الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

(الوفاء)، قصة من وحي الصحراء, لمحات عن الأدب الشعبى, " بلاد زهران "

Share

" الحلقة الثانية "

نهض الشيخ " غالب " من مضجعه الى الأشباح التى رآها في الغسق ، ولأول مرة دهش بما رأى . . انه لم يصدق عينيه المقرحتين من السهر عندما أبصرتا أعز انسان عليه ، انه رفيق صباه وأنيس وحدته في الصغر الشيخ " ثابت " ابن جارهم القديم . . حقا لقد أتعب راحلته أياما في سبيل العثور عليه ورؤيته . انه منذ ذلك اليوم الذى توفي فيه والده لم يعلم بجهته والى أى مربع من مرابع العشب وشعاب الصحراء كان مسيره . . وحارت في عين كل منهما دموع ترقرقت كزئبق في معدن لا تجرؤ أن تسيل لاختلاط فرحة اللقاء بالدموع ، وتعانق الرجلان عناق الاخوة الاشقاء ، وطفح قلب الشيخ " غالب " فرحا وسرورا . . وغالى فى اكرام ضيفه وزوجه وابنتيه حينما رآهم وقد ارتدوا ثيابا رثة ظهر منها أن الدهر قد وضعهم بين فكيه . . فضاقت بهم الارض بما رحبت ، وانتقمت السنون من

مواشهم وأبدلت حالهم من الغنى الى الفقر ومن العز الى الذل والهوان . وما أكثر ما ينبذ الناس فقراءهم ، الذين كانوا أغنياء .

استيقظ أهل الحى جميعا ومنهم أبناء الشيخ الثلاثة الذين حيوا ضيفهم وأهله وبالغ هؤلاء الثلاثة أيضا فى اكرامهم وخدمتهم ، الا أن والدهم الشيخ " غالبا " لم يدخر وسعا في محاولة اعادة ضيفه وجاره الى غناه القديم حيث ناصفه ماله ، واقتطع له نصف بيته الكبير الذى توسط بيوت الحي وكأنه علم شاهق بين مجموعة من السلاسل الجبلية والتلال المبعثرة . .

ودار الزمن احدى دوراته ومرت الايام تباعا ، وعلم الود والاخاء والصداقة يرفرف بالصداقة العميقة مع نبضات القلوب دونما توقف أو تراجع . . تلك الصداقة التى لم يصدأ ترابها لى مر السنين والايام .

وفي الليالي المقمرة من مساء كل يوم كان يطيب الهما السمر ، فيقص كل منهما قصته على صديقه خلال أعوامه التى امضاها دون رؤية الآخر ، ويطول السمر ويعذوذب الحديث ، فما أجمل أحاديث العقلاء الاصدقاء ، عندما تصافح الأذان وتقلب صفحات الماضى الملىء بالبطولات والأعاجيب .

مرت سبعة أعوام بعد مجيء الشيخ " ثابت " بأهله الى الحي وزادت ثروته ونمت ماشيته وعاد كما كان من قبل في الغنى والسعة . وأصبح من ذوى الشهرة والصيت بين كافة أفراد تلك القبيلة .

وفي ليلة من ليالي الخريف كانت الجوزاء تطل من على قمة عالية ، تتوهج فترسل أشعة باسمة على تلك الربوة أتت احدى بنات الشيخ " ثابت " الى أبيها مكدرة الخاطر باكية العينين . . أتت الى أبيها بوجه قد

علاه شحوب الخجل شاكية اليه أصغر أبناء جارهم لمضايقته اياها في ذلك اليوم . . انه الابن الأصغر الذي قد وضع الجهل على رأسه علمه وركب هواه دون علم أبي أبيه . . انهمرت عيون الفتاة بالبكاء أمام أبيها وهو يهدئ من روعها فتردد : انه في كل يوم بضايقني ولن استطيع مقاومته . لقد وقف لى كذئب مفترس يتحين فرض الهجوم .

صرف الوالد ابنته وقلبه يكاد يتقطع من الغيظ على ذلك الشاب الماجن " وهم بأمر ولكن تقدير جاره له وتوسعته عليه وفضله كان يمانعه في كل لحظة . . بل وفي كل همسة يهمس بها فى أذن امرأته التى قد نصحته بعدم مكاشفة الشيخ بالحقيقة واطلاعة على الامر لئلا يفتك بأعز ابن لديه . . وأتت البنت مرات ومرات تشتكى لأبيها وتطلعه على الأمر . . وأخيرا التصق الصبر بصفات ملساء فى نفس الرجل ولم يعد يطيق تلك الحياة التى يرى فيها كرامته توشك أن تداس بالأقدام . . وقلب الامر على شتى أوجهه فاختار خير الأمرين وأسلمهما ألا وهو " الرحيل " . . لئلا يحدث ما لا تحمد عقباه في حي أحب اليه من نفسه .

وفي هجير أحد الايام كانت الشمس تتربع وسط السماء فترسل لهبا على الصخور المتوهجة لتموه بسرابها كل مغرور جاهل بمعرفة حيلها استأذن الشيخ " ثابت " من جاره الصديق المنعم عليه مخبرا اياه بعزمه على الرحيل الى دياره بنعد أن قدم بين يديه آيات الثناء والتقدير وحسن الصداقة وطيب الوفاء . وكان استئذانه المفاجئ أشد على نفس جاره اوصديقه من وقع الحسام فألح عليه بالاقامة وبيان سبب رحيلة عنه . . ولكن الاجابة كانت تأتيه في كل مرة بأنه الشوق الى الديار والعشيرة فقط دون غير ذلك . . وبدون جدوى حاول اقناعه بالعدول عن رأيه والرجوع عن قراره . .

ومع سويعات الأصيل من اليوم نفسه غادرت القافلة الديرة التى كانت قدمت اليها قبل بضع سنوات ، وها هى ذى تحمل متاع وأهل ضيف السبع سنوات . .

واستولى الحزن على الشيخ " غالب " لفراق جاره وصديقه العزيز ، فتذكر ليلته التى امضاها ساهر مع البدر في انتظار قدومه دون شعوره به أو علمه . .

اضطجع الشيخ على فراشه لينام فى ليلته تلك ، ولكن ما أشبه الليلة بالبارحة فلقد هجره النوم وجفاه ، وبدأت الهواجس تطرق ذهنه طرقات أزعجته وساقته الى التفكير في حادثة الرحيل - وأضمر في نفسه أسبابا لتلك الحادثة . كيف لا ؟ ! وهو الرجل الذى عرف الحياة وتخرج من جامعتها ، اضافة الى ذلك فقد عرف صديقه حق المعرفة . . وكانت زوجته تراقبه فهى كذلك لم تنم هذه الليلة . وعندئذ أقتت الى زوجها تحادثه وتؤانسه وقد مضى من الليل ثلثاه . . وطال حديثهما وما قصر ، وأخيرا أفضت المرأة الى زوجها بسر كان محور دائرة

تفكيره . . وما أصعب كتمان السر على بعض النساء اذا ما استودعته . . انها تعرف سبب رحيل جارهم بطريق خفي من زوجته . فقصت القصة بكاملها عن حسن نية ولم تعلم بعواقبها ونتائجها . واستمع الرجل الى زوجته باهتمام فكان حديث حديثها عليه أشد من لهيب اللظى . .

وهنا تظاهر لزوجته بدغدغة الكرى لأجفانه المقرحة من السهر فأمرها بالانصراف وما أقوى اقفال قلوب الرجال عندما تضمن الامور وتعزم على تنفيذها .

خرجت الحسناء من خدرها صباحا لتملأ الكون بنورها وبهائها ، ولتمنح أزاهير الأشجار فرض النمو والتفتح ، ولترسل الى الارض أشعة تملؤها وتبهج قاطنيها . ومع ترنحها في بهو السماء استدعى الشيخ أصغر أبنائه وتظاهر له بصحبته اياه هذه المرة للقنص والصيد ليرى مدى براعته فيه وقوة تسديد ضربات كنانته . . وبدون تردد فرح الشاب واستبشر ولم يعلم ان القدر قد خاط له خيوط نهايته على يد والده المحافظ على كرامته وشرفه والمتشبث بمودة من أصفاه الجيرة ودررأ عنه الجريرة .

لنعد لماضينا في تأمل وعبرة ، لنعرف أن الكرم والنجدة والسخاء والاباء وانكار الذات من صفات أجدادنا ، وتاريخنا على امتداده ، وعظمته ، زاخر بأخبار حاتم الطائى ، والأحنف بن قيس ، ومعن بن زائدة . . وغيرهم . هذه الضفات طبعتهم بها طبيعة الصحراء . . التى عاشوا فيها . .

فجعلتهم اكثر تقاربا وارق شعورا نحو بعض ٠٠

وهذه قصة اخرى من مئات القصص الحديثة والقديمة ، التى تحكى كرم هذا الشعب واصالته :

يحكى ان رجلا شهريا افتقر وأصبحت حالته المادية ضيعفة مما اضطره لبيع كل ما يمكن بيعه حتى لحق الافلاس بجمله ، ذلك البازل الذى كان قد رباه وأصبح يعرفه ويطيعه حتى انه يستطيع أن يفرق صوت صاحبه من بقية الناس . فبينما كان ذاهبا لأخذ ما بقى من ثمنه ، وكان قد باعه لشخص أسمرى ، وعندما دخل فناء البيت ، حن الجمل واقترب من صاحبه ، فقد عرفه . فتنهد صاحب الجمل وانشد قائلا :

بعناك يا عود من غير عيب

بكعناك على داعكات العيون

حمام اذا شافوا اللقط عنوا

وان ضيعوا يا عود لم يعذرون

وكأنني به يثني على جمله ، ويعتذر اليه ، بصوت مبحوح ، ودموع تترقرق في عينيه ، وكان صاحب البيت الذى اشترى الجمل قد سمع شعر صاحبه ، فقام ودفعه لصاحبه ،

وكما أن النجوم متناثرة فى السماء وكذلك ضؤوها يختلف من الخافت الى اللامع ، وفيها الزينة ورجوم الشياطين ، وفيها التى ترشد التائهين فى مهامه البيد ، فكذلك الناس فيهم الكريم والسخى ، والكرم والسخاء من أبرز صفات العربى

معاني الكلمات :

داعكات العيون :الباكون من الجوع .  شافوا : رأوا . اللقط : الحبوب المنثورة . أبها - ادارة التعليم علي حسن الأسمرى

زهران هى القبيلة المشهورة بين قبائل الجنوب ، وتقع هذه القبيلة جنوب مدينة الطائف وتبلغ المسافة بين الطائف وقبيلة زهران حوالى ٢١٠ كيلومتر .

وتقع هذه القبيلة في أرض فسيحة مترامية الأطراف ، ويبلغ عدد سكانها حوالى ١٦٠٠٠٠ نسمة تقريبا ، يسكنون في عدة قبائل ، وكل قبيلة تنقسم الى عدة قرى ، مبنية مساكنها من الأحجار والخشب . . وفي الوقت الحاضر أخذت هذه القرى تتقدم حيث أخذت تنافس المدن المتقدمة فى المملكة من حيث العمران وغيره .

ومن أشهر هذه القبائل قبيلة بنى كنانة وقبيلة بالخزمر وقبيلة . بنى حسن ودوس وبنى عمرو والطفيل وبعض القبائل الاخرى في بلاد زهران ، ويقدر عدد القبائل بحوالى أربعة وعشرين قبيلة وكلهم يشتغلون بالزراعة حيث يساعدهم على ذلك خصب الارض ولطافة الجو ونزول الامطار في فصل الربيع وكثرة المياه الجوفية التى يقومون باستخراجها بوساطة الآبار العادية ، وطلوع الماء من الآبار بوساطة السوانى .

ومن أهم المحاصيل الزراعية : القمح

والشعير والذرة والعدس . ومن الفواكه : العنب - ويزرع بكثرة في بلاد زهران - والمشمش والرمان والتين الشوكى . وبعض السكان يشتغلون بالحرف اليدوية مثل النجارة والبناء وغيرهما .

ومن عاداتهم اكرام الضيف ، وهذا شئ مهم عندهم توارثوه أبا عن جد ، حيث ينفق المضيف جميع ما لديه في سبيل اكرام ضيفه واسعاده . . والوفاء بالعهد والشجاعة حيث يذكى المرء بروحه وماله في سبيل الدفاع عن وطنه وعن شرفه وشرف أسرته .

لقد أخذت هذه القبائل الآن تتطلع الى التقدم والازدهار في عهد صاحب الجلالة الملك " فيصل بن عبد العزيز " ولقد أخذ التعليم في المنطقة ينتشر بصفة ملموسة . . اذ فتحت المدارس الابتدائية والمتوسطة والمعاهد . . كما اتجه أبناء هذه المنطقة الى التعليم فيتخرج سنويا من المدارس أعداد كبيرة من الطلاب . . وتحتاج المنطقة اليوم الى مدارس ثانوية لأن خريجى المدارس المتوسطة والذين يحملون شهادات الكفاءة يضطررون للسفر الى المدن الكبيرة لمواصلة دراستهم فى مدارسها الثانوية .

هذا وقد قامت وزارة المواصلات بفتح الطرق وتعبيدها بين قرى هذه المنطقة . . ويتمثل هذا العمل في الخط الذى يربط مدينة الطائف بالحجاز الذى تجرى سفلتته على قدم وساق وسوف يكون له أثره الفعال في تقدم المنطقة الذي يمر عليها في طريقه الى الجنوب .

والحالة الصحية فى بلاد زهران جيدة حيث يوجد عدة مستوصفات في المنطقة . والله الموفق .

اشترك في نشرتنا البريدية