الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

الشيخ كاسكه

Share

الحلفاء يطاردون أصبحاب هتلر ويقطعون جموعهم ، وقنابلهم تنساب من جبال " بوهدمة " الصهباء . والأعراب يهاجرون أوكارهم متسترين بظلام الليل أو منسابين فى بطون الأودية حتى اذا أسبخوا وغاصت أقدامهم في نز وملح  يقوى عنده شخير  المصفحات ، فلا تقطعه ، حطوا رحالهم وأوقدوا نارهم  ثم تذاكروا الموت وعددوا ضحايا الحديد والنار وما بدد الغرماء من أملاكهم

وكاد العام ينتهى وهم نازحون ، ولا شئ  يربطهم بالمضرب غير شعور قوى بالضآلة والهزيمة  . وقل الزاد فتسالف القوم الى أجل غير مسمى . ثم غز القوت فراح من مسه الضر ينافق الغالب والمغلوب ، ويقدم البيض والفراخ والضفادع لينال بعضا من خبز وجبن أو فضلات التن والسردين

وكان تصرفهم يضايق " الشيخ كاسكه " الذى لا ينقطع حديثه الا ينوم أو طعام . وحديثه - مع طوله - ممتع لذيذ يميل الرؤوس ويفتح الأفواه . وليس لأحد أن لا يؤيده لأن تعلمه بالجامع الأعظم والتحاقه بالحيش الفرنسي ثم هروبه منه " بكاسكه " ، ومقاومته لشيخ التراب بما يرسله من مكاتيب الى الباى رأسا مما لف الناس حوله يستشيرونه ولا يسقطون له رأيا .

ولقد كان يدهشهم فيه نظرته الى الموت والحياة . هما عنده ضدان يتقاربان . الصدفة أساس كل منهما . ذاك ما وضحته في ذهنه الحروب . ألم ينج من حصد قنبلة لأنه انحنى يشد حذاءه ؟ ورفيقه المسكين ، اين التمار ، ألم يخترق  صدره الدقيق رصاص المانى آلصنع وقد تخلف يصلى ويتمنى على الله أن يميته بين اهله ، فسجد ولم يركع ؟ لو كان يمشى هل كان يموت ؛ يؤكد " الشيخ كاسكه " أن الصلاة سببت موته ويغبطه على ذلك

ويسرد الشخ حوادث أخرى والسامعون يلتذون غاية اللذة بقتل وقت طويل ثقيل انعدمت فيه راحة البال والشاى الأحمر . ثم يؤكد مقسما بالذى لا اله الا هو أن كل من عليها فان ، وأن الشيخ العالم العلامة البحر الهمام سيده " بو عصيده " محق فى ترديده قول الشاعر

واذا لم يكن من الموت بد    فمن العجز ان تموت جبانا

فيحك الواحد جنبيه حكا يكاد ينزع به جلده أو يحرك ساعديه تحريكا سريعا كما يفعل العداء ليضغط على قمل خلاله الجو فى الابط فاكتنز اكتنازا ، وصفا كالبلور فبدا جوفه نقطة حمراء حوت بعضا من حياة الرجل ، دمه الغالي القليل ، ويبتسم للحرمان ابتساما ضئيلا ، وتتزاحم فى ذهنه صور الماضي السعيد ويصفر البعض ويلوح الآخرون بالأيادى

يا حسره على الجبنة . . الشياه هزها وكال الجران .

ويغضب الشيخ فيضرب الارض بالعصا ويصيح

الجبان موش الجبنه يا جهال . يعنى الخواف . كيف الللى هرب من الموت ودخل فى بطن جيفه ، شوى مات من الريحه

فينبرى من الجمع شيخ قد دس فى منخريه من التبغ السوفى نفتين بالسبابة والابهام ، واستنشق بقوة فاستطعم المرارة في حلقه

يعنى انت يا ثيخ كاثكه ما تخافث الموت ؟

فيرد عليه جازما مستخفا بعد أن يمد يده يشاطره الزاد احليل أمك . انت ما تعرفنيش

وتوالت الايام على وتيرة واحدة ، وكاد الفزع ينتهى ، فآب اللاجئون الى أوكار هدمت وبساتين أقفرت ، وضاقت بهم الحياة من جديد ، لولا أمل ساقه الرسل من شمال البلاد حيث المزارع الصفراء لا تحد والناس لا يجوعون ولو اكتفوا بالتقاط ما تركه الحصادون من صغير السنابل

إذا لا بد من الرحيل واستقبال حياة جديدة تملأ فيها البطون بالقمح الصلب اللماع . وانقسم كل من جمعهم الخوف ، واختلفت مشاكلهم . أما " الشيخ كاسكه " فقد بات يحلم بتودد الفلاحين اليه وبملء الغرائر قمحا نقيا دون عمل أو مشقة . فهو سيحافظ على مكانته بين قومه . وسيغرى أرباب المزارع بسرد الوقائع المدهشة . انه سيلج بيوتهم ويسامرهم . وقد تقدم اليه نساؤهم الشاى فعليه أن لا يختلس النظر الا متحذرا ، ان " أولاد عيار " غلاظ شداد ، تثور الدماء فى عروقهم لأتفه الاسباب ، فليس لمرافقيه أن يعيروهم ببيع القطران واذا حدث شىء من ذلك فهو الحكم الحكيم . و سيشرع فى توصية أهله قبل شد الرحال .

وتقدم " الشيخ كاسكه " قافلة تضم ثلاثين بعيرا شدت عليها الحوايا وبعض المتاع ، وانتصبت نساء فوقها كالغربان . أما الكلاب والدجاج فقد شدت على

ظهور الحمير والجحشان . واقترب الجمع من " خنقة البوع " حيث لا مرور الا  مع ، واد يكاد يخنقه  جبلان اسمران . وهو المسلك الوحيد لكل قوة محارية تريد المناعه أو الفرار . لذاك يتجنبه الراجلون ويتحملون صعود الجبال ليجتازوها . أما القوافل فتأخذها مذعورة متحذرة

نادى الشيخ رافعا عصاه فأكد أن الالمان قد زرعوا الالغام في هذه البقعة من الأرض ، وان الموت لكل سالك اقرب من الحياة . ثم أشار على الرفاق أن يترجلوا ويمسكوا بمقاود الجمال وغير الجمال حتى لا يتركوا حيوانا يسير طليقا معهم  فتكون القافلة كالحبل الممدود صفا واحدا لايطأ ظلف ولا قدم خارج المسرب وقد بدا لهم حيا مسلوكا . بدا  كل يتحسس الموت ويراه في كل شبر أمامه فاستحال عنده كل ما شاكل القذيفة قذيفة حتى الحجر وجذور النبات اليابسة ، وخال اجحار الفئران مرصوفة الغاما  وبارودا . واستنجد النسوة بالاولياء وأهل البركة ، ووعدن بذبح الجديان حال توفرها بعد النجاة من هذا الموت الزؤام

لقد سمح الوقت على ضيقه وعسره بتصور المأساة وما بعدها . الاشلاء المبعثرة ، وقد تموت المرأة عارية بعد أن حافظت وتسترت ، فيذكرها الاعداء بما تكره ويحيى موتها ذنوبا طال عهدها . اذاك يكون لهذه الميتة مرر يقبله الاحياء . والاحياء أحب لاستغلال الاموات . ستقول امرأة لاخرى : أماتك الله ميتة " ام السعد " دون شهادة وايقاف اصبع محروقة بنار الرومى  ممزقة بحديده بين جبلين لا ماء ولا مرعى . سيحمر أديم هذه البقعة من الارض بدم قان تلحسه الشمس والذئاب لن يتمكن الاهل النازحون من جمعه وردمه . وقد يمر عليه الاخرون فلا يبسملون ولا يترحمون . خصوصا هؤلاء " المهاذبة "  ألم يسخروا من " قناو " بعد موته عطشا لانه كان شريرا لا يسقي الظمآن إذا استغاثه و " الطبوبى " الذى مات جوعا لأكله الحرام . وليس بينه ، وبين القافلة ميل واحد . فأصبح " شهيلى قناو " و " وحيرة الطبوبى " دعاء مرا . .

كان " الشيخ كاسكة " يقود ناقته فى ثبات ، يفحص الارض بعينين غائرتين تهدل فوقهما حاجبان مغبران . وكان هو الآخر يتوقع الموت في كل خطوة . غير ان اعتماده على ما قاله الشيوخ بين عرصات الجامع يطمئن قلبه . فليبدأ اذا بقراءة " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " سبع مرات ، وينزع الخوف من قلبه حتى لا يكون مجال للشك فى عون الله وقدرته . ولكن . هل هذه القنابل ،مما خلق الله ؟ كلا . فهى صنع الانسان الشرير . وقد تكون من علامات الساعة . وخير ما يعتمد عليه ان يذكر اسما من أسماء الله الحسنى كل خطوة بصوت عال ليشجع الآخرين ويريهم فعالية ما يردده

الله . . القادر . . العالم . . ما تخافوش . . الباسط . . الصمد . . ربى معاكم . . . الحي . . القيوم .

وتزحف القافلية خاشعة ساكنة الى أن يوقفها الشيخ بصيحة واحدة . لقد توقف كمن غاصت رجله فى الوحل

لطيف . يا اولاد الكلب . تحت كراعى قنبلة قد المزود

وتصطك ركبتاه وترتجف مفاصله ويصفر وجهه . وينصحه الرفاق ان لا يرفع رجله حتى لا تنفجر القنبلة فتأتى عليهم . يجب أن يحافظ على هيئته حتى يمر الجميع . وبدأت زوجته تتخبط وتنتفض على كبرها . فكانها لأول مرة تعرف مكانته فى حياتها وفضله عليها . كانت تريد أن تقول له ، وهو في حكم الميت : لمن تركتنى ؟ وتختلط الأصوات وكل يريد النجاة لنفسه فلبعيره ودجاجه . أما الشيخ فقد أحس بأنهم يتقاسمون حياته ويعيشون على حسابه مجرد صدفه تميته وهو أطيبهم وأكثرهم تدينا . يجب أن يرفع رجله فلا يموت وحده . ولكن شعورا غريبا لا يتركه يفعل . انه شعور غامض لا يؤمن به لذاك يعض على الشفة السفلى بكل قوته ويغمض  عينيه كمن سرى الكهرباء فى جسمه ، فلا يسمع غير عويل يتباعد . ويطمئن الجماعة على سلامتهم فيلتفتون إلى الشيخ يرقبونه وقد بدأ البعض يفكر فى مصيرهم بعده وذهاب خير كثير بذهابه .

لم يبق " للشيخ كاسكه " الا أن ينزع ملابسه حتى يستفيد الوارثون منها وحتى لا تلطخ بالدم فتبقى غصة وحسرة . أخذ بكلتا يديه ما كان على رأسه من خرق وعمامة أحاطت بشاشية بيضتها الشمس وجففها الحر  تكاد تدوى اذا ضربت . وتذكر انه لم يزل بالحياة . فبكى ثم شرع ينزع قميصه وهو لا يدرى من اين يأخذه ، فكأنه ينزع جلده . وحول البصر الى رفاقه ، فرأى زوجته تندب حظها ، وآخرين يشيرون عليه بالانبطاح حتى لا تحصده الشظايا إذا رفع ساقه . ومن حين لآخر برتمى أحدهم باسطا ذراعيه وكأنه جندى من المشاة يتدرب ، فيزيده اعتناؤهم به خوفا وترددا . . يريد أن يرتمى فينحنى حتى يلمس الأرض بكفيه . ثم يرجع فيستوى . وفى كل مرة يطلب السماح ويوصى خيرا بابنه الأصغر لأنه الوحيد الذى لم يكون عشا

السماح . . اعملوا الخير فى بلقاسم . . ما تخلوش قبرى مشقوق

ويطمئنه الجميع بأصوات مختلطة تترامى اليه فلا يتبينها . لقد كانت نفسه تتمزق حسرة لأنه لا مبرر لموته . انه يريد أن يمدد حياته ولو باللحظات هذه اللحظات العزيزة النادرة ، يطلبها المرء وكأنها ليست من طبيعة ما فات أو هو لم يصرف قبلها زمنا ثقيلا

ويحس برغبة فى أن يطالب أهله باطعامه والاقامة بالقرب منه . ويوشك ان ينادى لولا ما بدا على القوم من فزع واضطراب وتداخل . لقد غطى الالمان

السهل والوعر وتعالى العجاج داكنا فحجب الافق . كانت الشمس قد ارتكزت على ذروة الجبل الساكن ، فخضبت أعلاه حمرة باهتة ، وارتدى السفح ظلا متجانسا رقيقا ، تظهر فيه من حين لآخر حمامة بيضاء تلفظها الشعاب بعد سعى طويل

لم يبق للشيخ غير حاسة واحدة . هى حاسة الموت . لقد استطاع أن يتذوقه ان يعانقه ويعرف سره . ان يموت . هو استحال نهاية أمره ، الى طبيعة اخرى ليس فيها ما هو مادى يشده الى الحياة على تعلقه بها . حتى لكأن الموت توق الى المطلق

ويعلم انه مات فيتشهد ويرجو  الغفران والجنة ثم يصيح بصوت مختنق يرتعش :

وا . . . . ك . ثم يلبس الارض

ويلتفت حوله فلا يكاد يصدق . انه يتنفس . يتحرك . اذا لا شئ حدث . قد لا تكون القنبلة غير سداد لجرة سقط من راحل

ورجعت اليه حياته فلا يكاد يقبلها ، لأنه أخذ القميص . . ونسي العمامة

اشترك في نشرتنا البريدية