ان (( المتصفح (*) للمجلات والكتب التى تصدر فى الغرب منذ سنة 1950 يدرك النزعة العقلية والعلمية التى اجتاحت كافة دواليب التفكير المعاصر ، لا لتحجرها أو تجهز لها قوالب معينة ، بل لتفتح أمامها وامام دارسيها ابواب البحث والتحليل والخلق . فاذا كان علم الاجتماع او فلسفة التاريخ او الرياضيات او فقه اللغة قد شملها التطوير العقلى الواسع بفضل دراسات عميقة ورصينة ، فان الادب والفن ونقدهما قد كانا عرضة لثورة حقيقية ، أتت على مقاييسها القديمة ففندتها وبعثت فى هذه الفنون روحا أخرى تعتمد (( وضع مشكل الخلق فى اطاره التاريخى والنفسانى والفلسفى الراسخ ، مع الايمان بانه مشكل ذو زمان محدد )) .
ولكن يأسف المصنف المعاصر لفقدان هذا العمل الحركى الكبير فى التفكير العربى : فقد أستسلمت نخبتنا الاكاديمية للقوالب البالية مكلفين انفسهم عناء ادخال لغة جديدة فى الفلسفة ، تعتمد اغلب الاحيان دغدغة العواطف الشرقية ، واستعمال الكلمات المجانية الرنانة ، ففقدنا بذلك جوهر الفكر وأصالته ونقاءه وقدمنا أعذارنا : من اننا أمة تقف صامدة فى وجه الفلسفة لسلامة دينها ومناعته ، ناسين عند ذلك ان التفكير الاسلامى بلغ ذروة مجده وتحليله للحياة والمجتمعات على ايدى اقطابه امثال ابن خلدون وواصل بن عطاء والغزالى والجاحظ وابن المقفع .
ولعل ذلك من اختصاص اهل الذكر ، من يحركون السواكن ، ويشرحون علل ركود الفلسفة ، ويقيمون مقاييسنا المعاصرة لوضع تفكيرنا موضع التساؤل ثم الشك ، ثم التحليل ، ثم الارساء والضبط والتدعيم .
وليس مجال المقال مجالا لهذا العرض بقدر ما هو محاولة شخصية لبيان ظاهرة عقلية جديدة ، لعلها اقوى وامتن واحكم الظواهر المتعددة التى تغلغلت الان فى الفكر الغربى و هى ((الهيكيلية (Structuralisme) مع تحليل اصولها وعلاقتها بالعلوم الانسانية .
وقد باشرت دراسة هذا المضمون فى عدة مؤلفات وضعت لهذه الظاهرة
خصيصا او نقدتها او صنفت ضعفها او استدلت بها . مع مراجعة المجلات الفرنسية التى برهنت على قدرتها الفائقة فى دراسة امثال هذه القضايا الجسيمة خدمة للفكر .
وان الصعوبة التى تعترض الدارس لهذه القضايا تتمثل فى اللغة ، فالعربية بقدر ما كانت لغة الفلسفة والمضامين الفكرية العميقة ، اصبحت بسبب القرون المتتالية من الجهل والانحطاط والاستعمار ، لغة التعابير الماورائية ولغة المواضيع الشعرية حيث تخلى عنها العلم وتخلت هى عن الفلسفة فوقع الطلاق بين العصر والعربية ، برغم ان العرب يتحفزون لاقرار المعاصرة بينهم وبين العالم المتحضر .
وقع هذا الطلاق ولا يكفى ان ننفيه لنحل المعضلة ، بل الاعتراف بوجوده هو الخطوة الاولى على درب الالتحاق بالحضارة العقلية الجديدة واخصاب لغتنا بما نمنحه إياها من كسب علمى مضمون وأبعاد فكرية متجددة وحية وقابلة للتحوير والنقد والتطور .
الهيكلية و مشكلة التاريخ :
ان (( الحديث عن التاريخ البشرى كمشكلة )) يوضح لنا ما دخل على هذا العالم )) المجهول الغامض من تفسيرات شتى ، تضعه موضع التساؤل ، ، ولا تقبله كما هو (( عالما )) زاخرا بالاحداث ، نحفظ اسماء ابطاله واقطابه ، ونقف بخشوع على آثاره الباقية نستقى منها ((معنى )) التاريخ . ومن الاكيد ان الهيكلية هى التى وضعت هذا المشكل معتمدة على النظرة الماركسية وفى اكثر الاحيان متبنية هذه النظرة بأكملها مع اضافة عناصر اخرى ساهمت فى تعويض علم التاريخ بعلم الشعوب ( Ethnologie) وقد اعطى المفكر الفرنسى شارل باران مفهوما مقتضبا لعلم الشعوب مقارنا اياه بالتاريخ قائلا : (( ان التاريخ يمثل نتائج الإحداث ويستعرضها ، أما علم (I) الشعوب فهو يحلل العناصر اللاواعيه للحياة الاجتماعية ..))
فهذه العناصر اللاواعية للمجتمعات هى التى تشكل (( الهياكل )) القارة (Structures invaribles) لتطور الشعوب ، وهى التى وقع اهمالها من طرف المؤرخين حسبما يعتقده المفكرون الهيكليون ويجدر بنا ان نعرج على اتفاق وجهات النظر بين النظرة الماركسية والنظرة الهيكلية للتاريخ ، يقول ماركس :
((ان التاريخ بأكمله ليس سوى تغيير مستمر للطبيعة البشرية ))
ويقول أنجلس :
ان الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم ، ولكن لحد الآن دون ارادة )) ( 2 ) جماعية ))
نتبين من خلال الكلمتين ان التاريخ يكتسب طاقة اخرى فعالة لا تكتفى بتسجيل الاحداث بشكل ادبى مكتوب او مدروس حسب الآثار الباقية بل يتعدى ذلك حتى يصبح قوة تغير الطبيعة البشرية وتخلق الارادة الجماعية لصنع المصير .
هذا ما فكر فى ارسائه اقطاب الماركسية كماركس نفسه وأنجلس ، ولكنهما لم يفكرا فى تقسيم التاريخ الى (( هياكل )) بالمفهوم المعاصر لهذه الكلمة انما ألح (( الهيكليون )) امثال كلودليفى ستروس ولوسيان سيبارغ وبيار بورجلان على استخراج كامل عناصر الهيكلية التاريخية من النظرة الماركسة للتاريخ ، حتى جعلوا من هذه النظرة مجموعة رموز تولوا شرحها ، وتحليلها حتى كادت تمحى الفكرة الماركسية وتتحول الى جوهر للهيكلية فى تقييمها للتاريخ . وقد وجد الهيكليون تعليلا لعملهم هذا فى أقوال انجلس الذى يؤكد :
لكى تثرى الماركسية ، يجب أن تتعلم من كل ما يصنع حولها ، ولكن )) دون الخروج عن خطها العقائدى المرسوم )) (3 ) ومن أجل ذلك أعتنق أغلب المفكرين الهيكليين الماركسية وعالجوا القضايا الجسيمة من خلالها ، ولعل ذلك تفنيد منهم لبعض مفكرى الهيكلية الذين رفعوا هذه الفلسفة راية ضد الماركسية نفسها أمثال ميشيل فوكو الذى قال :
"ان الماركسية فى تفكير القرن التاسع عشر مثل السمكة فى الماء ، تتوقف " عن التنفس خارجه)) (4 )
وإذ أن هؤلاء تيقنوا من جسامة الماركسية وتغلغلها فى تفكير القرن العشرين فقد فكروا فى أحتضانها وجعلها طريقة عمل لا تتنافى مع الهيكلية بل تدعمها وتشكل أساسها الاول وينبوعها الاصيل . وبذلك تبلورت فكرة علم الشعوب لتعوض التاريخ ولتجعل منه دافعا من دوافع تغيير الاوضاع الحضارية فكان هذا العلم (L`ethnologie) طريقة بحث وتحليل وطاقة نضالية من أجل خلق مجتمع متطور عادل فى آن واحد ، مما جعل المفكرين الهيكليين ينادون بهذه الطريقة لا لتعوض التاريخ الكلاسيكى فقط بل واساسا لوضع مضمون الفلسفة موضع الانتقاد ، لانهم بدؤوا كأسلافهم الماركسيين بالشك فى جدوى الفلسفة ؛ يقول ماركس :
(( ان الفلسفة قد تأملت فى العالم ، بينما كانت تستطيع ان تغيره ) ويقول دولوز: ((ان الفلسفة هى تاريخ خضوع الانسان)) ((5
فمن الطبيعى اذن أن يشكل علم الشعوب قوة نضالية ملتزمة : زيادة على كونه طريقة دراسة . فاعتمادا على هياكل التاريخ التى يمكن للانسان أن يصنعها أو يوجهها أو يغيرها ، يرى مفكرو الهيكلية أن البشر هم محركو التاريخ وهم بالتالى بناة الحضارة دون تدخل ميتافيزيقى . ويؤكد كلود ليفى ستروس :
( ليس من شئ يفرض علينا ، نحن نستطيع أن نعيد كل شئ )) ( 6 )
وهذه القدرة التى تضعها الهيكلية فى الانسان هى ما اتفق عليه الماركسيون وجعلوها اساسا لكل بحوثهم كما أتخذوها علة لنفى وجود الله . ونلاحظ أن مجموعة هذه الافكار لم يسردها المفكرون المذكورون سردا مجردا بل تناولوا بالدرس عدة شعوب قديمة ( بدائية أو عذراء ) وأوردوا الامثلة التى أوضحت مدى جدوى أفكارهم . وأهم هذه الدراسات ، ما قام به المفكر الفرنسى لوسيان سيباغ عندما أعد بحثا حول شعب (( البويبلو )) الكائن بأمريكا الجنوبية معتمدا خاصة على أساطير هذا الشعب . فنراه فى الصفحات الاخيرة من دراسته يستخلص (( الهياكل التاريخية )) من حياة الخرافة لدى البويبلو ، ويحدد صلة الاساطير بالواقع معرفا اياها بكونها أجوبة على الاسئلة التى لا يجيب عنها الواقع ، ولا يخفى علينا هنا أن (( سيباغ )) يقحم الاديان البدائية فى جملة هذة الاساطير ويؤكد قيمة الحياة الخيالية فى دراسة التاريخ معتبرا أن ذلك هو الكسب الكبير للنظرة الهيكلية للتاريخ البشرى
التاريخ كفلسفة بين الوجودية والهيكلية :
كلنا يعرف أعتبار سارتر للتاريخ ككل متكامل ، نادرا ما يسمح الوجوديون بتجزئته أو تحليله ، حيث أنهم وسارتر فى طليعتهم يعودون بالسلوك البشرى الى الجوهر ( Essence) وهذا الجوهر فى نظرهم لا يتغير ولا يمكن أن يوضع موضع الشك ، ومن خلاله يفسرون التطور الحضارى للبشرية . وذلك ما ينفى (( الهياكل )) . وقد رأت الحياة الفكرية الفرنسية مناقشات ثرية حول موضوع التاريخ بين الوجودية والهيكلية ، تصدى خلالها جمع من المفكرين الى اعطاء صبغة فلسفية لدراسة التاريخ ، فالوجوديون ينفون أهمية (( الهياكل ، وينادون بفاعلية التكامل )) بينما يدعى الهيكليون أن نظرية التكامل لا تستند على الواقع ولعل )) أهم هذه المناقشات ، مقالات حاولت أن توفق بين الوجودية والهيكلية ، نشر بعضها فى الازمنة الحديثة les temps modernes بامضاء ((نيكولاس بولانتزاس )) (7) الذى أقر أن الفكرتين غير متناقضتين ، مؤكدا أن ما يجمعهما على خط واحد هو انتماؤهما أساسا الى الينبوع الماركسى ونظرتهما المتشابهة الى فلسفة هيجل وذكر الكاتب قراءه بأن فكرة التكامل لم ترد فى كتابات سارتر كجوهر قار
بل ان سارتر يعتبر التكامل ذا كينونة وهمية لا يتحقق الا فى الخيال . ويضع لنا بولا نتزاس خطين متوازيين بين تفكيرى سارتر من جهة وكلود ليفى ستروس من جهة أخرى .
وتجدر الاشارة فى هذا الصدد أيضا الى مقال قيم كتبه روجى فارودى (8) صاحب كتاب (( ماركسية القرن العشرين )) الذى اعتبر منعرجا فى التحليل الماركسى للحضارة المعاصرة . وقام فارودى بنفس المحاولة لشرح النظريتين الماركسية والهيكلية للتاريخ كفلسفة ، حيث بدأ مقاله بأعتبار الطريقة الهيكلية كفترة نسبية من فترات البحث ، ولعلها اخصب وأعدل فتراته ، مؤكدا أنها لا تنفى الفترات الاخرى خاصة الفترة التى تتجاوز الهيكل الى الحركية الانسانية المتولدة عن هذا الهيكل . ومن هنا نلمس موضوعية نظرة فارودى للهيكلية كطريقة للبحث . ( methode recherche de ) ثم يقول :
(( ان فلسفات الوجود كانت عاجزة عن اقامة العلوم الانسانية )) مشيرا بذلك الى التحليل المتافيزيقى والمجرد الذى كرست له الوجودية دواليبها كلها ، غير عابئة فى أغلب الاحيان بالتأسيس التاريخى والتركيز الاجتماعى والنفسى والحضارى لفلسفتها . وينتقد ((فارودى )) ميشيل فوكو قائلا :
(( ان فوكو كان عاجزا عن تأسيس التاريخ عقائديا ، كما عجز عن ابراز جدوى الحياة المناضلة )) .
هكذا يعتقد فارودى أن الوجودية والهيكلية بمفهومها التقليدى كانتا رهينتى التجريد الفكرى للانسان والتاريخ ، حيث لم تقيما وزنا للمضامين الاجتماعية والاقتصادية . ولا يعتبر فارودى تبنى الماركسية حلا موفقا بل يقترح توضيح النظرة الماركسية وجعلها متماشية مع العصر الحديث . ونعتقد أنه من المفيد أن نورد رأى فارودى الذى وضع الانسان فى اطاره الحقيقى ( حسب الكاتب ) حيث يرى أن الانسان كان عرضة لثلاث عمليات جردته من قيمته الفعلية ، وهذه العمليات هى :
1) عملية كونية (cosmologique) اكد لنا كوبرنيك ان الانسان وأرضه ما هو الا ذرة مجهولة غابرة فى متاهات الاكوان .
2) عملية حياتية (biologique) اوضح لنا داروين ان التاريخ البشرى وما قبله ما هو الا فصل أو حلقة من ملايين الحلقات التى تشكل التطور الطبيعى .
(3) عملية نفسية تحليلية (Psychanalytique) دلل لنا فرويد على أن الانسان الذى يعتبر مسؤولا عن أفعاله صانعا لمصيره ما هو الا نتيجة لرغبات بدائية كامنة فى اعماق نفسه .
وفى خلاصة مقاله ، يتعرض فارودى كسلفه الى التوفيق بين الفلسفتين الوجودية والهيكلية ، مستعملا أداة أخرى تفرد بها وهى ((الحرية )) فى الفلسفتين وما تعطيانها معا من طاقة خلاقة تضمن أنفصال عالم (( الهيكل )) المقرر مسبقا من طرف الماضى عن عالم (( الحرية )) الذي يتحرك بمقتضاه الانسان بطلاقة ووعى ومسؤولية .
ونلاحظ أن فارودى فى مقال ثان رد به على أحد نقاد كتابه (( ماركسية القرن العشرين )) ينفى أن تكون الهيكلية فلسفة متكاملة بل يمنحها صفة أداة للبحث العلمى : ( instrument de recherche scientifique )
ونشير فى هذا الصدد الى بعض الانتقادات التى صنفها معارضو هذه النظرة الجديدة للتاريخ وأستعرضها ((جون بيون )) (9) ورد عليها وأهمها تقول أن الهيكلية لا ترى فى التاريخ الا وهما .
وتصدى سارتر الى نقد فوكو فذكر بعض الاخطاء فى الهيكلية حيث تعجز عن ضبط دور الاحداث الكبيرة فى التاريخ وتحديدها ويضرب سارتر مثلا لذلك فى الثورة الفرنسية التى لم يذكر فوكو مسؤوليتها فى الانتقال من فترة 1775 الى فترة 1795 ، وهذا الانتقال هو (( الهيكل )) فى لغة فوكو .
ومن هؤلاء ايضا نذكر (( ميردوك )) الذى اقترح ان يعوض عنصر الهيكل العقيم حسب تعبير ميردوك ) بعنصر دراسة القضايا الذى يسمح بوضع ) الانسان ضمن التطور المادى والبيولوجى ، ووضع المجتمع ضمن الثقافة ، الثقافة ضمن التاريخ ، والتاريخ ضمن الانسانية . ومهما يكن من امر هذه المناقشات ، فقد واجهت التاريخ كمشكل ، وأجابت على عديد من الاسئلة ذلك أننا ، دون ان ننحاز الى العقائد التى ( dialectique ) بصفة جدلية يحاولون دراستها وفرضها ، نسجل عمق التحليل الذى لا يكتفى بالتحديق فى التاريخ ، بل يرسم نقط استفهام كثيرة حول مساهمة العقل الانسانى فى صنع التاريخ ، والغاية من دراسة التاريخ ، ورسالة المفكر فى المجتمع والحضارة ، ودور الاساطير فى بلورة الواقع ، وتحديد مسؤولية العلوم الانسانية فى توجيه الشعوب . ونحن نأسف لعدم أعتماد هؤلاء المفكرين على مؤلفات ابن خلدون وقد اقر العالم انه الباعث الاول لفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع . وخاصة فيما يتعلق بنمو المجتمعات ، ونصوص ابن خلدون مترجمة يمكن لهم أن يعودوا اليها ،
وسنحاول تخصيص فصل من فصول دراسة الهيكلية لابن خلدون ولبعض المفكرين العرب لما نعتقده فى هؤلاء من سبق لميدان التحديق فى الحضارة البشرية ، ولعلنا نجد لهم الاعذار عائدين على أنفسنا باللوم ، لاننا أحرى بدراسة أجدادنا وأقرب لفهم معطياتهم وابعادهم .
الهيكلية المحسوسة فى العلوم العقلية :
اذا كانت (( هياكل )) التاريخ مجردة لانها لا تظهر فى الواقع بل تعمل عملها فى صمت غير بادية للعيان ، فان (( هياكل )) الرياضيات مثلا تعد محسوسة ، بوسع المرء أن يتأمل حركتها ، فهى تتوسط المعادلات لتغيرها وتبحث عن الحقيقة فيها ، أو كما قال نويل مولود ( 10 ) عن (( الشكل )) فالمعطيات الرياضية ( enonce) كمادة خام تمثل التجريد للواقع ، بينما تهدف (( الهياكل )) التى يخلقها الانسان الى وضع شكل معين لهذا التجريد . أعنى ارساء حقيقة معلومة يقبلها المنطق لتلك المعطيات . وما العملية الجبرية الضئيلة الا رمز لاجسم القضايا الفكرية التى جابهتنا بها الطبيعة ، أولا فى لغزها ، ثانيا فى تجردها عن الشكل الواضح ، ثالثا فى حاجتها الى (( الهياكل )) كطريقة لحلها . وقد لخص ليفى ستروس هذا التوازى بقوله أن المرور من زمن تاريخى الى آخر هو بمثابة المرور من معادلة جبرية الى اخرى فى نفس العملية .
وبناء على هذا التوازى ، أتخذت الهيكلية الحديثة من العلوم العقلية مصدرا من مصادرها القديمة حيث أنها اولى العلوم التى وضعت الانسان أمام لغز الطبيعة ولغة الشكل . هذا ويعتبر نويل مولود أن أتحاد الهيكلية والرياضيات هو على هذا الصعيد أعنى البحث عن الشكل فيقول :
" ان رجل الرياضيات يواصل رسالته النظرية التى تهدف الى استئصال )) ) من الهياكل ، ورسالته العملية التى تهدف الىcactere formel ) طابع شكلى اعطاء الاشكال الرمزية تطبيقات ثرية . فهو اذن يتجه بفضل هذه الدراسة ( Contenu الثنائية الى الشكل و الى المضمون (
وينتقد نويل مولود بعض مفكرى الهيكلية الذين حجروا هذه الفلسفة وجمدوها بأن وضعوا لها القوالب الجاهزة ذاكرا أن ذلك يوقعها فى الرتابة واللاجدوى ، كما ألح على التقاء النظرية الهيكلية العقلية بنظرية النسبية قائلا فى هذا الصدد :
(( ان العلوم الهيكلية ترفض الشروط الواهية والمتعصبة ، لانها تصل دائما الى نتائج نسبية وقابلة للتطوير .))
ولعل الجديد فى عرض نويل مولود القيم ، هو اعتباره للهيكلية بنتا للعلوم العقلية من جهة ، وغير جامدة او متحجرة ، ثم قابلة للتكامل مع العلوم الاخرى . بقطع النظر عن أنها لا تعيش ولا تنمو فى معزل عن هذا التكامل من جهة ثانية ، كما ان نويل مولود يمنح للهيكلية العقلية طابع الجدل مشيرا الى غرضها الاول المتمثل فى (( الهيكلية)) (structuration) الطبيعة وعلاقة الانسان بها ، بفضل دواليب تتكامل ولا تنعزل.
مشكلة خلق الانسان :
ان اختلاف الآراء ، وتشعب طرق التفسير فى مشكلة خلق الانسان ، دفعت مفكرى الهيكلية الى ابداء عدة ملاحظات جرئية وعميقة فى هذا الموضوع . ذلك ان المشكلة رغم قدمها ورتابتها ، لم تبت فيها الاديان بما صنفته من حلول أسطورية لا يقبلها العلم ، كما لم تبت فيها العلوم لفقدان الجانب الروحي مما يجلب لها سخط الشعوب وعدم رضاها . ونعتقد انه ليس من مشكل أحدث الطلاق بين العلم والدين بمثل هذه الضروة وهذا الاستمرار ، ومن المفيد أن نذكر محاكمة العالم الامريكى : ((ستوكس )) الذى درس نظرية دروين لتلامذته ، وقانون السلطات الالمانية سنه 1879 الذى تحجر بمقتضاه تدريس كل العلوم البيولوجية ، وعدم الاحتفال سنة 1961 فى فرنسا بالذكرى المائوية لصدور كتاب (( اصل الاجناس )) لدروين . نلاحظ اذن أن المشكل يبلغ الحدة والقسوة الجديرتين بمثل هذا المفهوم المتناقض لاجل الجنس البشرى ، ذلك لانه لا يقع الانسان فقط موضع الشك ، بل كل أديانه وآلهته وفلسفاته ومعتقداته وآدابه وفنونه وتاريخه .
ما من شك فى أن المفكرين الهيكليين يؤمنون بنظرية (( الخلق التلقائى )) للطبيعة والانسان ، وهم يختلفون عن اسلافهم الوجوديين كسارتر والعبثيين ككامو الذين يعللون نظرياتهم بقيم الفلسفة المجردة ، قائلين أن العبث واللامعنى بكتنفان الوجود ويغلفان قلب الانسان وبالتالى يشعرانه بأنه صدفة وجد على الارض ، وغلطا نشأ عليها وعبثا يموت وبدون موجب . هذا أساسا ما قاد الوجودين والعبثيين الى نظرياتهم ، ونحن نعتقد أن ما تركته الحرب بعد نهايتها زاد فى شحن فلسفتهم بالقتامة ، مما جعلها اشبه برد الفعل . ولكن الهيكليين نشؤوا على أنقاض هذه الفلسفة وجابهوا عالما تفتحت فيه أبواب الفضاء والغيب ولم تكد تبقى فيه عراقيل وهمية تعطل سير التفكير.
يعتقد فوكو ان ((البيولوجيا)) ((بمفومها التطورى )) (evolutionniste ) لم تولد الا فى القرن التاسع عشر على يد دروين وباستور ، ويعطى فوكو رأيه فى هذا المشكل فيربط الصلة بين حركة الطبيعة التى تنمو وتتغير وتمحى
وحركة الجنس الذى يتطور ، مؤكدا ان الحركتين متكاملتان فى اتجاه واحد . ونذكر فى هذا الصدد ما أضافه بعض مفكرى ، (( الهيكلية التطورية )) لاعمال أسلافهم هاردى ووينبرغ وهيكل ، ذلك أنهم وضعوا التفكير التطورى العلمى ضمن مناخ فلسفى يحدد ابعاده ويعطيه طاقة الخلق والابداع بمعزل عن مخاوف التحجر الاسطورى أو الوهمى السائد . ويشير فوكو أن كل المعارف تمر بمرحلتين : مرحلة الولادة ومرحلة التكوين ، ويضع فوكو الانسان ضمن هذه العناصر ، معتقدا أن هذا الانسان قد أكتملت نشأته (( بصفة هيكلية )) فى القرن التاسع عشر ، حيث عرف أصله وفلسفته وعلل تاريخه و (( هياكل )) علومه ومعارفه ، فأصبح بذلك كامل النمو وفى الصورة الانسانية الحالية (II)
والشئ الجديد أيضا هو تسليم هؤلاء المفكرين بأن علماء البيولوجيا المحدثين كانوا باختيارهم وبوعيهم فلاسفة ( 12) ولعله من المفيد أن نشير الى أتفاق الهيكلية مع النظرة الماركسية لمشكل خلق الانسان ويبدو ذلك خاصة فى قول أنجلس بأن المفهوم الجدلى للتطور يتفق أصلا مع المفهوم الجديد للماركسية ( 13 )
موقف الهيكلية من علم النفس التحليلى :
يعتبر الهيكليون أن الثورة التى أحدثها فرويد باكتشافه لعالم (( اللاوعى )) ما هى الا الخطوة الاولى فى وضع الانسان ضمن حقائقه النفسية والاجتماعية والتاريخية . وقد بدأ هؤلاء بانتقاد القوالب النظرية التى جمدت علم النفس التحليل وجعلته يرزح تحت وطأة المناقصات التى لا يرتضيها له فرويد نفسه . كما أنهم نبذوا التحليلات التى وردت بعد فرويد . ونعتقد أن أعمال الهيكليين أمثال (( لاكان )) (( لويس التيسار )) و (( ودوسوسير )) فى هذا المضمار كانت تعميقا لنظريات فرويد ، باضافة عناصر هامة جدا ربطت هذا العلم بالحياة الاجتماعية وتطورات التاريخ وغير ذلك من العلوم الانسانية . وأهم ما جاء فى اعمالهم هو اعتبار (( اللاوعى)) مظهرا من مظاهر العالم النفسى الكامل ، أو هو يمثل تفسيرا لهذا العالم ( 14 ) ثم انهم أتفقوا على الاهتمام بثنائية (( الفرد - المجتمع )) التى لم تكن محط دراسة من سبقهم ، ولها ينسبون نشأة (( الانا )). ثم هم يعتبرون أن هذا (( الانا )) ما هو الا نتيجة وهمية ، أو عارض مرضى يدافع عن نفسه ليعيش )) كما قال (( جون دييشون)) .
هذا وقد بلغت هذه التحليلات ذروتها عند (( لا كان )) الذى قام بعملية لشرح (( اللاوعى )) نلخصها فيما يلى :
(( بما أن الطبيب النفسانى يعالج المصاب بالكلام ، فهو يخاطبه ، ونرى
هذه المخاطبة تؤثر فى قوى كبيرة داخلية ، فتقهرها وتغيرها . اذن فاللاوعى هو قطعا لغة من اللغات ، وليس عالما منعزلا نترجمه بلغتنا ))
وراح بعد ذلك جون دييشون يضع لهذه اللغة نحوا هيكليا مثلما يفعل النحويون والفقهيون للغات تماما أعتمادا كما قلنا على أن اللاوعى لغة تحمل كلماتها وحروفها ومفاهيمها وعلى أن الهيكلية ترى فى (( الانا )) عالما وهميا يبنيه الانسان وينغلق فيه خوفا من الاخطار الاجتماعية ولجوءا للغرائز ((الاوديبية )) والطفولية التى لعبت دورها الهام فى اقرار وتشييد هذا الوهم المسمى (( أنا )) .
ونرى أن نذكر فى خلاصة هذه الفقرة كلمة قالها المفكر الهيكلى لوسيان سيباغ فى تعريفه العام للوجود البشرى حيث قال :
(( ان المجتمع يحكم من طرف هياكل اقتصادية ، كما يحكم الفرد من طرف هياكل اللاوعى . . (( فتصميم هذه الهياكل التى تملى مسيرة التاريخ من جهة وتملى سلوك الافراد من جهة أخرى ، ثم شرحها وتحليلها وضبطها فى لغة علمية هى التى جعلت آراء مفكرى الهيكلية تمتاز بالجدة والجدية وتنمو فى البحوث التى تلتها حيث أصبحت من مصادر علماء النفس الاولى . وخاصة للتعرف على مواضع الانتقال من الوعى الى اللاوعى ، أى التعرف على (( الهيكل )) .
النقد الادبى ومفهومه لدى الهيكلية :
يجب قبل كل شئ أن نعرف أن نقد الاعمال الادبية لدى الهيكلين يتجاوز المضمون المتعارف للنقد التقليدى ، وقد كان محاولة لفهم هذه الاعمال وابداء رأى شخصى فى محتواها ، أما الهيكلية فتجعل من النقد طريقة بحث حضارية عن مدى أستيعاب الاديب لمشاكل وقضايا عصره ، ومدى تعبيره عن هذه المشاكل والقضايا . ويجد الهيكليون ضالتهم فى الناقد النمساوى (( ليوسبيتزر )) المولود بفينا سنة 1887 ، وقد تولى تدريس اللغة الالمانية والادب بجامعتى ماربورغ وكولونيا سنة 1930 كما درس نفس المواد بجامعتى اسطمبول وبالتيمور ، وتوفى بايطاليا سنة 1960 . وأضاف سبيتزر الى النقد اشياء هامة هى . أولا : أهمية الدراسة النفسية والاجتماعية للقالب اللغوي ، وثانيا ضرورة اعتبار المنتج يعيش زمنين : زمنه الداخلى الخاص وزمن الحضارة التى ينتمى اليها ( 15 ) . وثالثا النظر الى كل عمل ادبى بأ باعتباره وحدة موضوعية والنظر الى كل منتج باعتباره انسانا مستقلا فكريا . ورابعا : تقدير عنصر القارىء بحدسه وثقافته ، وذلك من شأنه أن يمنح العمل الادبى اكتماله وتأثيره .
ويهتم سبيتزر من جهة أخرى بما يسميه هو نفسه (( حقيقة الخلق الفكرى ))
ويروح يستأصل هذه الحقيقة من الاعمال التى تناولها بالنقد ، اعتمادا ، على العناصر التى ذكرناها .
ولا نشك فى أن مصنف النقد الهيكلى بمعناه الجديد هو الناقد الفرنسى (( هنرى ويبر )) الذى يضع جملة نظرياته ويطبقها لدى سلفه سبيتزر ، ثم يحوصلها فى مجموعة مبادئ أهمها (16) :
(( ان النص الادبى فى مفهوم الهيكلية ، هو ملتقى طرق السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع وفقه اللغة وتاريخ الافكار.))
ولاعطاء صورة أوضح ، نرى أن نذكر فى هذا المساق دراسة نقدية قام بها ديديى أنزيو( Didier anzieu ) فى مجلة ( الازمنة الحديثة اكتوبر65 ) حول روايات الان روب غريى ( Alain Robbe Grillet ) نعدها نحن من النقد الهيكلى حسب مفهوم ويبير ، حيث ان الناقد حلل كل رواية على حدة ، مستخرجا ما فيها من روح المؤلف وقضايا العصر ، ثم راسما خطا تحليليا لكل الروايات يوحد بينها ، ويجعلها أصيلة بحق ، توضح معالم شخصية روب غريى . فنكاد نعتقد نحن القراء أن هناك بطلا مجهول الهوية يظهر عبر كل الروايات ، ويحاول فرض ذاته ، والبحث عن أصله ، وتحقيق وجوده على صعيد الميلاد أو القتل ( وهما سبيلان متشابهان للتعبير عن التأزم ) . وبصرف النظر عن العنصر الاوديببى الذى رآه الناقد فى كل أشخاص الروايات ، مما جعله يجهد نفسه فى تحويل الاشخاص الى أطفال يتحركون حسب خط نفسى مرسوم ، فنحن نرى أن الطريقة التى اتبعها أنزيو هيكلية باعتبار أنه اهتم بالعناصر النفسية والاجتماعية والاقتصادية وتاريخ الافكار فى أعمال الروائى الفرنسى ، ثم انه اعتمد التعبير اللغوى طاقة حية من الحالات النفسية للكاتب ، ووضع نفسه أخيرا فى مكان القارئ حيث استعمل حدسه وتخمينه وثقافته فى فتح الابواب الموصدة من هذا الادب الرائع .
ولمزيد الدقة فى موضوع النقد ، نورد تعليقا على مقال نقدى كتب الفرنسى رينى بالى ( Rene Ballet ) حول الرواية البوليسية سماه ((هياكل الرواية البوليسية )) حلل فيه ظاهرة اقبال الجمهور على هذا النوع من الادب ، وشرح هذه ، (( الهياكل )) على ضوء العلاقات الاجتماعية السائدة فى الغرب . يقول بالى :
(( ان سبب اقبال الجمهور على الرواية البوليسية يعود الى ان هياكلها تضارع الهياكل الاجتماعية . فالرواية البوليسية هى منوال مصغر وحقيقى للعلاقات الاجتماعية )) .
ويتحدث بالى بعد ذلك عن العلاقة الثنائية الخالدة التى تصل الشعب بالسلطة فيشبهها بعلاقة اللصوص بالمجتمع الاقطاعى . مؤكدا أن ابطال الادب البوليسى يقتلون من أجل أن يعيشوا تماما كاى انسان ، ولكن باكثر حدة تستهوى القارئ بمطابقتها للواقع المعاش داخل الدغل الحضارى المعقد . و يتعمق بالى أكثر فى موضوعه الشيق ، فيورد رأى أنتونيو غرامسكى الذى يقول :
((ان الروايات البوليسية المصورة بالنسبة لرجل الشعب ، هى بمثابة حلم اليقظة ، ومطالعتها هي نتيجة لمركب نقص اجتماعى ، ذلك يعنى أن قارئ هذه الروايات يحلم بفكرة الانتقام ، وعقاب المجرمين للذنوب التى ارتكبوها والتى يرزح تحتها القارئ بصورة غير مباشرة )) .
ونلاحظ هنا صلة هذا النقد الهيكلى بآراء فرويد فى نظرية التعويض وحلم اليقظة وارادة القتل من أجل البقاء . ويدعم بالى نظريته هذه بمثال الادب الشعبى الايطالى الذى كان يتغنى ببطولة قطاع الطرق للتدهور الاجتماعى الذى كانت تعانيه ايطاليا فى القرن الماضى .
ابعاد الفن فى نظر الهيكلية :
لعل الهيكلية ، بعد تحديقها فى علوم الانسان ومشاكل تطور هياكله العقلية والعاطفية ، اتخذت من الفن مصبا لكل ذلك ، ومرآة تنعكس على صفحتها العذراء اماله وأمانيه ، لا الذاتية الضيقة فحسب ، بل على صعيد الانسانية جمعاء . وكالنقاد ، يجد نقاد الانتاج الفنى فى (( فرانكاستال )) أجدر من أدخل عنصر (( الهيكل )) فى نقد الرسم ، وأعطاه الابعاد التى يراها له الهيكليون فى مؤلفاته العديدة التى تذكر منها : (( الواقع المرسوم )) و (( أشكال الفن وأشكال الفكر )) و (( الرسم والمجتمع )) ونتأمل معا بعض نظريات فرانكاستال فى الفن ، لنستشف معا هذا المضمون الخصب الذى يمنح للخلق الفنى على يديه . يرى فرانكاستال أن الفن حركة ، انجاز ، فعل وليس حلما ، ويرى أيضا أن الفنان لم يعد يصف أو يعكس ، بل اصبح يريد أن يغير . ثم ان فرانكاستال لا يعطينا أمثال هذه الافكار النبيلة بسطحيه المنادين بالالتزام ، بل بناء على تقدير عميق لرسالة الفن ، وبناء على الطاقات الخالدة الكامنة فى العمل الفنى ، التى تستطيع ان تصنع مصيرا افضل وأعدل للانسان وبعد أن يحدد فرانكاستال موقفه من العالم حوله ، يجد ان الوجود يفرض على الانسان ضربا من ضروب العبث واللامعنى ، فيرى فى الفن خلاصه الاوحد ، ويقول :
(( ان رسالة الفن تتمثل فى اعطاء شكل ووزن للكون ، ان العمل الفنى نظام فى حد ذاته . . )) (17) .
ونذكر فى هذا الصدد أيضا بعض الخواطر التى أوردها الناقد الفنى سيرج بيروتينو الذى لخص (( الهياكل )) التى يمكن أن نجدها فى العمل الفنى قائلا أنها تتركب من عناصر ثلاث : المحسوس والواقع والخيالى . ويشرح هذه النظرية مؤكدا أن : الفن يهدف الى خلق عوالم خيالية لا تنفى الواقع ، بل تمثل بالعكس تجاوزا ، لانها تحمل فى طياتها اختيارا انسانيا . . )) .
ويضرب لنا بيروتينو مثلا فى فن بيكاسو فيقول :
(( ان ما يضمن لنا فهم لوحة من لوحات بيكاسو ، ليس يسر الرسم أو طريقة التلوين ، ولكنه فهم (( الهيكل )) الذى يوحد بين العناصر التى ساهمت فى اللوحة )) .
وهكذا نلمس من خلال آراء الهيكليين توضيحا لمشاكل الانتاج الفنى الانسانى وشحنا لهذا الانتاج بما يعتقدونه من طاقة عملية قادرة على ان تؤثر، وتمس المشاعر وبالتالى تحول مسيرة التاريخ وتوجهه نحو الافضل والاسمى اعتمادا على ما فى الانسان من غرائز وعواطف وما له من امكانيات ودوافع . ويكفيهم فخرا انهم درسوا العمل الادبى كما تدرس أية حركة اصلاحية قيمة فى ميدان تقدم الانسان .
قضايا الانسان والهياكل :
بعد صدور كتاب (( الانتروبولوجيا السياسية ))لجورج بالنديى ،( Georges Bandier) اتضح أن طريقة البحث الهيكلية اجتاحت كافة العلوم الانسانية فربطتها بالواقع ، ونفت عنها الاشكال البالية والقوالب القديمة . زيادة على دخولها ميدان فقه اللغة حيث أعتبر الهيكليون أن اللغة جسم حى يولد وينمو ويفنى مع الحضارات كما نحلت الهيكلية ميدان الموسيقى فحددت الرسالة المنغمة التى يبلغها الفنان للجمهور . وأعتبر جورج بالنديى أن السياسة يمكن أن نمنحها أستقلالها كهيكل يساهم فى توجيه التاريخ ، وليس فقط نتيجة للعوامل الاقتصادية والجغرافية والحضارية الاخرى .
هكذا نخلص للقول أن الهيكلية كطريقة بحث علمى رصين ، أثبتت لا محالة جدواها وجدة عناصرها وينابيعها ، فهى التى أعادت للعلوم الانسانية وزنها بعد أن ظن الناس أن العلم والتقنية لم يعودا يؤمنان بالانسان جوهرا اصيلا لبناء الحضارة . ذلك أن التقدم التقنى فى نظرنا الخاص بعدما نبذ الماوراء وتعرف على مغالق الامور والغاز الوجود ، عاد من جديد ليضيع أمامه ماوراء آخر لعله اشد حدة واعمق أثرا . عاد هذا التقدم الذى كان ينوى رفع الانسان
على عرشه ، عاد ليتجاوز الانسان ، ويستحق حريته وجوهره الاصيل . . فأمن ان العجلة الاقتصادية العملاقة لا ترحم ، بل تدور دوراتها الساحقة الجامدة ، وجعل من هذه العجلة إلاها جديدا عوض إلاله القديم في شكل دينى آخر . ثم جاءت الهيكلية كطريقة بحث ، فأعادت للانسان ( الفرد والمجموعة ) رسالته فى تشييد هرم حضارته وتاريخه ، مع نفى التفاؤل المجانى ، ووضع شروط جسيمة لتحمل هذه الرسالة . ونرى أنه رغم حداثة هذه النظرة وقلة ما كتب عنها وفيها ، فهى تشكل أداة عمل ، وتحليل وتنقيب وبحث فى الحقيقة ككل اداة اكتشفها الانسان ، لكنها تصل لطور الشمول الفلسفى لا بما حوته من مواضيع ولا بما واجهته من قضايا خطيرة ، ولكن وأبعد من ذلك بايمانها بأن الانسان هو المحور الرئيسى للحضارة ، ومن هنا يجب أن يمنح فرصته فى تغيير وجهة هذه الحضارة ، نحو الافضل والاجمل والاصدق .
