الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الطب العربي

Share

(حلب)

يعرف الطب العربى(1) بأنه كل ما كتب فى الطب والعلوم الملحقة باللغة العربية ابان الحضارة العربية الاسلامية .

( لو كلير - تاريخ الطب العربي 1878 - براون - الطب العربى 1921 - كامبل - الطب العربي 1926 - ليشتنتايلر - تاريخ الطب ( الفصل العاشر -  1978) .

و ينكر البعض (2) الآخر هذه التسمية ويشدد على التسمية الاسلامية فقط وحجتهم في ذلك ان بعضا من العلماء العرب من أصل غير عربي امثال على بن عباس المحوسي * مثلا ، ولكننا بذلك نستبعد الصائبة والمسيحيين واليهود الذين كان لهم اعمال ممتازة فى الطب ** .

والواقع ان المفهوم الحضاري ، في رأينا هو الأهم ، وهو الذي يتناسب مع المفهوم الحديث للتاريخ . فلم يكن للعرب شأن قبل الاسلام ، ولم يتمكن الاسلام من العزة والقوة والكرامة لولا العرب .

فالحضارة عربية اسلامية : عربية اللغة والتقاليد والمفاهيم ، واسلامية الدين والفلسفة .

والواقع ان العرب قد فتحوا صدورهم للثقافات المختلفة من يونانية ، وبيزنطية ، وفارسية ، وهندية ، واستطاعوا ان يذيبوها فى بوتقة فكرهم فصنعوا منها الحضارة العربية الاسلامية بعد ان اضافوا عليها الشئ الكثير . و الكلام هذا ينسحب على كل من عاش خلال تلك الفترة الحضارية المزدهرة من كل الاجناس والاعراق والاديان بما فى ذلك اليهود فهم جزء لا يتجزأ من تلك الحضارة ، رغم كل الجهود الرامية لفصلهم عنها ، وكمثل نسوقه على ذلك الشاعر ابن حبرول (3) الذي ظل فترة طويلة معتبرا مسلما حتى ظهر انه يهودى .

كذلك فان المؤلفات الطبية التى وضعها اسحق بن سليمان الاسرائيلي ، وموسى بن ميمون لا تختلف عن اعمال المؤلفين المسلمين وينسحب ذلك على الكتابات العلمية التى وضعها الاسقف النصرانى ابن العبرى . والواقع ان مجرد كون كتب المؤلفين المسلمين قد امكن ترجمتها الى العبرية واللاتينية دون اية تغيرات جوهرية ، انما يثبت وجود تفاعل بين الاديان فى العلم الاسلامي لا تقل اهمية عما كان فى ذلك العلم من تفاعل بين القوميات . وربما كان العلم هو اقل الميادين الثقافية خضوعا لعملية الصبغ بالصبغة الاسلامية " (3).

لذلك فكل ما كتب في الطب هو عربي اسلامي ، بل اقرب الى العروبة ، لان الاسلام ليس سوى الفكر الدينى للعرب .

ولقد اعتاد المؤرخون تقسيم الطب العربى الى ثلاثة مراحل : الأولى : مرحلة الترجمة : ويبدؤونها مع حنين بن اسحق والثانية : مرحلة الابداع : وتنتهي مع ابن سينا (4). والثالثة : مرحلة الانحطاط : وتبدأ بعد وفاة ابن سينا

الا ان في هذا التصنيف اجحاف بالكثير من العلماء الذين عملوا فى الميادين العلمية قبل وبعد هذه التواريخ .

فالمعلوم ان الترجمة بدأت في عهد الأمويين ، عندما قام حفيد معاوية بن ابى سفيان ، خالد بن يزيد بترجمة الكتب عن اليونانية والتى امر بجلبها من الاسكندرية

ولم تكن تلك الكتب كلها كيميائية ، فقد كان منها كتب طبية . وقام بترجمتها يحيى النحوى الذى على ما يبدو اصله سورى من مدينة حمص ) 5 (.

إذن علينا ان نبدأ تاريخ الترجمة منذ ذلك العصر وليس من عهد المأمون و اسحق بن حنين خاصة وان الكتب الستة عشر لجالينوس الهامة ترجمت , أو بدأت ترحمتها منذ تلك الفترة (5) أى فى القرن السابع ميلادى .

ثم تنشطت حركة الترجمة فى انطاكية ، ودمشق ، وبغداد وقبل عام 900 كانت كتب ابقراط وجالينوس مترجمة كلها الى العربية تقريبا .

وتبدأ المرحلة الثانية مع اواخر القرن التاسع ميلادي . وفيها ، كما هو معلوم ظهرت اسماء لامعة جدا . ولقد استمر هذا النشاط الابداعي فترة طويلة من الزمن . وبدأ الانحطاط مع اواخر القرن الثالث عشر( استولى هولاكو على بغداد عام 1258 ) فقد توفى ابن النفيس عام 1228م ، وابن ابي اصبعة عام 1273 م ، وابن البيطار 1248 م .

ولكن هذا لا يعني ان العلم قد توقف فقد استمر بتباطؤ ، ينهض حينا ويتعثر حينا آخر . ولقد وجد اطباء علماء يتمتعون بقيمة جيدة . وان لم تصل الى مستوى الاوائل ولكنهم كتبوا ، والفوا ، ودرسوا امثال حجيج بن قاسم ( ت 1584 م ) وداود الانطاكى الذى توفى عام1599م .

ويمكننا مع لوكلير ) (6اعتباره آخر ممثل للطب العربي . لأن العثمانيين كانوا قد بدأوا بسيط نفوذهم وسلطانهم ( انتصر سليم الاول على قاتيباى في معركة مرج دابق عام 1516وافتتح مصر عام 1517 ) معنى ذلك ان الطب

العربى دام من : خلافة معاوية ابن ابى سفيان  661)-68 م ( حتى وفاة الانطاكى . أى حوالى : ثمانية قرون تقريبا . وهي فترة طويلة وجيدة .

والواقع ان التصنيف الاول المذكور فى بداية البحث محدود جدا وسببه قلة الاطلاع ، وصعوبة اللغة العربية (7) وندرة الباحثين الجديديين ( 8) .

وقبل ان نخوض في الطب نفسه لا بد من ان نذكر بأن العرب هم الذين أسسوا تاريخ الطب فلم يكن معروفا قبلهم فكتبوا عن تاريخه القديم والمعاصر لهم وعن رجالاته . بالاضافة الى ان التاريخ نهر جار لا يتوقف , وكل يوم يمر يزيد معارفنا . وان ما عرف عن الطب العربى حتى الان ، ليس سوى جزء يسير جدا (8) مما قام به العرب .

والكتب العربية الطبية المحققة بشكل علمي جيد ومطبوعة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة *

مع ان عدد المخطوطات الموجودة حاليا والمصنفة يتجاوز البضعة مئات عدا عن الموجودة غير المعروفة ، والتى اختفت تماما ولم تصلنا .

لذا فمن الصعب جدا ، حاليا ، وفي رأينا ، اصدار حكم نهائى قاطع عن الطب العربي ، قبل ان يقوم عدد كبير من الباحثين الجديين ولفترة طويلة بتحقيق ونشر هذه المخطوطات .

بالإضافة إلى ان البحوث ، بشكل عام ، مقتصرة على بعض الاسماء اللامعة كابن سينا والرازي ، بينما لا تزال مخطوطات الكثيرين امثال : ابن النفيس , وابن رضوان : وابن الجزار وغيرهم تنتظر اليد الرفيقة التى تنتشلها من الاهمال .

ولم يتورع بعض المستشرقين عن اصدار الاحكام القاطعة ، فجزموا بان الطب العربي عبارة عن نقل للطب اليونانى (9) بل زادوا فقالوا إنه ليس سوى ترجمة وان العرب هم وريثو اليونان ، وان فضل العرب كائن فى نقل العلوم اليونانية إلى الغرب وتعريفهم بها .

و كان من البديهي ان يتصدى لهم فريق آخر رد عليهم بالنظرية المعاكسة على ان العرب نقلوا فى البداية ولكنهم ابدعوا ، أمثال الفرنسي لوسيان لوكلير ( 10) وكان على هؤلاء بالطبع ان يدلوا بالبراهين الواقعية والعملية لذلك ولم يكن هذا بالشئ اليسير : فعدد المهتمين والمتخصصين بالطب العربى في العالم قليل جدا . ومن توفرت فيه الصفات اللازمه من الموضوعية والعلم الغزير في الطب والتاريخ والفلسفة واللغات القديمة أقل .

ولكن العرب لم يأخذوا عن اليونان فقط بل أخذوا عن الهنود والسيريان والبيزنطيين بل يجد البعض تأثيرا صينيا أيضا . كذلك فهم لم يأخذوا كل شئ عن اليونان فهم لم يترجموا الادب والتاريخ والشعر والمسرح والملاحم واكتفول بالعلوم البحتة والطب والمنطوق والفلسفة . كما قلنا فقد صهروا كل ذلك في بوتقة عبقربتهم وجعلوا منها الطب .

ثم ان بعض الاعمال (واغلبها كان صدفة ) استطاع ان يكشف الستار عن ابتكارات كان للعرب الفضل الاول فيها .

نذكر كمثل الصدفة التى قادت محيى الدين التطاوى الى تقليب مخطوط ابن النفيس " شرح تشريح القانون " فى مكتبة فرايبورغ بألمانيا ( 11 ) ليكتشف ان ابن النفيس هو اول من وصف الدورة الدموية الصغرى ، وعندما نشر سلامة موسى (12) كتاب البغدادى " الافادة والاعتبار فى الأمور

المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر " رغبة منه فى التعريف بمصر فى ذلك الزمان ، عرف المهتمون بأنه نقد جالينوس ورفض وصفه للفلك السفلى على انه مؤلف من قطعتين واكد انه مؤلف من قطعة واحدة .

كذلك عندما عثرت المستشرقة الالمانية فريدرون هاو بالصدفة ضمن مجموعة من المخطوطات على رسالة الرازي (13) " مقالة فى العلة التى من اجلها يعرض الزكام لابى زيد البلخي في فصل الربيع عند شمة الورود " انتبه العلماء الى ان الرازي كان اول من وصف الرشح التحسسى فى التاريخ .

وبالطبع فلا يمكن لنا ان نفصل بعض هؤلاء المستشرقين على بيئاتهم ومجتمعاتهم والافكار السائدة فى ايامهم .

فلقد كان التاريخ ، وتاريخ العلوم ، بشكل خاص مجالا لاسقاط مفاهيمهم وافكارهم ومعتقداتهم .

ازدهر الاستشراق في زمن اشتد فيه عضد الاستعمار وانتشاره وفى الوقت الذي ازداد فيه الغربى زهوا وغرورا بنفسه بحيث جاء وقت اعتبر في نفسه نقطة البداية لكل حضارة وتقدم (14)، وكل مافعلته الأمم قبلا كان عبارة عن تمهيد لظهوره ، واشتط الامر بالبعض حتى وصلوا الى العرقية وفكرة الانسان المتفوق .

وكان العرب والمسلمون اول عالم تصدى له الغرب بسبب وضعهم الجغرافي ، ومكانتهم التاريخية ، وغنى بلادهم ، وعلاقتها المضطردة مع اوربا .

فلا عجب ان كتب ما كتب عن العرب وحضارتهم خاصة وبعد ان ظهرت الصهيونية وراحت تلعب دورها المعروف في كل مجال بما فى ذلك التاريخ الحضارى العلمي .

والذي نريد ان نؤكده ان البحوث الجدية القليلة التى كرست لتاريخ الطب العربى ابرزت الى حد ما ، اصالة الحضارة العربية وابداعها . ولا بد ان يكشف

المستقبل ، خاصة واننا نرى فى البلاد العربية مؤسسات اخذت بالاهتمام الكلى بالتراث العلمي(*) , عن اكتشافات علمية اخرى ، تؤكد اصالة العرب والمسلمين وتدحض النظرية العرقية والدس الصهيونى .

كانت اليونان جزءا من العالم الشرقي فعلاقاتها مع فارس ، وسورية ، ومصر قوية ، كما تشهد بذلك كتابات هيرودوت وهوميروس وغيرهما .

ولم تكن بقية اوربا فى ذلك الزمان سوى اماكن مجهولة تسكنها اقوام متوحشة . لذا كانت علاقات اليونانيين مع الشرقيين ( ولا تزال ) قوية متينة .

واذا اضفنا إلى ذلك ان المنطق العمل الحالى يرفض " المعجزات " لذا استطعنا ايضا ان نرفض فكرة المعجزة اليونانية . وهى التى تقول ان اليونانيين بدأوا من لا شئ وخلقوا كل شئ .

والدليل : ان لادليل يثبت العكس . ولكن المنطق والواقع معا يرفضان هذه الفكرة .

ففكرة  " الخليقة التلقائية " مرفوضة ليس فقط في مجال التاريخ الحضاري ، بل وفي مجال العلوم الحيوية والمادية ايضا .

الا ان ندرة المهتمين بالطب القديم : الآشورى والفرعوني وقلة النصوص الطبية التى عثر عليها تكون حجرة عثرة فى اثبات اصول " المعجزة " اليونانية .

ولكن ثمة بعض الشواهد : فلقد عرف الآشوريون بأنهم درسوا الفلك بشكل جيد (15) ووجدوا علاقات بين الأبراج والحياة الانسانية واعطوا الأرقام صفات سحرية . الشئ الذي نجده فى المفهوم البقراطى للطب .

كذلك فان مفهوم البحران مأخوذ عنهم (16) . اما بالنسبة للطب الفرعوني نجد تشابها غريبا بين بعض تعاليم ابقراط وبينه بحيث نؤكد بأنه لابد قد اخذ

عن المصريين بعضا من تعاليمهم الطبية كوصف الرضوض القحفية ، ومرض الكزاز ، ووصف مركز الاستنماء فى النخاع الفقرى ، وبعض الوصفات الطبية (17)

كذلك ولا بد ان قسما من التشريح الجالينوسى يعود الى الطب الفرعوني (18)، لأن الديانات كلها منعت فتح الجثث لأى سبب كان ، ما عدا الديانة الفرعونية .

صحيح ان من كان يفتح الجثث لتحنيطها لم يكن محبوبا (19)ولكن ذلك لم يمنع من فتحها يوميا وبالعشرات .

فلابد ، ان الطبيب الذي كان يهتم بالتشريح ، استغل هذه الفرصة للافادة فى دراسة احشاء جسم الانسان . ورغم انه لا توجد شواهد على ذلك الا ان ذكر الأعضاء بدقة وتسميتها من الناحية التشريحية (20)شئ معروف عند قدماء المصريين .

إذ لا يعقل ان يقوم انسان ، مهما اوتى من ذكاء وحكمة ، بوضع معلومات بهذه الكمية وذلك المستوى الذي نجده فى المجموعة البقراطية أو المجموعة الحالينوسية .

فهاتان الجموعتان ليستا سوى تراكم معلومات حضارات مختلفة زاد كل انسان فيها حتى اصبحت ما عليه .

وربما هذا الاعتقاد ، اى ان انسانا واحدا وضع ذلك ، هو الذي جعل العرب يعتقدون ان بقراط جاءه وحي من الله ( 21 ) ، وان اليونان رفعوا من اسقولابيوس (22)الى درجة الآلهة .

ولقد عاب بعض المستشرقين على العرب انهم اخذوا النظرية البقراطية في الطب .

صحيح انهم انتقدوها ، واضافوا عليها الشئ الكثير حتى وصلوا الى التخمة (23)، ولكنهم لم يبدعوا نظرية طبية خاصة بهم .

والواقع ان النظرية هذه ظل معمولا بها حتى القرن الثامن عشر ، ولم تقوض دعائمها الا عند بداية العلم التجريبى .

وعندما انسحبت تماما لم يستطع الاوربيون الذين رفضوها ان يقيموا نظرية بدلا عنها . بحيث ان الطب المعاصر الآن لا نظرية له على الاطلاق (24).

لذلك فلا يضير العرب ان هم اخذوا هذه النظرية عن اليونان بل على العكس ان فى هذا لمعجزة ، غير المعجزة اليونانية قل من اشار اليها من المؤرخين (25) :

لقد أقبل العرب على الطب اليونانى والدين الاسلامى فى عنفوانه وقمة مجده فى الوقت الذي يتناقض الدين والعقلية اليونانية مع دين وعقلية العرب .

فالعرب مسلمون موحدون ، واليونان وثنيون متعدد الآلهة والعرب ساميون ذوو عقلية دينية ميتافيزيقية ، واليونان عقلانيون ماديون .

ولكن مرونة الفكر العربي ، وتعطشه الشديد للعلم والمعرفة ، وكثرة الآيات القرآنية والاحاديث النبوية التى تحض المؤمنين على العلم (*)، جعلت من العرب محرقا تجتمع فيه أنوار العلم والمعرفة من كل البلاد وكل العقليات واصبحت العقلية العربية نتيجة تفاعل كل هذه العقليات والمارف .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية