تأتى هذه الدراسة بعد قراءة لاستاذنا الدكتور خفاجى والدكتور مختار الوكيل والدكتور عبد العزيز شرف والاستاذ مصطفى عبد الله والاستاذ رشيد الذوادى والناقد الكبير الاستاذ مصطفى عبد اللطيف السحرتى وليس أصدق من الشاعر نفسه فى التعبير عن ذاته ، حيث يقول الشابى : " انى طائر غريب بين قوم لا يفهمون كلمة واحدة من لغة نفسه الجميلة ، ولا يفهمون صورة واحدة من صور الحياة الكثيرة التى تتدفق بها موسيقى الوجود فى أناشيده ، والآن أيقنت أنى بلبل سماوى قذفت به يد الالوهية فى جحيم الحياة ، فهو يبكى وينتحب بين أنصاب جامدة لا تدرك أشواق أنات قلبه الغريب ، وتلك مأساة قلبى الدامية " ( 1 ) .
وليست هذه الغربة التى يصورها أبو القاسم الشابى خاصية منفردة به ، بل يشاركه فيها كل الشعراء الموهوبين ، وأركز على كلمة شعراء موهوبين ، كل هؤلاء يشاركون أبا القاسم هذه الغربة اذن فغربة الشعراء حقيقة لابد منها ، ولا غنى عنها ، وهى غربة صحية ، منتجة ومبدعة ، عندما تتفتح نفس الشاعر على دهشة الوجود ، بما فيه من طبيعة واحياء ، وألم ، من الغير، وبالغير ، لا يملك منعة اذا جاء ، واذا رحل . يقول الشابى فى قصيدته : لاشواق التائهة : ( 2 )
يا صميم الحياة ! كم انا فى الدنيا غريب ! أاشقى بغربة نفس
بين قوم ، لا يفهمون أناشيد فؤادى ، ولا معانى بؤسى
فى وجود مكبل بقيود ، تائه فى ظلام شك ونحس
فاحتضنى ، وضمنى لك - كالماضى - فهذا الوجود علة نفس
ومن هنا تتفتح غربة الشاعر فى ثلاثة عناصر : غربة الوجود ، وغربة الاحياء ، وغربة النفس ، وتلك هيى غربة كل الشعراء المبدعين وليس المبدعين ، فقد أطلق الشاعر لنفسه العنان فى التعبير عن ذاته ، ولم يقيدها بما يريده الناس ، وما لا يريدونه .
يقول الشابى فى قصيدته : قلت للشعر ص 86
انت يا شعر فلذة من فؤدى تتغنى وقطعة من وجودى
فيك فى جوانحى من حنين أبدى الى صميم الوجود
انت يا شعر قصة . عن حياتى انت يا شعر صورة من وجودى
وكان لا بد لهذا الاغتراب أن يولد فى نفس الشاعر نوعا من الكآبة المنتجة لهذا الشعر الخالد المؤسى للغير .
يقول الشابى فى قصيدته : الكآبة المجهولة ص 22 :
أنا كئيب ،
أنا غريب ،
كآبتى خالفت نظائرها
غريبة فى عوالم الحزن
كآبتى فكرة مفردة
مجهولة من مسامع الزمن
ان من وهب قلب مثل قلب الشابى ، الذى هو دائما مشغول بالوجود والعدم لا يستمتع بالأشياء البسيطة فى الحياة وكفى ، خاصة إذا كانت هذه الحياة ليست طوع ارادته ، وبالتالى لا ينبغى أن يسأل سائل : لماذا
جل شعره فى الأسى والحزن ؟ قد تكون الاجابة كما قال بعض النقاد ومنهم السحرتى بسبب فقدان الأب والحبيبة ، وان كنت اعتبر أن هذه الاجابة جزء من الغربية العامة التى يحس بها ، حيث يقول فى قصيدته : أغنية الاحزان ص 48 :
لا تغنينى أغاريد الصباح
بلبل الافراح
ففؤادى وهو مغمور الجراح
بتباريح الحياة الباكيه
ليس تستهويه الحان السرور
وأغانى النور
ثم يقول فى قصيدته : يا رفيقى ص 72 حيث أن أساس المشكلة فى داخله :
قد تفكرت فى الوجود فاعيانى وادبرت أيسا لظلامى
أنشد الراحة البعيدة لكن خاب ظنى وأخطات أحلامى
فمعى فى جوانحى أبد الدهر فؤاد الى الحقيقة ظامى
وحتى فى قصيدته : الى الله ص 98 نجده يقول :
انت انشاتنى غريبا بنفسى بين قوم فى نشوتى وانتباهى
قدم الياس والكآبتى داست قلبى المتعب الغريب الواهى
ان الشابى من الشعراء القلائل فى تاريخ الأدب العربى الذين لم يخونوا الشعر ، ولم يخونوا مشاعرهم وضمائرهم ، فكان من الشعراء الصادقين مع أنفسهم ، القلائل فى التاريخ . يقول الشابى فى قصيدته : شعرى ص 22 :
لا أنظم الشعر أرجو به رضاء الأمير
بمدحه أو رثاء تهدى لرب السرير
حسبى إذا قلت شعرا ان يرتضيه ضميرى

