الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

المنبوة

Share

كان يسعدها ان تكون جميلة يتحدث الشبان عنها كلما اجتمعوا فى بطون الاودية يرعون اغنامهم او يتسابيقون فى المزارع يحصدون . وكثيرا ما يلتقون بها تملأ قلتها من البئر فترعى انظارهم فيما بدا من لحمها . وقد يتغامزون او يبتسمون ، إذا سعى واحد الى صب ماء الدلو فى القلة حتى تفيض فتبتل رجلاها واطراف ردائها .

وكانت " غزالة " بنت اغنى رجل فى المنطقة يرجع اليه المتخاصمون ويستسلفة الفقراء برا الى موسم الحصاد فيبخل وان لم يبخل بيته . وكان اتصال أبيها بارضه وثيقا . اذ قد يرى " مصباح " فى اليوم الواحد مركزا لدائرة من ضيوف وجلساء ثم خلف قطيع له مرض راعيه ، فمتتبعا عروق نجمة لم يعثر عليها الاجير

الا انها - وان ضمها مع الوالد بيت واحد - كثيرا ما تحس بغربة كئيبة تعبر عنها بترنم كالنواح تردده طوايا الجبل كلما بحثت فيها عن الحطب او كلفت بارجاع البقرات الى الحظيرة . لقد ضار أبوها أمها واعرض عنها حتى لم بعد لها دور في البيت غير اعتناء بالمواشى ، فقيل لها " المتروكة " وقد تكتفى احيانا يلحس القدر وبالألوم حذو ابنتها على حصير تنافرت عيدانه ، فتلتف الساق بالساق وتمتزج الانفاس وتنطلق فى سكون الليل زفرات متقطعة تحبس الأم عندها بغصة تكاد تخنقها فتملأ الدموع تجعدات خد بخرت ماء الحياة فيه شمس كاوية .

ونهدت غزالة ، وفاض ماء جمالها ، فبالغت أمها فى ستر مواطن فتنتها حتى البستها قميصين يتحدان لونا وشكلا . وما انفكت توصيها وتحدثها عن بنات منبوذات ضاع منهن الشرف الى ان سكن الخوف كل اهتزاز وتوتر ، واذبل من عناصر الجمال ما تستعين بنت المدينة على تنشيطه بتقصير فستانها ، وتعرية نحرها وتوقيع فى مشيتها ، مع ما تصادف من شتى المثيرات : شباب يزاحمها فى عربة ، ومشاهد من خياله تنفضها نفضا ، وكتاب يسارها بالغرام فلا يتركها تنام . . كل هذا كان بعيدا من " غزالة " . لقد جمعت بين الوداعة والجمال ، ولكن الشعور بالغبن كان يضايقها .

وتلاحقت ايام متشابهة حتى كانت ليلة ظلماء أثغى البرد فيها الشياه ، فتململ " بولوذان " على حصير من الحلفاء اشتراها حال رجوعه من الخدمة العسكرية واتخذها مفرشا فى كوخ تأخذ الريح من سقفه كلما هبت . وتتابعت

فى ذهنه صور من حياة " غزالة " ، وثارت فى العروق دماء الشباب . فاستوى واقفا كالملسوع وتذكر بعضا مما قاله الضابط ايام الجندية عن المغامرة ، فهانت كل صعوبة تخطر بالبال . لقد ارتأى ان يغتصب البنت التى لم ترض به زوجا لانه " فرطاس " الحى الافطس الذى يشبهه الكبير والصغير بالعجل الخائف لان أذنيه تتقوسان الى الامام بشكل غريب غير معهود . ولكن قرابته من " مصباح " هى كل سلاحه ، فهو ابن شقيقته التى برك عليها جمل منذ سنوات فكسر صدرها فآواه خاله ليهتم له بالارض . ولما اشار الناس عليه بتزويجه لم ير اى باس فى ان تكون " غزالة " من نصيبه لان عرسا كهذا لا ياخذ منه مالا والمهر فى الريف للوالد يشترى به الجبة الجريدية اذا كان قد تحصل على ما يملأ المطمورة من حصاده ، والا فالقوت اولى . .

وسار تصفر الريح فى أذنيه العريضتين وقد تمثل قول ضابطه " ليس الجندى انسانا ولا حيوانا " حتى كان عند العتبة ، فألفى الكوخ ساكنا كالقبر لا يملأ العين منه غير الظلام . وخطا وقد أرغم النفس على تخلص من عناصر الانسان فى شىء من قوة ، كثيرا ما يؤكد لاصحابه انها عنوان الرجولة اذ تجعل للضائعين مكانا بين الآخرين . كان يهتم بأفعل دوما ولا ينظر الى قيمته او الى رأى الناس فيه . لان الفعل وحده قادر على ان يلفت الانظار اليه

ودنا متلمسا حتى كانت يده على حلمة بكر يوترها لمس القميص ، فخلا الذهن من كل صورة واحس بأن الاشياء تفر وتتركه مع الرغبة تدفعه ، فلا يبدى شيئا من تمنع .

ونهش الفريسة نهشا وما قدر وما نظر ، فمازج الصياح صفير الرياح . واسرعت الأم تقول خلطا من كلام حتى اذا ما صادفت جرة الخل حذو غرارة . مسكت بها وهشمتها على الرأس الأملس ، فخلقت فيه ذبذبة عطلت سير الاحاسيس الهئجة الشرود ، فانساب " بولوذان " فى الظلام سريعا ثم أقعى كالذئب يلحس خطيئته وقد بدت له تنمو متعاظمة :

وباتت الأم مع ابنتها تتلمسها وتنتحب وصور من الفضيحة تتعاقب فى ذهنها حتى اصبحت فسابق الخبر أشعة الشمس ، وتقاطرت نسوة الحى وفى نفوس الكثيرات حقد يتجدد وتشف يولد . ان أم غزالة لم تمسهن بسوء ، ولكن ضرتها - وهى المتصرفة فى اللبن والسمن وبر البيت - قادرة على ان تؤلب ضدها عشرات من نسوة يترددن على بيتها الكبير يستدررنه ، فلا تبخل الا بما عز لديها .  

و انتهى الخبر الى " مصباح " فبرم شاربيه ، وضرب الارض بعصاه ، ثم هدأ ولم يتحرك . ان كرهه لزوجته العجوز التى ينهال عليها سبا ولكما فلا تريم لضيق السبل جعله لا يحنو على ابنتها ولا يذكرها ، فعجبت لحظها وقنعت به .

وسالت أشعة الاصيل زاهية ، وانتشرت الاغنام ترعى سهولا ناضرة وقد التف " بولوذان " فى برنس يتتبع سيرها ، فتخطى مصباح متثاقلا واستوقفه الشيوخ يصورون له المأساة ويشرحون العواقب فاضطرب وارتعشت شفتاه كعادته عند الغضب ، ثم انطلق مزمجرا يتخبط واقتحم فوهة الكوخ يبحث عن " العاهرة بنت الحرام " فألفاها مندسة بين الغرائر والمزاود ، فهجم عليها يدقها بهراوة حتى نفذت من فوهة أخرى ضيقة فتابعها يتطاير الحصى من تحت اقدامه وأهل الحى ينظرون اليه حتى ادركها فجمع بين رأسها ورجليها والقى بها في سدرة قريبة منه . ثم تأخر لما رأى قطرات من الدم الداكن تسيل على فخذ كمر تحاملت البنت لستره . . وتسابق اليها اطفال كانوا بالقرب منها يتقطون النبق ويمرحون فاقتحم البعض أغصان السدرة ، وشيع الآخرون " مصباحا " بانظارهم ثم راحوا يفسرون الحوادث بمنطق يفهمونه . .  

ومرت الايام وابدل الناس حديثا بحديث ، وشعرت غزالة بان الاهمال يرجعها الى نفسها ، وآمنت بان الآباء مدفوعون الى حب ابنائهم دفعا دون اختيار ، وان في الحياة ما يقوى على قتل حبهم او ما يجعله ضربا من نفاق . .

وجاءت ليلة من شتاء آخر ضم الحى فيها صمت رهيب فقبلت " غزالة " حسن " أمها " الهادىء الساكن ، وتباعدت حتى ضمها الوادى المجاور فمسكت بصخرة تتوجع . لقد جاءها المخاض ، وليس لها الحبل الاحمر تتعلق به لتستنجد بمحمد وعلى . وارتطم وليدها بالارض ، فشعرت بالخلاص وانسابت يتضاءل خلفها الصياح ، فعلت حافة البئر التى طالما ارتوت منها بعدما نقلت كثيرا من ترابها عند حفرها . والتفتت الى اشباح الحي هامدة وشعرت بضآلة الحياة وعبثها ، وتمثلت الفوضى تسود وتقضى على الناس كل القضاء حتى لم يعد فى الحياة سبل سوى . . ولف الصور غموض فتشابكت وتداخلت حتى عريت من كل مفهوم وغاية ، فارتخت " الأم " لتجتاز الحياة ، وكان آخر ما سمعته فيها رجة الماء لما ضمها بعد ان نادت أمها وما ذكرت أباها .

وتعالى الصياح ، وأثير الغبار ، فتجمعت نسوة تكونت منهن دائرة كانت المتروكة " مركزها وردد الجميع على ايقاع الردس

يح بينى يح

وانضمت الارامل يندبن ازواجهن ، والصبايا يمثلن ، وكثيرات غيرهن يداعبن بالأكف خدودهن . أما الأم فقد فلحت خدها ونتفت شعرها ومزقت ما عليها ، حتى طولبت بالكف فكانت تجيب دون التفات الى مخاطبها او من أخافها الموت والهلاك ، ودون افساد للنغمة الاولى

عيش انت يزى

ها هو ربي هلكنى

حتى شئ ما خلى

كان عينه يهزنى

يح بينى يح

ويتواصل دك الارض دكا عنيفا حتى تخور القوى ويعسر الثبات ، فتنبطح متخبطة تتمرغ . . ويتسلل الحديث الى الجالسات حولها ، فتحتضن المرضعات اولادهن وينتشرن يبحثن عما افتقدن من خرق ومتاع .

وبعيدا وقف الاطفال يتحادثون حول " عشاء الميت " ويرسمون خططا بتسلللون بها الى القصاع مع الآباء ليفوزوا بشئ منها .

اشترك في نشرتنا البريدية