الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

المرأه في العصر الأموي

Share

عندما تذكر المرأة في العصر الاموي يقفز التفكير فجأة ، الى تلك النساء اللواتى المهن الشعراء ذلك الغزل الرقيق الذي اصبح غرضا قائما بذاته . . وأصبحنا نتناول ديوان الشاعر فنجد معظمه قد وقف على المرأة . . انه يصف محاسنها . . ويشكو من الزمن الغادر الذي فرق بينه وبينها ، ويتشوق إلى اللقاء أو المرور بالديار . . هذا بعد أن كانت ابيات الغزل قليلة وتقليدية يفتتح بها الشعراء قصائد المدح والرثاء والحماسة الخ الاغراض الأخرى . .

خذ ديوان عمر بن ابي ربيعة فستجد في كل قصيدة اسما لامرأة احبها عمر وهام بها وجدا . . ستجد نعم واسماء وهند الخ . ستجده يتغزل بالسيدة فى قومها وفى الأمة . . في ابنة الخليفة وفي الجارية لقد تغزل بزينب الجمحية وتغزل فى فاطمة بنت عبد الملك بن مروان ولم يذكر اسمها خوفا من الحجاج . . لا فرق عنده بين امرأة واخرى ، انما يبحث عن الجمال حيث وجده فيتغزل ويجود . . وكم هدد وكم توعد بالا يعترض للسيدات الشريفات فى موسم الحج الذي كان عمر يستغله فى رؤية النساء وهن حول الكعبة فتروق

له في كل يوم واحدة فيكتب فيها وهكذا . .

اضف الى ذلك تغزله بالنساء اللواتى هن عنده طول العام . . وفي ديوانه قصائد تبين انه احيانا ، هو المعشوق ، وان النساء يتلهفن على رؤيته ويبحثن عنه وتتمني كل واحدة منهن ان يكون لها نصيب من شعره ومن قلبه . وهو يصور لنا النسوة لا هم لهن الا الحديث عن عمر وجماله فيقول :

بينما يذكرننى ابصرنني

دون قيد الميل يعدو بي الأغر

قالت الكبرى : اتعرفن الفني ؟

قالت الوسطى : نعم هذا عمر !

قالت الصغرى وقد تيمتها :

قد عرفناه وهل يخفى القمر ؟

ذا حبيب لم يعرج دوننا

ساقه الحين الينا والقدر

فانانا حين القى يومه

حمل الليل عليه واسبطر

ورضاب المسك من اثوابه

مرمر الماء عليه فنضر

قد اتانا ما تمنينا وقد

غيب الايلام عنا والقدر

ويجعل النساء يلاحقنه وهو يتمتع أحيانا فيقول على لسان احداهن :

قالت لترب لها تحدثها :

لنفسدن الطواف في عمر

قومي تصدى له ليعرفنا

ثم اغمزيه يا اخت فى خفر

قالت لها : قد غمزته فأبى

ثم اسبطرت تشتد فى اثرى

وامثال ذلك كثير في الديوان . .

لندعه ولنمر مرورا سريعا على الشعراء العذريين فنلتقي بجميل الذي عرف بجميل بثينة لفرط حبه لها . . وجميل لم يعشق الا بثينة وقد وقف عليها شعره ومات وهو هائم بها رغم كونها فى ذمة رجل آخر .

اقرأ كتاب الاغاني فستجد قصة جميل فيه كاملة . . وملخصها : أن جميلا احب بثينة ولم يزوجها اياه والدها وظل رغم ذلك هائما بها . . وكانا يتلاقيان . . وكان جميل يبعث احيانا ، صديقه وراويته كثيرا ليأخذ له موعدا من بثينة ، وكان يتحايل على ذلك تحايلا عجيبا . وتزوجت بثينة من رجل آخر ، ولم تنقطع الصلة بينهما . . وأهدر السلطان دم جميل لاهل بثينة ان عاد وزارها . . وفر جميل الى مصر ، ومات هناك وهو لا يزال يشكو تباريح حبه . .

ويروى انه لما بلغ بثينة خبر نعى جميل قالت بيتين من الشعر فى رثائه :

وان سلوى عن جميل لساعة

من الدهر ما حانت ولاحان حينها

سواء علينا يا جميل بن معمر

إذا مت باساء الحياة ولينها

وقصة كثير مع عزة تشبه قصة جميل من حيث المضمون وان كان معظم المؤرخين يؤكدون ان جميلا اصدق حبا من كثير .

اما نصيب ذلك العبد الاسود الذي أوقعه سوء حظه بحب فتاة عربية حرة فكان شعره الغزلي مثالا واضحا للحرمان والبؤس فهو

لن يستطع الحصول على محبوبته لانه لا سبيل لان يكون حرا مثلها . .

واحب قيس . لبني وتزوجها ، وشاءت الاقدار أن يطلقها رضوخا لامر والديه فعاش طول حياته هائما كالمجنون .

فالسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو : الم تكن المرأة في العصر الاموي الا مجرد اداة لجعل الرجل يجود باحسن القول وأسلسه ؛ وانه بفضلها قد وجد فن الغزل كفن . مستقل بعد ان كان عبارة عن ابيات قلية تفتتح بها القصائد ؟ . .

هل كانت المرأة مجرد ملهمة ؟ ام كانت مبدعة ؛ . . هل كان لها رأى فى السياسة والحكم ؟ هل كانت على حظ من وحسن القول ؟ . . هل فى العصر شاعرات نافسن الرجال ودخلن المجالس واستمع اليهن الحكام وكبار الرجال باعجاب وتقدير ؟ . الحق ان المرأة فى العصر الاموي تجمع بين هذه الامور كلها فهى ملهمة وهى مبدعة . . وهي بليغة سريعة البديهة . . ترتجل الكلام ارتجالا فيأتي مثالا للبلاغة والبيان . . كانت تدخل المجالس وتجود بالقول . وتحاج . وتناقش . . وتلقى الشعر . . وتطرب السامعين .

ومن هؤلاء النسوة اخترت ليلى الاخيلية لانها شاعرة واديبة ومتكلمة بليغة ومعشوقة ، مات توبة بن الحمير الشاعر المعروف من حبها . .

يروى ان ليلى دخلت على الحجاج فلما

عرفها طأطأ رأسه اجلالا لها . وسألها ما سبب مجيئها . فقالت . اخلاف النجوم وقلة الغيوم ، وكلب البرد . وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد ، فقال لها : صفي لنا الفجاج ! فقالت : . الفجاج مغيرة والأرض مقشعرة ، والمبرك معتل . وذو العيال مختل ، والهالك للقتل . والناس مسنتون ، رحمة الله يرجون ، أصابتني سنون مجحفة مبلطة ، لم تدع لنا هجعا ولا ربعا ، ولا عافطة ولا نافطة ، أذهبت الاموال . ومزقت الرجال . وأهلك العيال ، ثم اني قلت فى امير المؤمنين قولا قال : هاتي قولك فأنشأت تقول :

احجاج لا يفلل سلاحك انها ال

منايا بكف الله حيث تراها

احجاج لا تعطي العصاة مناهم

ولا الله يعطي للعصاة مناها

إذا هبط الحجاج ارضا مريضة

تتبع اقصى دائها فشفاها

شفاها من الداء العضال الذي بها

غلام ، إذا هز القناة سقاها

سقاها فرواها بشرب سجاله

دهماء رجال حيث مال حشاها

إذا سمع الحجاج رز كتيبة

اعد لها قبل النزول قراها

اعد لها مسمومة فارسية

بايدى رجال يحلبون صداها

فما ولد الابكار والعون مثله

ببحر ولا ارض يجف ثراها

ويروى ان الحجاج لما سمع هذه القصيدة

قال : والله ما اصاب صفتي احد مذ دخلت للعراق غيرها . .

ثم قال لها . حسبك ؛ قالت : اني قد اكثر من ذلك

م اذهب الى فلان فقل له بها . . فذهب فلما احضر الرجل لفتت اليه ليلى قائلة " ثكلتك راد قطع لساني بالصلة . . الحجاج غضبا وهم بقطع لسان ثم قال له : ارددها فلما دخلت . والله يقطع مقولي فأنشات

حجاج انت الذي ما فوقه احد

وذي حاجة قلنا له لا تبح بها

فليس اليها ما حييت سبيل

لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه

وانت لاخرى صاحب وخليل

ومن النساء البليغات اللواتى وفدن على معاوية : سدة بنت عمارة ، وام سنان بنت خيثمة ، وبكارة الهلالية واروى بنت الحارث ابن عبد المطلب ، وام البراء بنت صفوان ودارمية المجونية وغيرهن . . ولن يتسع مجال هذه المقالة لاستعراض ما قالته هؤلاء النسوة . اني سأختار ما قالته بكارة الهلالية وهو مجرد نموذج :

يروى ان بكارة استأذنت على معاوية بن ابي سفيان ، فأذن لها ، وهو يومئذ بالمدينة ، فدخلت عليه ، وكانت امرأة اسنت وعشا بصرها ، وضعفت قوتها ، ترتعش بين خادمين لها . فسلمت وجلست . . فرد عليها معاوية السلام ، وقال : كيف انت يا خالة ؟ قالت : بخير يا امير المؤمنين . قال : غيرك الدهر . . قالت : كذلك هو ذو غير من عاش كبر ، ومن كبر قبر .

قال عمر بن العاص : هي والله القائلة يا امير المؤمنين :

يا زيد دونك فاحتفر من دارنا

سيفا حساما في التراث دفينا

قد كنت ادخره ليوم كريهة

فاليوم ابرزه الزمان مصونا

قال مروان وهي والله القائلة :

اترى ابن هند للخلافة مالكا

هيهات ذاك - وان اراد بعيد

منتك نفسك في الخلاء ضلالة

اغراك عمرو للشقا وسعيد

قال سعيد بن العاص وهي والله القائلة :

لقد كنت اطمع ان اموت ولا أرى

فوق المنابر في أمية خاطبا

فالله اخر مدتى فتطاولت

حتى رأيت من الزمان عجائبا

فى كل يوم للزمان خطيبهم

بين الجميل لآل احمد عائبا

ثم سكت القوت فقالت بكارة : فبحثني كلابك يا امير المؤمنين ، واعتورتني وكثر عجبي ، وعشا بصري وانا والله قائلة ما قالوا ، فلا خير في العيش بعد امير المؤمنين . . فضحك معاوية وقال : ليس يمنعنا ذلك من برك . . وقيل : انه قضى حوائجها وردها الى بلدها .

وهذه مجرد نماذج بسيطة عمن اشتهرن بالشعر والبلاغة والفصاحة والقدرة على المجادلة والمحاجة والشجاعة . ويتبين لنا من ذلك أن المرأة في العصر الاموي لم تكن مجرد ملهمة للشاعر ، وانما كانت مبدعة ، وكانت تبز الرجل أحيانا بالشعر الجيد السلس ، ليس في الغزل فحسب وانما فى المديح ايضا ، وأبرز مثال لذلك

ليلى الاخيلية . ويكفى ان نعلم أن الحجاج ذلك الرجل القوى الصامد المتعالى قد خفض رأسه لها اجلالا ، وانه قد أعجب بها ايما اعجاب ، وانه قد اعترف بأنه ما من احد قد اصاب صفته كما اصابتها ليلى الاخيلية وحكم الحجاج له قيمته ، لان الحجاج كان اديبا متضلعا ومميزا وناقدا للشعر . . إذا عرفنا ذلك ادركنا بسهولة إلى اى مدى وصلت المرأة في هذا العصر من الفصاحة والبلاغة ورقة الشعور . . وانها قد نافست الرجل في كل شئ . وهي واثقة بنفسها ومن مواقفها لا تدافع عن نفسها بالكذب ولا تنكر ما تقول ، ولا تطاطئ رأسها خنوعا لاحد ، وانما هي دائما كالطود الأشم حتى وان كان ذلك الكبرياء يهدد حياتها .

ويكفى ان تطالع كتاب العقد الفريد وبلاغة النساء وجمهرة خطب العرب لترى مدى الجرأة والصمود والبيان الذي تتحلى به المرأة الاموية .

اشترك في نشرتنا البريدية