الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

اللغة العربية والتقدم الفكري

Share

لماذا قرنت بين اللغة العربية والتقدم الفكرى ؟

أليس من المفروغ منه أن اللغة من واجبها أن تتضمن التطور والتقدم وأن نحمل بين طياتها ماضى الامة وحاضرها ومستقبلها ؟ ثم أليس من المسلم به أن اللغة العربية حملت عبء رسالة من أكبر الرسالات فى النهضة بالبشرية والتقدم بها الى مفاهيم جديدة تخص علاقة الانسان بربه وبأمته وبنفسه ؟ لماذا إذن هذا الالحاح في تأكيد أمر هو من قبيل تحصيل الحاصل ومن المسلم مبدئيا ؟

إذا كان من السهل لاول وهلة أن نسلم بعظمة اللغة العربية وبقداستها وغزارتها وقوتها وإعجازها فانه لا مفر لنا - إذا وضعناها إزاء لغات حية اخرى تبزها - من حيث نفاذها الى مختلف المفاهيم الجديدة العلمية والفلسفية والفنية -  أن نسائل أنفسنا عن حظ لغتنا من التقدم الفكرى وعن قدرتها على أن تحمل رسالة التقدم الى جانب الانقليزية والروسية والفرنسية والايطالية وغيرها من اللغات . وهذا ما أردته : أن ننظر في مدى قدرة هذه اللغة ؟ والى أى حد تصل إمكانياتها وما هى العوائق التى تجدها فى طريقها فتصدها عن السير الطبيعى .

لقائل أن يقول : هذا موضوع قديم جرت فيه الألسن كل مجرى وقتلته بحثا ونظرت فيه الجهابذة عندما إنطلقت النهضة فى أواخر القرن التاسع عشر الى اليوم وقلبته تقليبا وانتهت الى استنتاجات وتوصيات خطيرة لم تسمح لنا بأن نتقدم الى يومنا هذا بلغتنا وان نفرضها على العالم كلغة علم أو لغة أدب أو لغة فلسفة .

وبعبارة أفصح هل سمعنا فى أيامنا هذه بعالم عربى قدم اختراعاته واكتشافاته باللغة العربية ؟ وهل سمعنا أن نظرية من النظريات الفلسفية

(*)هذا ملخص محاضرة كان من المزمع أن ألقيها فى هذه الأيام ولما تعذر ذلك آثرت إطلاع القراء عليها لأنها تدخل فى المشاغل اللغوية التى يعانيها بعض الكتاب التونسيين الواعين للغتهم .

اكتسحت عالمنا الحاضر وهي نابعة عن فكر عربي وزاحمت الماركسية والوجودية وحتى الماوية وغيرها من الفلسفات ؟ وهل سمعنا بأن قصة أو ديوانا من الشعر باللغة العربية صار بالنسبة لمثقفى العالم الشغل الشاغل ؟

أنا لم أسمع الى يومنا هذا بذلك ؟ سمعت بكوبا طاوأستورياس وسارتر . وغيرهم تكتب فيهم المقالات والكتب في العالم أجمع ؟ وسمعت بمن يتحدث عن اقبال ونظرته الجديدة فى الاسلام المكتوبة بالانقليزية . تقول لى هناك ظروف متعددة سياسية واجتماعية الى غير ذلك . . أقول لك إن هذا ليس هو الموضوع إذ لى مثال صارخ هو أن البورقيبية التى هى نظرة فلسفية جديدة الى الوجود تريد أن تؤثر على الانسان كتب فيها الكثير واهتم بها فى العالم عظماء ولكنها تبحث لها عن لغة أو هي تريد أن تخلق لها لغة أو هي بكلمة أوضح بصدد خلق لغة جديدة لها ؟ لماذا ؟ لأن اللغة العربية الفصيحةما زالت رغم حيويتها وغزارتها وطاقاتها الكامنة فيها لم تحتضن روح العصر ولم تتجاوب في كلماتها وعباراتها مع اهتمامات ومشاغل أهل العصر ولم يفجر منها أصحابها المعاني والآراء التى تهز وتقلقل الفكر العصري . هذا كله يجعلني أضع السؤال مرة أخرى وبكل تأكيد وأقول ما هو حظ اللغة العربية من التقدم الفكرى ؟ أو إذا أردتم أن أضع هذه الاسئلة الكبيرة الخطر : اذا سلمنا بأن العربية لم تصل الى ما وصلت اليه اللغات الحية الاخرى وهذا ظاهر بارز للعيان ، فما هى العوائق التى صدتها عن ذلك ؟ وهل هي فى امكانها أن تحمل رسالة من جديد تشع فى العالم وتكتسح العقول وتستهوى القلوب ؟ وما هي الشروط التى يجب أن تتوفر لتقوم بدورها الريادى كما كانت من قبل العمود الفقرى لرسالة من أنبل الرسالات وأكبرها تأثيرا فى مصير البشرية ؟

ولكن قبل ذلك ما هو التقدم الفكرى وكيف أتصوره مرتبطا باللغة ؟ وهل هناك تقدم فكرى بالنسبة للبشرية ؟

ما هو التقدم الفكرى وما هى علاقته باللغة ؟

كثير من المفكرين يشكون فى أن البشرية يمكن لها أن تتقدم فكريا الى جانب تقدمها التقني والتقنلوجي ويعتقدون أن الانسان هو فى مواجهته لأهم القضايا الخالدة التى تشغل باله من خير وجمال وحق ، وأن كل شئ قد قيل فيما يخص منزلته فى الكون ومصيره وأن لا جديد فى تصرف الانسان إزاء الحياة والموت ، والبقاء والخلود ، وان غاية ما يقدر عليه إنما هو ايجاد لحن

جديد لنغمة واحدة وإضفاء ثوب قشيب على جوهر واحد وإكساء لون طريف على هيكل واحد .

هذه النظرة بما فيها من صحة ظاهرية هى خاطئة ما من شك اذ غرها ما فى الحديث عن الانسان من ترديدات وترجيعات تكاد تكون واحدة والحقيقه أن الذي يجمع بين كل هذا هو الانسان . ذلك أن التسليم بهذه النظرة هو التشاؤم بعينه وهو قطع لكل أمل فى تقدم البشرية وتحجير لها وتحنيط لأقدس قيمها . بينما نحن نعرف أن جوهر الانسان يتغير من فترة الى فترة و من عهد الى عهد وتتغير بحسبه نظرته الى الكون ويتطور فنه وأدبه بمقتضى تطور أساليب حياته وأسباب عيشه .

هذه النظرة الاستقرارية للفكر البشرى عاشت عليها الحضارة العربية الاسلامية قرونا وقرونا فآمن الفكر العربى الاسلامى بأن كل شئ وجد وأن الاسلام لم يفرط فى شئ وبذلك آمن أن لتفكيره حدودا وأغلق على نفسه_ أبواب الاجتهاد الصحيح الخلاق إلا فى فترات قليلة نزرة لم تؤثر التأثير الكافي ، وانكمش يجتر قيما أصبحت خاوية لا تتماشى مع الروح الحقيقية للاسلام . ولقد أثرت هذه النظرة على الفن والادب وحنطته تحنيطا وقتلت فيه روح الجدة والتطور والتقدم ورددت قولة عنترة الجاهلى :

" هل غادر الشعراء من متردم "

ألا بئس ما رددوا !

ولما نهض القوم من سباتهم ، أو شبه لهم أنهم نهضوا ، نادوا باحياء مجد اللغة العربية وراحوا يقلدون الفحول من الشعراء والعباقرة من الكتاب يرجعون على حد قولهم للغة صفاءها القديم ومتانتها المعروفه واعجازها السليب .

ألا إنهم أخطؤوا نهضتهم ! لأنهم أخطؤوا التقدير ولأنهم لم يفهموا علاقة اللغة بالتقدم . وظنوا أن اللغة العربية عندما قدرت فى القديم على حمل مفاهيم جديدة بصورة من الصور هي قادرة وهى على تلك الصورة أن تقوم بنفس الدور وأن تفصح عن معان جديدة طريقة متماشية مع التقدم الفكرى فى القرن العشرين .

ذلك أن التقدم الفكرى بالنسبة الى هو هذه الملكة الموجودة فى الانسان لتحديد نظرته الى الكون فى مختلف مشارب الحياة بالاستناد الى كل ما يجد فى ميدان العلم والاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة بصفة عامة أو بكلمة

أدق بالانصهار فى حضارة عصره كلا متكاملا . فترى حياته المادية اليومية المعتمدة على أحدث الاختراعات والاكتشافات لا تناقض تفكيره وحكمه في الاشياء بل هي تكيفه بحسب مدى تأثره بالعصر وعمقه فيصبح اذا هو قدر على أن يكون منطقيا مع نفسه إنسانا آخر قد اكتشف أبعادا أخرى من التفكير وأشرف على عالم آخر كان بالنسبة اليه مجهولا وكان فكره عن استشفافه كليلا .

فلا تقدم فكريا إذن اذا كان المأكل والمشرب والملبس والمركب يعتمد الاكترونيك وكان السلوك سلوك من يركب الناقة ويلبس العباءة وكانت اللغة لغة من لم ير طائرة ولا سمع بمذياع ولا عرف تلفزة .

كذلك فان التقدم الفكرى لا يمكن ان يتم إلا اذ وجد في اللغة قاعدة يرتكز عليها اذ هي عمدته وعدته . فاذا وجدها ضعيفة قاصرة عن أن تحمل مقتضياته وتستجيب لدوافع الحركية الموجودة فيه اختل هو بدوره وانعدم تماما . فلا تقدم عند ذلك ولا تفكير ولا تقدم فكريا . كالجسم اذا هو نما وأفرط فى النمو ولم يجد إلا قلبا ضعيفا غير قادر على تحمل بدن بالغ فى الخصب ، اعتل وتداعى الى الفساد اذا لم يتداركه صاحبه بالعلاج والتعهد .

هذا بالضبط ما قام به رواد النهضة العربية الاسلامية اذ هم فهموا ما من شك مقتضيات العصر الحديث ولكنهم حافظوا على اللغة القديمة وتمسكوا بعروبيتها (*) المختلفة المظاهر فى الحقيقة وأعرضوا عن كل محاولة جذرية لجعلها تتماشى مع تقدمهم الفكرى هم بالذات . والأمثلة كثيرة فى هذا الباب .

الخلق الادبي والتقدم الفكرى واللغة :

فلنا في تونس مثلا الاستاذ محمود المسعدى الذى يمكن أن نقول إنه احتضن عصره وفهم تياراته ونفذ الى خباياه فهو متقدم فكريا ولكنه رغم ذلك اختار فى كتاباته لغة الازدهار العربى الاسلامي القديمة التى حملت مفاهيم جديدة بالنسبة لذلك العصر ولكنها ، وهى على تلك الشاكلة ، غير قادرة على ان تحمل ما جد في القرن العشرين من تطور مادى . فنحن أمام تناقض غريب : مفكر له من قوة التفكير والاستطاعة على هضم المفاهيم الجديدة ما يجعله قادرا على الخلق والابتكار وهو مع ذلك يستعمل لغة قديمة فيتضاءل بطبيعة الحال مفعول ما يريد أن يكتب وتضيع الجدة الممكنة الكامنة فى المعانى التى لم تفتقها

الكتابة ، وطغي عليها الأسلوب ويتلاشى التأثير المنتظر رغم الروعة الباقية (*) .

وكان خوفه من أن يصير أدبه من قبيل الصناعة هو الذى حدا به الى أن لايفكر في اللغة وأن يعتقد مسلما أن الفكر النير يفرز بطبيعة الحال لغة مناسبة له أو هو رأى أن العربية في صفائها يجب أن تعود الى عهود ازدهارها فاعتنق بعفوية نثر العباقرة من كتابها ولم يجهد نفسه كثيرا فى البحث عن لغة تلائم تفكيره وتخرج به عن الرواسب القديمة (**) .

بينما نحن نعرف أن كل مفكر أو أديب يريد التأثير فى غيره وآمن بأن له رسالة يؤديها أوحد لغة خاصة به وقدها على قد تفكيره بعد وعي وعناء وجهد . ولنا أمثلة كثرة فى الادب العربي . فبعد أن ردد شعراء الجاهلية أن القدماء لم يتركوا للمحدثين من المعاني ما يمكن أن تعد جديدة اذا بالرسول محمد يسفه احلامهم وينزل القرآن وفى طياته آراء جرئه طريفه ونظرة الى الوجود وما كان ليحلم بها عربي قبله ولكنه لم يهمل الوجه الآخر المتعلق باللغه . لغة هي ليست شعرا ولا نثرا هي القرآن . وكذا العباقرة من الشعراء والكتاب فانهم يهتمون بهذا الجانب الخطر الذى بدونه لا يستقيم تفكير ولا يلبس الثوب الملائم له .

ونحن نعلم أن المحددين فى الادب العربي هم الذين لم يقفوا موقف الاعجاب فقط من الآثار المتقدمة بل هم الذين تحدوا أسمى ما جادت به العربيه . فمنهم من جاهر بهذا التحدى كالمتنبى والمعرى الذى قال :

وإني وإن كنت الاخير زمانه     لآت بما لم تستطعه الأوائل

ومنهم من لم يجاهر به ولكنه اضمره . فما بالنا نحن إذن نعتقد عن خطأ أن التفكير القوى يفرز بطبيعة الحال وبصفة عفوية لغة ملائمة له بينما من المسلم به أن كل خلاق فى ميدان الكتابة لا بد أن يكون قبل ذلك قد وعى لغته وتفهمها وعجنها عجنا وفككها تفكيكا ثم قصد أن يتتجاوزها وأن يخلق منها كائنا جديدا يجسم فى مضمون العبارة

المكتوبة كل تفكيره بما فيه من معان وخلجات وحرارة ونبضات تنفسه . أليس الفرق بين الخلاق القدير فى ميدان الكتابة وبين صاحب القلم هو أن يستطيع الاول تضمين كل ما يجود به فكره فى لغة مكتوبة تامة كالنوتة بالنسبة للموسيقى بينما الثانى يعجز عن ذلك ولو كان تفكيره قويا جبارا. فكم من أستاذ بث تلامذته جدة افكاره وغذاهم بالجديد من النظريات ولكنه عاجز عن إكسائها الثوب الفنى فيأتى من تلامذته من يقوى على ذلك (*) .

وهذه هي بالضبط مصيبة الشعر العربى المعاصر سواء كان عموديا أو حرا أو منثورا . ذلك أن الشعر فى القديم كان ينشد . ومن الذى يمكن له أن يتصور اليوم كيف كان ينشد طرفة معلقته او أبو العلاء لزومياته أو أبو العتاهية زهدياته ؟ لا أظن أن أحدا قادر على ذلك ؟ غير أن الخليل بن أحمد حافظ بالاوزان التى استنبطها على موسيقى الشعر كما أن التطور الذى طرأ على الخط أعان على تصور ذلك أضف اليه السماع المتوارث . كل هذا أعطانا صورة مكتوبة تكاد تكون صادقة . واليوم أصبح الامر أخطر مما يظنه البعض ، إذ كثيرا ما ينصت المستمع المنتبه الى شاعر وهو يلقى شعره فيطرب له ثم هو يفاجأ عند قراءة ذلك الشعر بعد يوم أو يومين بأنه أخطأ التقدير . ولكن الحقيقة هو أن الشاعر لم يستطع أن يضمن شعره وهو مكتوب حرارة الالقاء وتموجات الصوت وإيحاءات الوقف والشاعر الموهوب هو الذي يكون قادرا على ذلك ولا يحتاج إلى أن يكون الشاعر حاضرا دائما أمام القارئ بصوته ليكمل ما عجز عنه المكتوب . لذا فان الامر يكون أهون بالنسبة للذى يختار الشعر العمودى لانه قد وجد أمامه على الاقل عدة مكتوبة كاملة ما عليه الا أن يتأثر بها ويحاول أن يفرغ فيها معانيه بالقدر الذى يتيحه له خياله وتجود به لغته . ولكن الشاعر الذى يريد الخروج عن ذلك ويتوق الى تحدى لغته نوعا ما فهو يحتاج الى التجديد المطلق والى صنع قالب مستوفى يتضمن كل ما توحيه له به موهبته ويقتضى منه أن يضمنه فيما لديه من عدة يمكنه منها الخط الذي يعتمده . أما بالنسبة للشعر المثور فالمسألة أعوص وأكثر تعقيدا . إذ من هو الشاعر العربى الذى ضمن كسان جون برس St John Perse مثلا شعره المكتوب جميع الايقاعات والموسيقى التى أرادها ؟ على كل فالامر محير .

حركة لوعي اللغة :

ألا ترى الى الرئيس بورقيبة كيف أن الامر حيره من زمان بعيد وأوجد لنفسه لغة هي ليست بالعامية ولا هي بالفصحى بل هى لغة بورقيبيه اجتهد فى أن يصوغها لغة حديث لانها أكثر ابلاغا وأشد وقعا فى الجماهير الشعبية التى لم تتمتع بنعمة التعليم . ولو فرضنا أن الرئيس بورقيبة كان يتجه بنظرياته فى السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة الى شعب انتشرت فيه القراءة لأوجد لغة كتابة لا أشك في أنها تكون لغة متميزة عن غيرها لها خصائصها وأكثر من هذا تكون متجاوبة مع محتواها لان صاحبها يكون قد وعي لغته وصنعها صنعا ورفض أن يعيش على لغات الآخرين (*) .

لهذا فان الذى أخطأه رواد النهضة فى هذا القرن يجب أن لا نخطئه نحن أى يجب علينا أن نعقل لغتنا ونعيها الوعى الكامل بطريقتين اثنتين :

- الاولى تركز اهتمامها على البحث فى اللغة البحث العلمى الصحيح والاستناد الى فقه اللغة الجديد مستعينة بما قدمه فقهاء اللغة الاول من اعمال جليلة فى هذا الباب ولكنها منحصرة فى زمن معين ، من سوء حظ العربيه أنه فاض على الازمنة الاخرى وذلك مع تقديم الحلول الكفيلة بتعصير كتابتها (**).

- والثانية تتعلق بالخلق ومهمتها هو أن تقوم فى أول الامر بعملية هدم صارخة للغة حتى يشمل الوعى جميع طبقات المثقفين ويعتبروا أن قضية اللغة هذه ليست قضية ثانوية وبالعرض بل هى أصلية يتعلق بها مصير الفكر العربى عامة ، والفكر التونسي خاصة . ثم يأتى الحض على بناء اللغة من جديد باجتهاد خاص من كل خلاق قدير .

وبكلمة أوجز فان القيام بحركة وعى اللغة على نطاق واسع أمر يفرض نفسه اذا أردنا حقيقة لأمتنا الازدهار الشامل وخاصة الازدهار الثقافى الذى هو مفتاح كل تقدم ونهضة أصيلة .

الاسلام والتقدم الفكرى واللغة :

لذا فالعلاقة بين التقدم الفكرى من جهة واللغة من جهة أخرى كفاعل ومحرك ومؤثر لا كأداة ووسيلة فقط للابلاغ بين واضح . ومن البين الواضح أيضا أن الاسلام ، بقطع النظر عن رسالته الدينية الخالدة ، ينبني قبل كل شئ على روح نزاعة الى التقدم الفكرى ويدخل فى السياق الذي ذكرته سابقا . إذ من المفروغ منه أن الاسلام اعتمد أولا وبالذات على النص القرآنى أى على اللغة القرآنية وقد وضحت (*)كيف أن نزول أول كلمة قرآنية وهي " اقرأ " دليل واضح على القفزة الكبرى التى يريد الاسلام أن يقفزها التفكير الجاهلى الخاضع " لسلطان الذاكرة " و " للذاكرة المنشدة " وبينت علاقة كل هذا بالكتابة وحددت نوعية هذه اللغة الجديدة وسيطرتها على العقول والقلوب ومفعولها فى نشر الاسلام وبلوغ الدعوة .

فالقرآن " حدث لغوى " قبل أن يكون حدثا دينيا وماذا يكون تأثير الاسلام وانتشاره لولا الكتاب العزيز . فظاهر اذن علاقة الاسلام بالتقدم الفكرى وباللغة وظاهر أيضا أن فهم الاسلام تحت هذه الاضواء يخرجنا من الغرق فى جزئيات تكاد تكون من قبيل الخرافة وتحررنا من بعض القيود التى اضطر الدين الاسلام فى ذلك العصر الى ضربها على سلوك الناس ازاء ربهم وأمتهم وأنفسهم قصد تعميق دين ما زال فى ذلك الوقت لم يتغلغل فى نفوس الجاهليين .

فاذا فهمنا أن الرسالة المحمدية هي قبل كل شئ دفع لاينى الى التقدم الفكرى فى أوسع معانيه أمكن لنا أن ننزع عن أنفسنا ، وضميرنا مطمئن ، كل ما من شأنه أن يخل بتقدمنا وبفوزنا وبمكانتنا ضمن أمم العالم وأمكن لنا أن نرمى بكل ما يتنافى والحياة العصرية مستندين الى الروح الاسلامية الحقيقية التى ذكرت والتي كيفت كل بلد عربي بحسب طبيعته ومقوماته الأساسية وأتاحت له الفرصة بأن يمتن شخصيته ويؤكد سيادته ويبرز قوميته . وختاما فان الاهتمام باللغة العربية يدخل فى نطاق رغبتنا فى التقدم الفكرى مع التمسك بالاسلام الاصيل وجوهره الحق .

فلا تقدم فكريا الا بوعينا للغتنا الوعى الصحيح وبفهمنا للاسلام الفهم الصائب المتحرر .

اشترك في نشرتنا البريدية