلك الى تحليل بعض الخاصات الفنية التى من شأنها تبرير الافتراض التالى الذى ارجحه : وهو انه يمكن اعتبار الخرجات " الرومانية " بقايا من الشعر باللغة الرومانية الذى سبق ظهور الموشحات ، ذلك الشعر الذي تفطن ريبيرا الى وجوده حدسا ، تخمينا . وقد وصلتنا هذه البقايا بحكم اتفاق خارق عجيب.
وسوف اختر هذا العمل بالحدث عن البعض من الابحاث التى اقوم بها الآن وهذه الاشغال المقصورة على الادب الاسبانى ، يمكن ان تكون اساسا فى رأيى, لاستكشاف يكون اشد تعمقا من المحاولات السابقة ، فى سبيل العثور على الوحدة والتكافل الحقيقيين بين الشعر الغنائى العربى والشعر الغنائى ذى النزعة الاسبانية خلال العصر الوسيط.
2 - تطور الموشح : الخرجة
شعران يتعايشان ويعرض كل منهما عن الاخر:
ان غزو الحيوش العربية لقسم كبير من شبه الجزيرة الاسبانية - او بالاحرى احتلالها لها - قد تم في ظروف لا تزال غامضة عندنا غموضا كبيرا . غير انه يظهر حليا بعد خضوع البلاد لسلطان " المحتل " وبقطع النظر عن التقارب الناتج عن التزاوج من جهة وعن اعتناق المغلوبين دين الغزاة الفاتحين من جهة اخرى ان نواة متصلية قد بقيت داخل كل من الشعبين تعيش طويلا فى انقطاع تام عن الشعب الآخر .
فقد كان العرب يحبون العيش حسب طريقتهم وفيما بينهم . فى حين استمرت جماهير السكان الاصليين تعيش كما الفت العيش ، فيما بينها . ولا شك ان فاصلا مماثلا قد قام بين التقاليد الادبية لكل من المجموعتين . فعاشر الشعر ان طيلة ما يقرب من قرنين ، متجاورين معرضين بعضهما عن بعض . وحافظ العرب على شعرهم الذى كان صدى باهتا ولقاحا ذابلا من الشرق ، اما السكان الاصل من سواء كانوا من المستعرب او من حديثي العهد باعتناق الاسلام ، فقد استمروا ينهون من ينابع تقاليدهم الادبية الاصيلة . وهذا التعايش ليس من دار الافتراض والوهم . فقد امكنني الحصول على نص - انا مدين به للطف الاستاذ حسن حسني عبد الوهاب كتبه التيفاشى فى القرن الثالث عشر وهم بشير إلى هذا الامر بصورة لا لبس فيها . فهذا التيفاشى يؤكد - مرددا قولا
لابن سعيد يعتمد فيه شهادات تعود الى ما قبله بعدة اجيال - " ان اهل الاندلس فى القديم كان غناؤهم اما بطريقة النصارى او بطريقة حداة العرب "
الشعر " بطريقة النصارى " :
فما هو الشكل الذى يكتسيه هذا الشعر " بطريقة النصارى " لقد كان هذا الشعر فى رأيى - وانا اعتبر الخرجات " الرومانية " امتدادا حبا له ، واعتمد هذا الافتراض كقاعدة عملية - يهوى المقطوعات المتناهية القصر ، وهي نزعة سوف تحتفظ بها الخرجات . فكان هذا الشعر يظهر فى مظهر مقطوعات " الكانثيونيلاس " وهى تقع فى بيتين او ثلاثة ابيات او اربعة لا غير ، وتكتسى طابعا شعبيا وصبغة شعرية غنائية . وهذا القصر ليس غريبا عندنا . فان الشعر الشعبى فى جميع المقاطعات الاسبانية يميل اليوم الى منحى مقطوعات " الكوبلا " القصيرة - وقد كان فى القديم يتمثل فى مقطوعات " الفيلانثيكوس "
ولنذكر على سبيل المثال ان شعوبا اخرى قد تبنت صيغا شعرية ذات تراكيب فى مثل هذا الايجاز والقصر : فقد عرف اليابان مثلا " الشعر القصير " او " الطنكا " المتركب من 31 مقطعا فى خمسة اسطر متناوبة كما يلى : ( 7،5،5 ,7) و " الحايكاى " المتركبة منقطعا كما يلى : ( 5،7،5 ) .
فمن المحتمل اذن ان هذا الضرب من الشعر لم يبق مقصورا على اسبانيا . فان لم تعرفه بلاد ( Romania ) كلها فلقد عرفه على كل حال جزء منها . وليس لنا فى الحقيقة - مما يشير الى وجود هذا الامتداد شهادات اقدم من الخرجات الاولى التى وصلت الينا . غير انه يمكننا على كل حال ان نلاحظ شبها طالما سمعنا به بين هذه الخرجات وبين الترجيعات الشعرية ( Refrains ) الفرنسية ، كما يمكننا ان نفترض ان مختلف البلاد " الرومانية " كانت تتبادل اخفى جواهر معينها وادقها بطريقة التماص الكيانى . فلقد وجدت شخصيا في بعض الخرجات التى توصلت الى حل الغازها جزئيات لغوية تحمل فى رأيى تأثيرا " بروفنساليا " . ومع هذا فنحن نعود الى موضوعنا الاصلي فنقول ان هذا الشعر قد عاش فيما يبدو فى اعراض تام عن القصيدة الكلاسيكية الآتية من الشرق وعما كان ينسج على منوالها فى الاندلس من القصائد.
ابتكار الموشح : الظروف التاريخية:
فى اواخر القرن التاسع الميلادى الذى كان حافلا بالفتن السياسية والمذهبية - مما يدل على ما كان يحف بعلاقات الجنسين المتعايشين من قلق وحيرة مستمرة - ظهرت بوادر حركة ادماج واسعة قد تكون نشأت عن يأس وسآمة او عن اقتناع بوجوب تعاون وتفاهم مشترك بين الجنسين ، وقد تزعم هذه الحركة الاسرة الاموية المالكة التى بلغت اوج عظمتها مدة قيام خلافتها بالاندلس . ويمكن ان نفترض
ان الادب لم يتخلف هو ايضا عن هذه السبيل الجديدة . وفعلا فان كل النصوص تشير الى ان الموشح قد ظهر فى هذه الفترة ، وهى مدة آخر امارة عبد الله ومطلع خلافة عبد الرحمان الثالث . وقد ابتكره شاعر من قبرة يدعى احيانا محمد بن محمود او مقدم بن معافى . وفى هذه النقطة يتفق التاريخ مع الادب اتفاقا كاملا.
نصوص يجب الرجوع اليها :
فم يتمثل هذا الابتكار ؟ فلنطرح النصوص الثانوية جانبا ولنقصر اهتمامنا على نصوص اساسية ثلاثة: 1 ) نص ابن بسام ، من كتاب القرن 6 ه ، / 12 م ، فى كتاب الذخيرة ( ط ، القاهرة ، 1-2 ص 1 ) 2 ) ثم الكتاب النظرى الوحيد ( فيما نعلم ) عن فن الموشح ، اعني دار الطراز لابن سناء الملك المصرى الذى كان يعيش فى اواخر القرن ? 12 م . 3 ) واخيرا الفصل الشهير الذى ختم به ابن خلدون مقدمته ، وقد نقل ابن خلدون هذا الفصل دون اى احتشام عن كتاب المقتطف لابن سعيد ، كما بين ذلك الاهوانى ( 1 )
نص ابن بسام :
يقول ابن بسام متحدثا عن شاعر قبرة : " وكان يصنعها على اشطار ، غير ان اكثرها على الاعاريض المهملة غير المستعملة يأخذ اللفظ العامي والعجمي فيسميه المركز ويضع عليه الموشحة " ومن المستحيل ان يكون ريبيرا قد فهم هذا النص بالتدقيق ، اذ لم تكن نعرف من الموشحات الا عددا يسيرا ولم نكن قد ظفرنا بعد بأية خرجة رومانية ، نعم انه قد استطاع بحدسه المتيقظ ان يدرك امكانية وجود شعر غنائى " رومانى" سابق للموشح ، كان علينا ان نبحث عن بقاياه وآثاره . غير ان طبيعة المواد التى كانت بيده اذ ذاك كان من شأنها ان تقود خطاه بصفة حتمية نحو ابن قزمان الذي كان بكثر من استعمال الالفاظ " الرومانية " ونحو الزجل ، رغم انه فن متفرع عن الموشيح ومتأخر عنه . وكان مندفعا فى هذه السبيل دون سواها فقصر كاما اهتمامه على التركيب العام للقصيد وعلى " الفقرة الزجلية " ، معرضا طبعا عن الخرجة . ونحن لن نقف فى هذا البحث عند النتائج التى اسفر عنها تركيز الاستاذ تفكيره حول هذا المحور.
دور الخرجة الاساسى : نص ابن سناء الملك :
نعم لقد كان من اللازم ان نستعين بالخرجات الرومانية التى اسعفنا الحظ باكتشافها حتى نلقى بعض النور على المعلومات التى قدمها لنا ابن بسام ونفهمها على حقيقتها . وذلك لسبب بسيط كل البساطة : اذ ان ما يسميه ابن بسام بالمركز ليس شيئا آخر سوى الخرجة . ونحن نرى الترادف المطلق بين الكلمتين فى عدة نصوص من كتاب ابن قزمان ( طبعة نيكل ، ص 40 و 121 و 125 ) . وهذا ابن سناء الملك من جهته يمدنا بكل الجزئيات المرجوة عن دور الخرجة او المركز.
ومن البين ان الرجوع الى هذا الكتاب يجب ان يكون فى كامل الحذر والانتباه: فهو اجنبى عن الاندلس لم تطأ قدماه ارضها قط ، وقد الف كتابه فى فترة متأخرة نسبيا ، وهو الى ذلك يهمل تطور هذا الفن ، الذى لا يهمه منه سوى اوزانه الشعرية وشيوعه بين الناس ، اذ هو لا يكاد يلتفت الى التطور التدريجى في التاريخ . غير ان المعلومات التى يقدمها الينا ثمينة ، فهو يقول :
1 ) " والخرجة عبارة عن القفل الاخير من الموشح "
2 ) " والمشروع بل المفروض فى الخرجة ان يجعل الخروج اليها وثبا واستطرادا وقولا مستعارا على بعض الالسنة ، اما السنة الناطق او الصامت او على الاغراض المختلفة الاجناس ( . . . ) ولا بد فى البيت الذى قبل الخرجة من قال او قلت او قالت ، او غنى او غنيت او غنت "
3) والشرط فيها ان تكون حجاجية من قبل السخف ، قزمانية من قبل اللحن ، حارة محرقة حادة منضجة ، من الفاظ العامة ولغات الداصة ( ... ) وقد تكون الخرجة اعجمية اللفظ بشرط ان يكون لفظها ايضا فى العجمي سفسافا نفطيا ورماديا زطيا . "
4 ) " والخرجة هى ابرز الموشح وملحه وسكره ومسكه وعنبره . وهى العاقبة وينبغى ان تكون حميدة والخاتمة بل السابقة وان كانت الاخيرة . وقولى السابقة لانها التى ينبغى ان يسبق الخاطر اليها ويعملها من ينظم الموشح فى الاول وقبل ان يتقيد بوزن او قافية (...) وبنى عليه الموشح لانه قد وجد الاساس وامسك الذنب ونصب عليه الرأس . "
5 ) وفى المتأخرين من يعجز عن الخرجة فيستعير خرجة غيره . وهو اصوب رأيا ممن لا يوفق فى خرجته بان يعربها ويتعاقل ، ولا يلحن فيتخافف بل يتثاقل . " ( 1 )
وهذه القواعد التى ذكرناها تصور طبعا تقاليد قديمة ، ونحن ، إذا ما
ارجعناها الى اطارها التاريخي المتطور الذى اهمله ابن سناء الملك ، يحق لنا ان ترى - وذلك قبل التعرض الى بسط بعض الملاحظات المؤيدة لرأينا - اننا لا نجازف إذا وحدنا في هذه القواعد تأيدا كاملا لما كان لاحظه ابن بسام : وهو ان الموشح لم يكن في الاصل سوى اطار جعل للاحاطة بخرجة رومانية كانت تؤخذ كما هي من التراث الشعرى للشعوب " الرومانية " المغلوبة على امرها .
الموشح خليط:
ويبدو لنا الموشح آخر الامر فنا خليطا واتفاقا وسطا بين الشعر العربى والشعر " الروماني " الذين وصلا الى الاتحاد من جهة وبين انتاج الطبقة الخاصة وفن شعبى مزدهر من جهة اخرى. ولكى نقرب هذه الامور الى الاذهان فانه يمكن الاشارة الى " الغلوزاس " (Glosas) والى " اللتريلاس " (Letrilles) المنظومة على قوالب " الفيلانثيكوس " Villancicos)) الشعبية القديمة التى تغص بها " الكانثيونيروس " Cancioneros) ( التى نملكها وآثار احسن كتابنا الكلاسيكيين ، بل يمكن الرجوع الى امثلة اكثر قربا منا اى الى هذه الاغاني الاسبانية الكثيرة الشبوع بيننا اليوم والتى تستعمل فيها " كوبلا " (Copla) مشهورة حدا كترجيعة لبعض المقطوعات او لقصص قصيرة مؤلفة من بعض الشعراء المعاصرين . فنحن نقول اذن ان الموشح هو انتاج ادباء شعبيين ( فلكلوريين ) سابقين لأوانهم ، صنعوا فى مهارة فائقة هذا المزيج العسير المنال ينصهر فيه الجناسان ، وقد كانوا بدون شك عربا ارستقراطيين صميمين لكنهم كانوا ) ايضا من هواة الانتاج الشعبى ومن محبى تلك النزعة " السوقية " - وليس في هذه الكلمة اى تحقيق - وهى النزعة التى ما انفكت تمثل عنصرا من العناصر القارة فى الثقافة الاسبانية.
وليس من الغريب عندنا ان تتمازج اللغتان العربية والرومانية ، فنحن نعلم اليوم العلم ان ازدواج لغة التخاطب كان امرا عاديا بالاندلس ، انما نحن نعجب بعض الشي لتمازح الادبين . وانه لما يدعو الى الحيرة حقا ان نرى الشعر العربي الكلاسيكي يضع نفسه فى خدمة شعر " رومانى " شعبى . وقد لابن تباذ ما سننيون - بما عهدناه فيه من دقة نظر - الانقلاب الذى حدث فى الصناعة الشعرية نفسها من حيث الشكل : " اذ كان الشعر الكلاسى يعمل على ابراز مطلع القصيد - وكانما هو اول نقرة لقوس الكمنجة ( كما نراه عند المتنبى ) - بينما يبرز الموشح آخر بيت فى القصيد - باعتباره قفله اللحن وقمته " ( 1 )
وفضا نظر يتنا هذه انها تزيل التردد وعدم الاستقرار الممل الذى وقعت الاشارة إليه منذ سنوات عديدة . فقد كان الناس يقولون ان الموشح قد وقع
ابتكاره بالاندلس ويقولون فى الوقت نفسه ان للموشح سوابق فى الشرق, يخصون بالذكر منها التسميط الذي يؤدى فى بعض قصائد ابى نواس الى ظهور " شبة موشح " . فما هو فى هذه الحال نصيب " الابتكار " الاندلسى المذكور ؟ و كان ريبيرا يرى للشعر الغنائى الرومانى القديم اثرا فى هيكل القصيد وفى " المقطوعة الزجلية " ، فلم يكن يتسنى له ان يحل هذا التناقض . وبسط هذا المشكل يجب ان يكون فى نظرنا على خلاف هذه الصورة . فالشعر " الرومانى " الذى سبق الموشح لم يترك اثرا الا فى الخرجة . اما هيكل القصيد المركز حول الفقرات والذى يكون اطارا لهذه الخرجة فقد يكون ركب فى أول الامر على اصل عربى محض ونظم على مثال التسميط - بيد انا لا نريد ان نقدم فى هذا الامر اى تأكيد قاطع او اى نفسى بات - وقد نتج هذا القصيد المزدوج الشكل عن توليد بين جنسين انصهرا فى وحدة تامة . وقد لجأ العنصر الاهلي " الروماني" الى الخرجة فى حين احتفظت سائر اجزاء الموشبح باللغة العربية الفصحى. وارى شخصيا ان هذا الضرب الجديد من الشعر قد تخلى عن الاوزان الشعر الكلاسيكية بينما احتفظ بالاعراب ، وانه طرق الموضوعات المبتذلة المتداولة فى الشعر العربى الكلاسيكى طرقا مملأ . ولئن كان اختلاف القوافى وتركيب القصيد فى شكل مقطوعات قد ادخل على هذه القوالب تعبيرا خفيفا وكساها صبغة اقرب الى الفن الغنائى ، فان هذه الفروق الضئيلة سطحية لا تخدع الناظر المتعمق .
تطور الموشح :
نحن لا نعرف اليوم اى موشح من الموشحات الاولى التى قد تكون بدائية ننقصها المهارة ، غير ان ابن بسام وابن سعيد ( فيما نقل عنه ابن خلدون ) يتفقان فى التأكيد بان هذا الفن الشعرى قد تطور بسرعة منذ نشأته ، وانه سرعان ها بلغ استقرارا يكاد يكون كاملا . ولئن كان ابن بسام يشير الى بعض التحسينات التى حصلت فى الموشح ، على مراحل ، خلال القرن العاشر ، فان انعدام الوثائق الراجعة الى ذلك العهد لا يمكن ان يؤدى بنا الا الى افتراضات لا ترتكز على اساس ثابت .
غير انه يمكننا التأكيد اعتمادا على ابن بسام - ان هذا الفن قد بلغ اوج لماله على يد عبادة بن ماء السماء الذى بقى لنا عدد من موشحاته - وقد كان يعيش بين اواخر القرن العاشر ومطلع القرن الحادى عشر ) ميلادى (
ويقدم لنا ابن خلدون بعض المعلومات ( نقلا عن ابن سعيد ) عن تطور الموشح قيما بعد ذلك ، وبإمكاننا الآن ان نراقب هذه المعلومات بفضل المواد الثمينة التى احتوى عليها مخطوط ابن بشرى الغرناطي ( وهو على ملك كولان (Colin) وكتاب " جيش التوشيح " لابن الخطيب . وفى انتظار الفهرست الكامل الذي وعدنا به ستارن فنحن نملك فهرست هارتمان الذي ما يزال صالحا .
شكل الموشح العادى:
لنحاول تلخيص ما قلنا : فالموشح الذي وقع ابتكاره فى اواخر القرن التاسع او فى مطلع القرن العاشر ( ميلادى ) يبدو كامل التكوين بعد ذلك بقرن تقريبا. ومن حسن الحظ ان كنا نملك بعض الاشعار التى ترجع الى ذلك العصر.
والموشح ، فى شكله الاول العادى ، شعر جعل ليكون اطارا يحيط بخرجة " رومانية " هى عقدته ومحور ارتكازه . ويسبق الخرجة خمس او ست فقرات منظومة بالعربية الفصحى تنقيب كل منها الى قسمين : قسم قواقيه مستقلة عن الخرجة وقسم ثان منظوم ومقفى على وزن الخرجة وقافيتها ، تلك الخرجة التى تمثل جزءا مكونا من الفقرة الاخيرة ونجد احيانا فى اول الموشح مطلعا على شاكلة الخرجة ووزنها. والموشح الذي ليس له مطلع يسمى " أقرع "
استمرار الموشح على الشكل العادى:
ونظرا للنزعة المحافظة التى تتميز بها كافة التقاليد الثقافية العربية وخاصة منها التقاليد الادبية فقد امكن لهذا القالب العادى للموشح ان يجتاز قرونا عديدة . ولم ينفك موجودا الى آخر عهد المسلمين فى الاندلس ، محتفظا غالبا بخصائصه الاولى . ثم انا نرى الخرجة نفسها تبرز من جديد فى عصور متقدما من تاريخ الاندلس ، هذا ولئن كان دورها ومعناها يدخلان علينا بعض الحيرة فان شكلها بثير لدينا عددا من المشاكل الثانوية . ولنذكر اخيرا ذلك الامر الذى كنا اشرنا اليه دون استغراب ، وهو ان الموشح لم يكن مجهولا عند اليهود ، وهم المقلدون لكافة الفنون الادبية الشائعة بالاندلس ، والمحافظون ، فى بعض النواحى ، اكثر من العرب انفسهم.
ولم يدخل على هيكل الموشح تغييرات داخلية طارئة ، سوى ما كان فى بعض الحالات الخاصة كان فيها لرغبة التعقيد والتصنع دور اكبر من رغبة التجديد والطرافة ، على انه يجب ان نقرأ حسابا لاثر الخصومات والمساجلات الادبية فى الموشح وما كان يطرأ عليه من ضغط ومد وجزر تصدر عن الفريقين المتقابلين, وتعجز اشد الاوساط محافظة عن وقايته منها .
وقد تحملت الخرجة ، كما سنرى ، عب هذه الخصومات ، وكانت ضحيتها ومن جهة اخرى فقد كان التطور يسرى فى الاندلس العربية : وقد اصبح النساخ والجمهور بل وحتى الشعراء انفسهم لا يفهمون اللغة " الرومانية " من جراء تقهقر الازدواج في اللغة ، فاهملت خرجات عديدة وضاعت : وهذا تاريخ الاندليس يفسر لنا قلة ما وصلنا من هذه الخرجات.
الموشح تحت تأثير النزعة الكلاسيكية : محاولات ارجاع الموشح الى صلب الشعر العربى :
كان اول مصدر لهذا التأثير هو الفريق " العربي " . وكان تأثيرا قويا يعمده الدين ويؤازره لون الثقافة العام ويعززه التطور السياسى الموالى للنزعة العربية القديمة والذى لم يكن يأبه لابقاء جو من التفاهم المشترك . وقد شعرت النزعة الكلاسيكية العربية ، المشتدة يوما بعد يوم ، انها مهددة من طرف هذا الفن الهجين المولد الذى هو الموشح فحاولت طبعا ان تقوم برد الفعل ضد هذا الخطر وذلك بمحاولة ابتلاع هذا الفن الجديد وارجاعه الى صلبها . فاخذ الشعراء ينظمون الخرجة باللغة العربية الفصحى عوضا عن اللغة " الرومانية " ، واخذوا ينظمون الموشحات على اوزان البحور العربية الكلاسيكية . وقد سجل ابن سناء الملك كلا من الامرين - وانا سوف نعود الى الثاني فنحلله - هذا وان " مخمسات " ابن زيدون او ابن زمرك تمثل اقصى ما وصلت اليه هذه العملية فى ارجاع فن الموشح الى صلب الكلاسيكية ، وهى تبرز عودة تكاد تكون كاملة الى " التسميط" القديم وتحررا من نطاق الفقرات الخمس او الست العادية.
الموشح تحت تاثير النزعة الشعبية : ظهور الزجل:
اما التأثير الثاني ، الصادر عن النزعة الشعبية ، فقد كان معاكسا للاول . وكلما توصل هذا التأثير الى فتح ثلمة فانها ما تنفك تتسع شيئا فشيئا, وسرعان ما اصبحت الخرجة تنظم باللغة العامية السوقية عوضا عن اللغة " الرومانية " - وسوف نعود الى هذه النزعة التى تحدث عنها ابن سناء الملك بوضوح - وتصل هذه النزعة الشعبية الى الازدهار فى الزجل ، ونحن لا نعلم بصورة مدققة متى ظهر فن الزجل ، وان كنا نملك ، زيادة على بعض القطع المتفرقة ، ديوانا كاملا ثمينا فى هذا الفن - وهو ديوان ابن قزمان الشهير - وكتابا نظريا شرقيا فى نظم الازجال ( 1 ) ونحن نفترض انه ظهر فى عهد مؤخر اى قبيل مجئ شاعره الكبير الذى اذاع صيته ونشره.
وقد مكننا ستارن بمقاله " دراسات حول ابن قزمان " ( الاندلس - سنة 1951 ) من التمييز جيدا بين الموشح والزجل . ونحن نحيل القارىء الى هذا المقال ولنكتف بالقول ان بعض ازجال ابن قزمان تكاد تكون موشحات وان بعضا منها يختلف عن الموشح اختلافا ملموسا رغم قيام الخرجة فيها بوظيفتها الاصلية. ويمكن القول ختاما وبصورة مجملة ان الزجل يختلف عن الموشح:
2 ( لانه يمكن ان يشتمل على عدد من الفقرات يزيد على عدد فقرات الموشح 3 ( لان الخرجة قد فقدت فيه او كادت تفقد - جميع خصائصها ، ولان اللغة " الرومانية " لا تظهر فى الزجل - ان هى ظهرت - الا فى صورة كلمات منفردة مبعثرة فى الابيات حسب الاتفاق والصدقة. 4 ( لان الزجل كثيرا ما يفقد الصبغة الغنائية ويتبنى اسلوبا قصصيا بينا .
جدول ملخص لتطور الموشح :
مخمسات
موشح ذو وزن عربي كلاسيكي موشح زو خرجة بالعربية الفقصى
محاولة العودة الى الكلاسيكية
الشعر العربي الكلاسيكى. (التسميط) الشعر الغنائى الرومانى
موشخ ذو وزن يعتمد علي المقاطع, وخرجة (رومانية)
-عربي -تقليد عبري
موشح ذو خرجة باللغة العامية النزعة الشعبية الزجل
