الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الغزل في الشعر الملحون التونسي

Share

ليس لى متسع من الوقت حتى أحدثكم عن الغزل فى الشعر الملحون حديثا يلم بجميع جوانب الموضوع سأقتصر على بعض الاشارات الخاطفة وسيكون حديثي مقتضبا - ولكن محبتي لاهل القيروان جعلتنى ألبى دعوتهم ولو أنى سألقي أمامهم كلمة عن موضوع أميل إليه سوف لا تشفى غليلي ولا ترضيني .

لا أحب أن أحدثكم الليلة عن الشعر الغزلي الوصفى المعهود الذى اعتاد أن يعيد نفس الصور والتشابيه فى قوالب مختلفة فهو فى غالب الاحيان نظر مبتذل يحلو أحيانا لما يبديه شاعره من مهارة لا تتجاوز اللفظ أو موسيقى الابيات ولكنه لا يثير النفس ولا يفتح للذهن أفاقا مجهولة .

سأقصر حديثي الليلة على الغزل الايحائى الذى تطغى فيه الحركة على الوصف الجامد ، وتغذيه العاطفة الصادقة فتصطفى من أوصافه ما له معنى وما يفتح الآفاق .

وسأحصه - لضيق الوقت - فى ما يعبر به بعض شعراء الملحون في أقصى حالات العشق فى تلك الحالة التى تفضى الى سلب العقل والهيام ، لان العاشق بلغ أوج عشقه وهو غير واثق من عاطفة المحبوب سأجتنب حالة بوادر الحب وسريانه الخفي فى القلب ، أجتنب أيضاً حالة الاطمئنان والسعادة فى الشعور المتبادل . سأحصر حديثي فى حالة الهيام تلك الحالة التى كانت ميزة شعر البدو منذ بداية تاريخنا ألم يتحدث القدماء عن " حرقة شعراء البادية " في عشقهم وقابلوها بغزل الحضر الهادىء المطمئن ، مثل غزل أبى نواس أو غزل شعراء عصر ملوك الطوائف بالاندلس .

أن منظر المحبوبة إذا بدت يبعث الفزع . ألم يقل كاتب نشد الاناشيد فى التوراة مخاطباً الحبيبة " أنت جميلة مثل جيش زاحف ؟ " ألم تكن هيليني فى نظر شيوخ طروادة بلاء وسخطا أنزله القدر على المدينة فى حين أنهم كانوا قد افتتنوا بجمالها - وهى صاعدة إلى أعلى السور لتشاهد المعركة فرضوا بمصيرهم - وقد قدرته الاقدار . رضوا بمصيرهم لان مصيرهم على يد تلك المرأة .

هذا شاعر مجهول من أولاد عيار يقدم لنا حبيبته صالحة :

خد صالحة برق عقب الشهر

زهى فى النظر

قد صالحة سرولة فى قصر

خد صالحة برق عقب العشية

                       لعج بان ضية

قد صالحة سرولة في الثنية

                جوف صالحة شاحبة سلطنية

نهار الخطر

          يداوروا وراها مقاصير العمر

خد صالحة برق وقت أن يتيق

                         ورعد حميق

قد صالحة سرولة على الطريق

                ريق صالحة مثل تمر العليق

شئ معتبر

          بهواك يا البنت قلبي انضر

خد صالحة برق وقت ان يليح

                           ورعده كسيح

قد صالحة سرولة يوم ريح

                 يا صالحة لاش قلبك كسيح

مثيل الحجر

          آش بيك ساكنة ما تردى خبر

أن هذا المسدس يقدم لنا صورة إجمالية للمرأة موحية فهى شجرة من أشجار السرول هبت عليها عاصفة ببروقها ورعودها أخذت تشتد طوال القطعة وهى أيضاً فرس يوم معركة فجميع الصور الواردة تنم عن القوة الزاحفة فى صمت يبعث الهول فى النفس .

آش بيك ساكتة ما تردى خبر

وما أبعدنا عن الصور المائعة التى اعتدناها فى وصف الخدود من تشبيهها بالورد وبالقرنفل الخ . . . خد صالحة يبرق ويرعد فيبعث الفن فى النفس وقدها سرولة فى قصر عال لعبت بها الريح . وعاطفة الشاعر متأججة كالبركان المندلع . ما أشبه السرولة فى شكلها واعتلائها وتحركها - والريح يهزها - بنار متأججة خضراء ؟ أن الرسام الشهير Van Gogh خلد في احدى لوحاته صورة لاشجار السرول لعبت بها الريح فأوحت بأنها نيران مضطرمة .

وأود بهذه المناسبة أن الفت النظر إلى صور توحى بقوة المرأة الجميلة وسطوتها وهى الصور التى تشبهها بالسفينة القادمة ، فهذه الصور التى تدل على أن البدو لم يتأثروا بالفرس التى تخوض المعارك الطاحنة فقط ، بل تأثروا أيضاً بسفن ( المجاهدين فى البحر الغزاة لاعلاء كلمة الله ) .

هذه أبيات من قطعة طويلة فى الغزل أجهل قائلها :

صاب جماعه

            هكاك ناشح الريح زين قناعه

قد مركب كيف حل قلاعه

                 فوج على موج الفجر بنسومه

الفد مركب محبوب

                زايز بحور الزخيمه

بمدافع الكور يضرب

              من الروم جايب غنيمه

للوكر روح مسرب

                هكاك هزعت فطيمه

وقال آخر فى " قسيم " :

الفد قرصان داخل عريفه

                     ورافع وسيفه

للباى جاب الحكم والوثيفه

                       من الى كبير سماه

واذ انى قد تحدثت عن أثر المرأة الحسناء فى قلب الرجل الهائم بها فيجدر بي أن أتحدث عن أثر الهيام فى قلب المرأة .

هذه العزيزة صغيرة بنت خليفة الزناتى ، الاميرة العانس تعشق يونس الهلالى وتهيم به بمجرد الاستماع الى وصفه وذكر خصاله ، من طرف الخضراء خادمتها ، وقد نشأت فى بيت يونس .

ذهبت الى العراف لتسأله عن يونس فقالت :

يا سليمان . يا تكاز بوى تكز وقول لي ولا تذكر الخافية للغرايب

هاذي تسعة وتسعين عانس حسبتهم في جيلي

هن ظهرن ونا صابرة والكبد فيها لهايب

ونظرت للنخلة لولا الذكار ما درجحت على الارض عرجون طايب

ونظرت للخيل لولا من الحصان ماجابن سبق جيدات النجايب

ونظرت للنساء لولا رجالهن ماجابن فقهاء قارين الكتايب

وقبل لا نهوى ولا نعرف الهوى اتراه الهوى على العبد صايب

كيف لوانى الهوى لوية العلباء على العصا ، لناشتها الشمس وأرياح الهبايب

فلبي من الجثة خالفني وخطا ، وفيه ما نفعني كتايب

قلت يا ربي يا معبودى يا سويدى يا الله

ان تجمع بيني وبين يونس قبل لا تحوزنى عاليات النصايب .

انها حالات متنوعة تنوع الاحساس البشرى عبر فيها الشعر الملحون التونسى فى صدق وروعة اقتصرنا على ذكر لون منه ، على ذلك فهو يدعو المستمعين الى الاعتناء به ، وشعراء الفصيح الى الغوص فى معانيه لتجديد قرائحهم وصقل أذهانهم .

اشترك في نشرتنا البريدية