تململ فى مجلسه وهو ينظر الى الرجل الجاحظ العينين يرفع يدا ويخفض اخرى بحركات عصبية ، متوترة لا تستقر على وضع
ألقى بالسيجار ولم يكتمل بعد نصفه . اشعل آخر . عاد يجيل البصر فى الحضور بريبة وتوجس . عاد يتكلم ٠ . " ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير . . " . حدجه بنظرة مبهوتة . بأية ملحمة خير يترنم هذا المراوغ اما زالت النفوس قادرة على فعل شئ به ولو نطفة خير ؟ يدعون الى أمر ويأتون بما يخالفه . أفعالهم دوما تفند أقوالهم . " وما تقدموا من خير تجدوه عند الله " . . بالدهاء البشر ، لا يعرفون الله الا في المناسبات . يتخذون منه قناعا يخفون خلفه دسائسهم الماكرة .
الججعة تصم الآذان ، لكنني لم أر طحنا الى الآن . . أرحل سريعا عن هذا المكان قبل أن تقضي على تخمة الاحرف المسمومة
ترك القاعة متبرما . اندفع وسط الجموع يشق طريقه بجهد ، تلاحقه نظرات المدير مستعرة فى محاجرها . ثائرة ، مستاءة ، تساندها فى ذلك دهشة الملتفين حوله .
غدا سيكون له حوار مع مديره . ذاك أكيد من الاستياء المؤيد . وربما جاءه انذار عامل وقح يحلو له ارتكاب نفس الجريمة . اما التغيب عن الاجتماعات النقابية ، وإما مغادرة القاعة بجرأة محرجة
أمديره ذاك الذي كان يزلزل جدران القاعة بتلك الكلمات الرعناء ؟ عجبا . منذ متى اكتشف أن فى المؤسسة عملة ؟ اليوم فحسب تذكر وجودهم لينتخبوه رئيسا للنقابة بعد ان قدم ترشحه
ما خلف الاجتماعات والخطب ، الا الصداع وتوتر الاعصاب . . المشاريع . . الانجازات . . حقوق العامل ، وهات من الترهات . . والمرتبات فى انخفاض والاسعار في ارتفاع مستمر . والمعيشة تتعكر ، انما الثرثرة لا تفتر . مجالس تمويه ، البعض يحضرونها وهم نيام أو يتثاءبون . . آخرون يصفقون علانية ويلعنون في سرهم ، وأنا أفكر ، ما بيدي سوى التفكير
على كل إن لم استطع تغيير الحال ، فالتفكير لا يضر ، فلأفكر قبل أن يقع الحجز على رأسى ، أو تشمل التفكير ضريبة الغلاء
أن تفكر ويكون لك رأى سديد ، وجيه يقودك الى العمل الجاد المفيد الذي يدفع بك نحو النجاح ، فهذه هي الغاية التى تفتح أمامك سبل الحياة . . ان لا تفكر اطلاقا ، فتلك هي التعاسة التى تقودك الى الانحدار أما ان تفكر وتقودك الافكار الى مضيق العجز ، فانه اليأس الذي يقضى على صاحبه بالتحطيم . . وانا احسبني من الصنف الثالث : ضقت ذرعا بالافكار ، وما استطعت ان أساهم فى تقديم ، أو تأخير شئ مستقبل غير مضمون . حاضر مكفهر ، مجهول الاتجاه . . وماض معفر الذكرى . . ما بقى يا مدينة الصراصير ؟ ما بقى ، حفنة حكم أدقها بمسامير الجبن ، أزين بها مرحاض بيتنا .
الرجل ملقي على الارض . نحيف ، هزيل ، شاحب الوجه ، ممصوص الخدين . ممزق الهندام ، ترتع مظاهر الفقر والعوز قربه . جمهرة من الفضوليين التفوا حوله . صرخ أحدهم وجسمه الضامر يرتعش كانه على وشك التفكك .
- لا أحد يضع عليه يده الى أن يأتي رجال الشرطة . ابتعدوا قليلا . أتزاحمون على رؤية جثة بائس ؟ ماذا تظنونه ، طابور غلال ، أم طابور لبن ؟
- ما أكثر الذين يكلفون انفسهم بتقديم النصح والارشاد في هذا البلد . . الامر والنهى ، والشوشرة العقيمة لم لا يبدأ هو بالابتعاد ويذهب الى حال سبيله ؟ أم تراه كلف باصدار التعليمات اللائقة بالموقف ؟
- لكن كيف مات ؟ ربما دهسته سيارة ، السيارات هذه الايام لا تستطيب السير على الطرقات ، انما هي تعدو تسابق الرياح . .
- ذرة منطق من فضلك . لم تدسه سيارة . نحن فى زقاق لا تدخله السيارات . الارجح قتله لص . اختلس محفظته لما قابله بالمقاومة ضربه فكانت الضربة القاضية . .
- لص اختلس محفظته . لا تدل هيئته على أنه ملك فى يوم ما محفظة ، او نقودا . ثم أراك تصف الحادثة كأنك شاهدتها ألا تكون أنت ؟
- دعك من هذا . ألا تعرفون الا التهم ؟ أصبحت حياتنا كلها اتهامات . فى هذا الزمن المشحون بالتوتر والشك ، لم يعد الانسان يعرف كيف يعيش ، ولا كيف بواكب المؤامرات والنميمة التى غدت كالملح للطعام . لو قطعوا عنا وجبة التهم والشك ، لمتنا ضيقا . . من يدرى . .
- لا تسبقوا الاحداث ، وحسبنا افتراضات خاطئة ، حين تأتي الشرطة سنعرف الحقيقة .
وضع على كتفه يدا عملاقة كأنها تتغذى من لحوم فيلة
- من فضلك ، هل من عود كبريت أشعل سجارة ؛
فحصه بفضول ذاهل . أما زال عند هذا الصعلوك ثمن علبة سجائر رفيعة ؟ أم ربما العلبة كان من النوع الامريكى ، أما السجائر التى فيها ، حتما من النوع المحلى المر المذاق .
قدم له علبة الكبريت متجاهلا الابتسامة الملقية بنفسها عليه . تجاهل الآخر نفوره من الحديث وهو يرشه بسجارة :
- ان كانت الأحوال متعكرة ، فغلطتنا نحن قبل كل شئ . ان الذى خطط ميزانيتنا لم يضع فى حسابه أننا سندخن السجائر المستوردة ، ونأكل الغلال ، ونركب سيارات الأجرة فى تجولنا . ما هو مسموح به لنا ، خبز وزيتون ، وماء الضرورة القصوى . نأكل كي لا نموت جوعا . نلبس ما يستر العورة . اما ما نعت بكماليات ، فهى مخصصة الى الذين ارتقوا الى الاعلى
- الدنيا بخيراتها من نصيب الذين تعلموا فن التسلق الى فوق تركهما يتجادلان وسارع بالتسلل بعيدا عنهما
فررت من اجتماع وخطب ، واذا بخطبة أخرى تطاردني رغما . هواية قومية . . فى كل قاعة مهرج يحلم بالزعامة ، يضحك على ذقون الحمقى . وفي
كل مسجد خطيب يسبح بحمد خالقه . يعد المحرومين بجنات الخلد قوم متعتهم الضوضاء ، لكن ما حاجتنا الى الضوضاء ما دامت الاحداث قد أرغمتنا على سماع ما يقال ولو بأذن غير واعية
- أنت الآخر أراك أصبحت من هواة الزحام . الفضول دفع بك أم التسكع ؟ - الذى دفع بك الى هنا ، جرجرنى من عنقى . كنت مارا واذا بهذا التجمع يجذب انتباهى ، ولو اننا تعودنا على التجمعات . طوابير الموز والاجاص تغزو الشوارع لعنة الله على الزمن الذي غدا كل شئ فيه بطابور
انظر تلك المرأة المكتنزة تدفع الجمع بمنكبيها لتتصدر المشهد ، أما كان الاجدر بها أن تقبع فى عقر دارها ؛
ماذا فعلت يا ترى حتى اصبحت بهذه السمنة ؟ من رآها ظن أن الدنيا فى احسن احوالها ، واللقمة متوفرة للجميع حكمى عليها هو ، يجب ان تقتل حتى لا تغالط الرأى العام الدولى . .
- يا له من حكم رحيم ، لا يصدر الا عن فكر جائع . .
- ربما فاجأته سكتة قلبية ؟ أمر هذا الميت محير . . لهفى على زوجه وأولاده ربنا أحمنا من بلاء الموت فراق الحياة مرير ، فالعيش جميل مهما كانت متاعبه . .
شعر نحوها بكره شديد انقض عليه فجأة . تمنى لو تنزل عليها صاعقة فتدمرها ، أو ينهار فوق رأسها جدار يرفسها تحت الانقاض . النساء لا يعرفن إلا الدعاء السخيف الساذج . تخشى الموت ، ولو كانت بها ذرة عقل لخافت الحياة رجل ميت ، ماذا فى ذلك ؟ سيعرف عاجلا أو آجلا سر موته وأسبابه . .
البلد ملئ بملايين الموتى ، من سأل عنهم ، أو رثى لحالهم ؟ الصراصير تغنى ، فرحة بالحياة التى أمسى البقاء فيها مستحيلا . تصدح ببطولات ارتحلت مع السنين الخوالى . تحلم بملاحم عصر جاهلى . . لكن لمن تغنى الصراصير ؟ العالم مات ، ونخر الدود عظامه .
- كم اصبحت اخشى ان تكون امجادنا قد انتهت بموت صلاح الدين الايوبى ، وعقبة بن نافع لم نرث من أسلافنا الا البلاغة ، وحب الخطابة اللذين ما عاد لهما كبير نفع أما المزايا قبرت معهم
- الاسعاف لم تصل الى الآن السرعة والتقدم عندنا فى أقصى وثبتهما على ما يبدو . نحن نعدو عدو السلحفاة .
- لم يعد فى حاجة اى اسعاف . الرحمة ذاك ما يستحقه . .
- الاحياء أمسوا اكثر حاجة الى الرحمة . .
- رحمة من ؟ رحمة السماء ، أم رحمة الارض ؟ الاصدق نحن فى حاجة أشد الى معجزة تعيد الحق الى نصابه ، وتكون علامة خطر لكل من تجبر واستفحل شره
- لم أكن أحسبك سخيفا الى هذه الدرجة . . أتصدق حكايات الخوارق والمعجزات ! العلم هو المعجزة الوحيدة الصامدة على الارض ، وما عداه فمن تصور المتطرفين فكريا . .
- إن بقاءنا فى عداد الأحياء لهو من أكبر المعجزات
- وهل مازلنا نعتبر أحياء ، نحن حثالة الانسانية المعذبة ؟ سؤال ، جوابه عسير ، تردى فى كنه الغيب . .
أصابع ناعمة تعبث بشعره . تجذبه نحوها . يلتفت مندهشا . يقع نظره على وجه مليح يميل الى السمرة . سوداء العينين ، كستنائية الشعر . . غمزته بطرف عين وهي تومئ اليه بالتقدم . تسمر فى مكانه لا يصدق ما رأت عيناه . ابتسمت ثانية وهى تهمس من خلال قضبان النافذة تعال سأفتح لك الباب ، أما مللت من مشاهدة هذه الجثة . . مشهد أروع يرقبك . .
أيتها السماء اشهدى انى برئ من دم الحسين ماذا تريد منى ؟ مالا أم فحولولة ؟ استعص على الحصول على الاول ، والثانية فالاحداث بصدد تجريدى منها
- لندخل ، المغفل هو من يترك مثل هذه الفرصة تمر دون استغلالها . . - أرأيت ؟ ظننتك لم تسمع . .
- هذه أمور تشتم رائحتها على بعد ميل . هيا بنا ولا تكن متقاعسا عن المغامرات . المغامرات البسيطة تكاد تكون الشئ الوحيد المسموح به الآن . دعنا من الميت ، فكلنا أموات بعضنا يتسلى بمراقبة انتفاضة الآخر .
رائحة رطوبة تلفح أنفه . بيت عتيق واكب الزحف العثماني كما تدل عليه جدرانه ، وأبوابه الخشبية القديمة . الغرفة مريحة وغريبة ، يحلق فى اجوائها غموض لا يبعث على الطمأنينة
شئ ما في الجو يقول : إننا وقعنا في ماخور ، وما هذه العانس الجالسة على الكنبة تنفث الدخان فى الهواء باستهتار جرئ ، الا قوادة محنكة صقلتها التجارب ، بشامتها السوداء على خدها ، وشعرها المصبوغ ، ونهديها وقد رفعا الى فوق بصفة اصطناعية تغرى بالضحك ، وبسمة محترفة تثير الريبة والنفور . الاوصاف المطلوبة لرئاسة ماخور لم تقع عين السلطة عليه بعد . قوادة أم مومس ؟ أم كلاهما معا ؟ لا يهم . فلتتقدم أيها التائه ، ان غرق المركب فذلك غلطة البحر ، والرياح المتمردة ، أما الربان . .
المائدة تزخر بشتى أنواع المأكولات . تقدم له كوب جعة ملوحة ببسمة خاصة ، وقد استقرت نظراتها فوق ملامحه القروية القوية . .
- اشرب ، الجعة من احسن ما يشرب لنقاء الدم ، وفتح شهية الاكل
وما نفع فتح شهية الاكل ما دام الاكل نفسه لم يعد متوفرا للجميع ؟ تتماوج لحظة أمام عينيه مجموعة الاساور المطوقة معصمها . الذهب . . كم أقة ؟ مائة غرام . . أقل . . أكثر . . ثورة صغيرة تغرى المفلس بالقتال وهناك من لا يستطيع شراء رطل لحم خروف حقيقي ، طيب الطعم . . الحياة الرغدة بين أحضان المومسات ، هنا تركن أموال الفاسقين ، ما عداها شظف ونكد .
نظرت اليه بوجه كئيب ، شاحب ، والقلق يساورها . أنت الآن لست مستعدا للزواج ، لكن بعد شهر . . بعد سنة يمكننا تدبر الامر . مستعدة ان انتظرك الى ما لا نهاية . ليس المال الذى سيجمعنا ، بل التفاهم ، والوفاق ، والحب .
يا للمنطق المأسوى أأزج بنفسي في معركة وأنا أعزل ؟ الحب السعادة ، ثرثرة صحافة . . مادة صالحة لاعداد برنامج اذاعي فاشل يقدم الى المراهقين ، أو المعقدين نفسيا . . انما الواقع لا يتطلب الا نقودا . نقودا وفيرة ، أما ما عداها فسلة المهملات مآله .
ترجتني دون فائدة . تركت المقهى مسرعة تسبقها دموعها . ربما كانت تنتظر مني أن أتأثر بقولها ، وأتبع خطاها ، لكنى لم اتحرك . الاحتياج يضع نظارة الحكمة على مقلتي ، ويدفعني إلى التفكير قبل الاندفاع فى متاهات العشق . في هذه الايام التعسة ، لم يعد الرجل العاقل يطمع لاكثر من أكلة شهية ، وامرأة ساذجة يقضى معها وقتا لطيفا ، ولا يكون غبيا فيرتبط بها ما دامت الامكانيات قد قيدته بأصفاد العجز . لم يعد المرء واثقا من نفسه ، ولا عارفا وجهة سيره . . وهل يعرف المحكوم عليه بالاعدام حقيقة ما يجرى أمامه وهو معصب العينين .
كنت أود ان تجلس قربى السمراء ، هي أكثر حسنا ، لكن . . فى السرير النساء كلهن متشابهات ، فلم الاختيار ؟
ما هى الا ساعة ولن تلمح وجهى بعدها .
أخذت السمراء صديقه ، فما بقى له الا ان يتبع القوادة الكبيرة الى المقصورة العتيقة ، بقبتها المزركشة ، وجوها الخرافى المثير
- هذا البيت رغم أنه عتيق جدا ، يروق لى . أحب الاحياء العربية القديمة . ولدت ونشات فيها . هذا البيت كما يروى سكن فيه قديما قائد شهير من انصار أحد البايات . لا أذكر من هو منهم كان بالبيت داموس حالك الظلمة وجدوا به كما يشاع بقايا جماجم بشرية . شئ مهول
لم يبق الآن من البيت الكبير غير بضع غرف بعدما قسم وبيع . أتروقك البيوت القديمة ، كم هى ملاى بالاساطير ، يكتنفها الغموض .
ثيب عتيقة تحمل بين جوانبها أسرار مجون العالم أمتع من أغلي بكر جاهلة . أحب المرأة القديمة ، والبيوت القديمة ، وكل ما هو مأكول وملموس . . لو كان القائد السفاح يعرف ان بيته سيصبح ماخورا ، لقضى على جنس حواء قبل ان يغتاله الموت
لا تعرفين كان فى خدمة اى باى من البيايات . . لا داعي للمعرفة ، المهم ان تعرفي فن خلع الثياب ، بحذق ومهارا ، وكيف يمكن اصطياد الدينار واقتلاعه من بين مخالب اللصوص بوقاحة وتفوق
- لا اسمع شيئا ، ترى ماذا جرى فى الخارج . أحمل القتيل ليودع احدى الثلاجات ، وينسى خبره ، أم ماذا ؟
- دعنا من القتيل . راح واستراح . الناس هنا ، تسليتهم الراهنة الزحام والطوابير ، والهمس بالاشاعات الكاذبة .
- الظروف غرست في نفوسهم هذه الهواية . نحن شعب نحب مواكبة الظروف مهما كانت أحوالها . .
- ستعود حتما متى ؟ غدا ، أم بعد غد ؟ تملص من قبضتها وقد اجترفته خطورة الموقف
- اسمعي ، كان يجب ان اقول لك ذلك من الاول : أنا مفلس . النقود القليلة التى املكها لن ابعثرها على المومسات . . نصيحة اخوية اسديها لك ابحثي عن صيد أسمن . لص محترم صاحب منصب ، ما زال قادرا على التبذير اما انا فدنانيري لا تكاد توصلني إلى آخر الشهر . الدينار الاخير دفعت منه اجرة التاكسي . خطوات ، ستمائة ، ورحل الدينار ملتحقا بأبى .
تمايلت ضاحكة بغنج ، وعيناها تقذفان نظرات ساخرة :
وهل تعود أجدادك ركوب السيارات أيها الغجرى ؟ الا تعرف انك من سلالة بدو تعودوا السير على الاقدام
الثرى منهم يملك حمارا ، وتتقاتل القبائل ، ويسيل الدم من أجل ناقة شكت الدهشة لسانه . بقى يحملق فيها مبهوتا . واصلت ضاحكة بتهكم
أعرف انك جائع ، مفلس ، النقود القليلة التى تتحصل عليها كل شهر ، لا تكفي جعة ومزة ، كنت واثقة من ذلك من الاول . القادرون على الدفع تخفي عني شمائلهم . انت تصلح لبعض لحظات عربدة ، مجنونة ، لا أكثر . .
- أتصدقينني لو تفوهت بكلمة حق أكون صادقا معك ومع نفسي - الصدق . . لو وجدت في هذه البلاد انسانا واحدا يستطيع ان يصدق ولو مرة فى عمره ، لشيدت له تمثالا بيدى ، وركعت امامه أقدم له ولائى وطاعتى . .
- لا تتعبى نفسك ، الامر لا يستحق هذا الجهد ، وطاعة المومس ذات أغراض أنا أول من يسارع بمحاربتها . . عندما يكون النقيض همزة وصل بين البشر يصبح التفاهم ، الخنجر الذي يقطع حبل العلاقات الانسانية ، ويحكم عليها بالتفكك . . اشرب زجاجة جعة أخرى ، ستفهمين ما أردت قوله . .
سارع بالخروج وقدمها تركله بوحشية غير منتظرة ، وشتائمها تلذع أذنيه . . .
فى مدخل الزقاق تفرق الجمع ، وحملت جثة القتيل ، غير نفر ما فتىء يتلذذ بمضغ الاحداث
- دنيا عجائب . . من يصدق ذلك . . الهذا الحد وصلت بنا المجاعة ؟ ما أشبه هذا الزمن برحي . هذا يطحن ذاك . سلب ونهب . لص يسرق لصا ويد عليا مسلطة فوق رؤوس الجميع . تسيرهم . تأخذ ما بدا لها ، ولا تترك الا العظام
- أجد جديد فى الامر ؟ ماذا هنالك ؟
- أما كنت هنا لتسمع الخبر الشنيع ، وتشاهد أغرب قضية عرفها الحديث . ذاك الاكرش . . انه صاحب مطعم شعبى فى الحى المجاور ، جاء بقصة عجيبة . .
- وما دخله بأمر القتيل ؟ أيعرفه ؟
- أظننا لم نشاهد أهم دور فى المسرحية الهزلية المعروضة أمامنا على ركح الحياة . خسارة لا تعوض . أكان لزاما علينا قبول تلك الدعوة المريبة ؟
- لا تحزن على ما فات ، ان ما سيأتي لاعظم . لن يكون القتيل الاول والاخير عقبى لنا فى يوم قريب ، أو قل : نحن قد قتلنا وانتهى الامر لم تشيع بعد جنازتنا ، فالقوم بين منشغل ولا مبال . حالم ومتباه . . عندنا ، وفعلنا وكان وما سيكون ولم نلمح الى الآن سوى الاقاويل والظنون
- دعنا من الظنون والاقويل المجترة . عد بنا الى قصة القتيل ، ما علاقته بصاحب المطعم ، وما حكاية فخذ الضأن التى تحت ابطه ، لم نلاحظه فى المرة الاولى لمشاهدتنا اياه ؟
- صاحب المطعم كان يطارده . سرق منه فخذ ضأن . هيا بنا نسمع ، ها هو ذا يعيد سرد الرواية للمرة المائة . حدث غريب يستحق الاعادة والتكرار . - صرصور آخر يشدو بمواله . أنفسنا كلت المواويل المعادة
- لما دخل على في المطعم بوجهه المغضن ، وجسمه الهزيل ، وثيابه الرثة ظننت أول وهلة انه متسول ، لكنه فاجأني بطلب غذاء . شككت في أمره فطلبت منه أن يدفع مسبقا . قانون المحل مع المشكوك فى هويتهم . تسمر فى مكانه ولم يظهر عليه الفهم او الاصغاء . انشغلت عنه لحظة بزبائن ، فاذا به يخطف من يد الصبى فخذ الضأن التى أعدت لجماعة من رواد المطعم المعروفين وهرب . عدوت خلفه ، لكنى لم استطع اللحاق به ، انما حين أخبرنى أحد المتسولين المتسكعين أمام المطعم انه رأى ميتا فى هذا الزقاق ، تأكدت من أوصافه انه هو قيل : وجدوا فمه محشوا باللحم وهو ملقى على الارض من كان يتصور انه جائع الى هذا الحد .
في أمريكا ، القطط والكلاب تأكل " الهمبرقر " وتشرب اللبن المعقم حفظا للصحة ، ونحن نموت خنقا بقطعة لحم مختلسة . نادرة طريفة وفظيعة الحضارة فى رونق تطورها
- ولم لا يموت مختنقا بقطعة لحم ، ما دام هناك من دفعه الى ذلك . على كل لا نخشى عليك باسا ، ولن تكون لك نفس المصير ، بطنك المنتفخ على ذلك خير شاهد . .
- أتحسدنى يا هذا حتى على بطني المنتفخ ربنا احمنا من شر النفوس الحاسدة لو كنت أعلم بحاله لوهبت الفخذ له صدقة لوجه الله يوم الجمعة ، ومهما كان نحن شعب دينه الاسلام لا يحب لأخيه الضرر .
- شعب مسلم لا يحب لاخيه الضرر . . لو وجد أحدنا فرصة لاكل الآخر لازدرده بريشه . العقبة الوحيدة التى تقيد الحركة ، وتصد الرغائب الدامية القانون وان طعنت جميع القيم ، وعاث الفساد ، فالقانون ما زال منتصب على قدميه . وان اصيب بالعرج ، وهده الوهن .
- لن اسكت عن هذه الاهانة حسبي من ساعة ما جئت وأنا احتمل بصبر وخز الهمسات المعاتبة كأني قتلته بيدى . أأنا القاتل ؟ تكلم جهرا ما . ذنبي في كل ما حدث ، ولا ترشقني بمثل هذه النظرات المتعالية . ان مات مختنقا بقطعة لحم ، على استعداد أنا الى خنق كل من تفوه بحرف تهكم التسامح فى هذه الاحوال ضرب من الجبن والتخاذل
لم يكن يعتقد ان برميل الشحم بكل هذه القوة . حسبها أطنانا مترهلة خذله اعتقاده . لكمة على صدغه انشقت لها شفتاه . أعاد له اللكمة بضربة رأس على بطنه استحقت تصفيق الاطفال الحضور . ارتطم البرميل بالحائط كاد يعيد المحاولة لولا تدخل الفضوليين . .
- يوم جمعة يا ناس . . ألم تسمعوا الخطيب وهو ينهى عن المنكر والاعتداء على الاخوة ، ويدعو الى الرحمة والمحبة .
ارتفع صوت شاب يطن في حشرجة مزعجة ، والندوب في خديه تزداد احمرارا .
- هيوا بنا وحسبنا حمقا لهذا اليوم . . ان كان الرجل البائس ذهب شهيد لحمة ضأن أخاله لم يلمح لها طيفا منذ أجيال خلت ، فهل ستروح أنت شهيد حماس متهور . . حكمة الحياة ان تسير حاملة بين طياتها قاتلا ومقتولا مغفلا وسفاحا ، طيبا وشريرا ، فلا تعطل عجلة سيرها . .
- والله لولا تدخلك الحميد لحطمت له أسنانه . أشنق الكلمات البذيئة فوق نواجذه . .
- لم لا أبدأ أنا بكسر أسنانك . الواقع لم تعجبني من أول وهلة رأيتها . . سوداء ، نخرها السوس ، مع ذلك لا تفتأ تعض . سأقدمها هدية الى جدتى هوايتها جمع الاسنان المتحطمة . .
التقفه صديقه قبل ان يلقى بقبضته المتكورة فى معركة ثانية ، وشفته المتورمة تنز دما . .
- تهور ستكون عواقبه وخيمة ما شأننا نحن بمن مات ، وبمن عاش : البكم ، الصم ، والعمى ، عاهات اصبحت الآن صفات حميدة لا بد أن يتحلى بها كل عاقل ان أراد مسايرة الاوضاع المنقلبة رأسا على عقب . .
- طبعا ما شأننا ؟ مجرم لا يطوله القانون ، وما أكثر المجرمين الذين لا يطولهم القانون ، ولا تفكر العدالة فى القصاص منهم .
- مجرم فى نظر الانسانية ، انما فى نظر العدالة فلا . . يد عليا هي التى تجذب الحبل الذى يسير مصائر التعساء وتتحكم فى بطونهم وافواههم . تلك
اليد هى الآثمة الوحيدة . لكن لا نحن ، ولا القانون بقادر على الدنو منها او الفتك بها .
هناك اناس يعيشون فى هذا البلد . . واناس يسيرون مع الزمن مرغمين ، لم يختطفوا بعد نصيبهم من الحياة . . وآخرون اعتقدوا انهم احياء ، وما هم سوى اشلاء بشرية تفلها الضنك . الن تكف عن القهقهة ؟ ماذا رأيت أراك تحث السير نحو درب الجنون .
- أنظر . . يا للوحة الرائعة . مبتكرة ، وطريفة . كلب وقط يتنازعان على فخذ لحم . كيف ستنتهى المباراة ؟ من الشهيد الثاني ؟ كيف تنازل عنه صاحب المطعم . حتما المعركة انسته ذلك ، والا لا خذه ، وقدمه من جديد لاحد الزبائن المغفلين . .
من سيبقى على البلاط ، القط أم الكلب ؟ مرحي يحيا الجوع الذي يزعزع النفوس . يطلقها من قواعدها ، فتنطلق هائجة ، لا مبالية . يموء القط يكشر عن أنياب مدببة . نهمة للافتراس . يموء . عينا الكلب لا تبشران بخير فرائصه ترتعد . يتقدم . القط يبتعد . ينقض عليه . يتدحرج الجسم الضئيل على الارض ، يستقر بعيدا فى آخر الزقاق
ينظر الكلب حوله . لا أحد يضايقه . القط نصف ميت ، والجمع تفرق . يتقدم بشموخ نحو الوليمة . يلتهم الغنيمة فى هدوء متعال .
- ألم أقل لك ، لا بد من بقاء كلب على الرقعة ، يصول ويجول ليلتهم البقايا . . حتى ان مات الجميع
العالم بني فوق جمجمة كلب . . يمسك بعنانه ، وستدمره نزوات كلب . .
تعال ، هلم بنا نشرب نخب انتصار الاراذل . . طوب لهم فى دنياهم . . .

