الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ, المؤتمر الثالث لوزراء الثقافة العرب

Share

احتضنت مدينة بغداد من 2 إلى 5 نوفمبر 1981 مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية وكان جدول الاعمال مكثفا اذ احتوى على أربع قضايا هامة علاوة على المسائل الاخرى التى اقتضتها الضرورة .

فالنقطة الاولى من جدول الاعمال تناولت بالدرس الموقف التنفيذى لقرارات المؤتمرين السابقين لوزراء الثقافة العرب فى عمان سنة 1976 وفى طرابلس سنة 1979 وتوصيات اللجنة الدائمة للثقافة العربية واشتملت على مواضيع هامة تتعلق بالخطة الشاملة لتنمية الثقافة العربية والموسوعة العربية وتنمية الثقافة العربية الاسلامية فى الخارج ( راجع فى هذا العدد كلمة افتتاح الملتقى الكبير الذى التأم بتونس أخيرا وألقاها الاستاذ محمد مزالى الوزير الاول ) والتشريعات الثقافية الضابطة للاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف وقانون الآثار .

ولقد صدرت فيما يخص النقطة الاولى توصيات من الغزارة والتنوع ما يجعلها تتناول أهم ما يشغل بال المثقفين العرب سواء بالنسبة الى الآثار أو المخطوطات وتحقيق الترات أو التأليف والنشر أو المسرح أو الفنون التشكيلية أو الفنون الشعبية أو دعم المنظمة للاتحادات العربية أو الخطة الشاملة لتنمية الثقافة العربية ( يلح المؤتمر على أن تجتمع فى أقرب وقت اللجنة المكلفة بهذا الموضوع ) وكذلك مسألة التراث الثقافى فى الارض العربية المحتلة والعلاقات الثقافية الثنائية عربيا ودوليا وثقافة الطفل واستقبال القرن الخامس عشر الهجرى ودققت التوصيات كل المواضيع الواردة فى النقطة الاولى من جدول الاعمال بما فيها الخطة القومية للترجمة تعريبا ونقلا .

واهتمت التوصيات بالنسبة الى بقية نقاط جدول الاعمال بالغزو الثقافى الصهيونى للثقافة العربية وصيانة المدن التاريخية العربية الاسلامية ورعاية الانتاج الفكرى والادبى والفنى وأعمال المكتبة المركزية القومية والسياسات الثقافية .

ووافق المؤتمر بالاجماع على رغبة الحكومة الجزائرية فى استضافة الدورة الرابعة لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية فى الوطن العربى بعاصمة الجزائر فى سنة 1983 ويصادف هذا التاريخ الذكرى المئوية لوفاة الأمير عبد القادر الجزائرى .

وفى خصوص موضوع السياسات الثقافية والمتعلقة بالوثيقة التى ستقدمها مجموعة الدول العربية الى المؤتمر الحكومى العالمى للسياسات الثقافية بأكبلكو ( المكسيك ) فى جويلية 1982 اقترح الوفد التونسى أن ياخذ هذا الموضوع من العناية ما يجعله يعبر حقيقة وبعمق عن دور السياسات الثقافية فى الاقطار العربية ولهذا أوصى مؤتمر بغداد بدعوة لجنة من الخبراء الحكوميين لاعداد الوثيقة التى ستعرض باسم المجموعة العربية فى المؤتمر العالمى الثانى للسياسات الثقافية للينسكو .

واحتضنت تونس بدعوة من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم واستضافة من وزارة الشؤون الثقافية فى الجمهورية التونسية اجتماع الخبراء الحكوميين من 23 الى 27 نوفمبر سنة 1981 .

وأفتتح اجتماع الخبراء بخطاب ألقاه وزير الشؤون الثقافية بالجمهورية التونسية وأشار فيه الى المعركة المصيرية التى تخوضها الامة العربية والى ما تواجهه من وجوه العنت الحضارى الذى فرض عليها فى فترات من الزمان بعيدة ومتقاربة أولها الجمود والتعصب والانحطاط الذى هيمن على الوطن العربى قرونا عديدة بينما أوربا تتقدم فى جميع الميادين وثانيهما ما قامت به منذ عهد طويل القوى الاستعمارية الغاشمة من محاولات الذبذبة وانفصام الشخصية وثالثها ما تواجهه اليوم من تسرب مكائد صهيونية داخل الصف العربى .

وأشار وزير الشؤون الثقافية أيضا الى ما تتعرض اليه الهوية الثقافية العربية حاليا من هيمنة نمطية الثقافة الغربية ذات الابعاد المتداخلة ولكنها

واحدة فى قوة التحدى وجاذبية الاغراء نظرا الى تقدمها فى استكناه الفكر البشرى واخصابه واستجلاء مستحدثات العلم والتكنلوجيا وتطبيقها فى حياة الناس وبذلك تواجه هذه الهوية مصاعب تحول دون يناعتها ومعوقات تحد من مساهمتها فى بناء ثقافة العالم اذ هى ما زالت تعانى من حواجز انفصام الشخصية العربية وتذبذبها وتقلقلها وتجاذبها بين تركيبات ثقافية أغلبه نسجته عصور الازدهار القديمة أو عصور الانحطاط مما جعلها تنوء تحت عبء ثقيل .

وأعرب الوزير عن أمله فى أن يتطور الفكر العربى بالسرعة التى نرجوها ومن خلال المسارات التى يتعين عليه اتباعها حتى يستجيب العمل العربى لتطلعات الشعوب وتصورات رجالات الفكر فى الوطن العربى الهادفة الى المضي قدما نحو الرقي واليناعة . ولا يكون ذلك الا عندما تقاوم المجتمعات العربية كل الآفات التى كانت سببا فى الانحطاط والجمود والانهيار وتكشف عن الظواهر التى تطفو على السطح بين الفينة والاخرى وتتزيى بازياء ظاهرها حق وباطنها باطل . وهذا لا بد ان يفرض على رجال الثقافة والفكر والادب عملا جبارا يتمثل فى تصفية المفاهيم وغربلة حصيلة ثقافتنا الماضية والحاضرة فى شجاعة وشدة بأس كفيلتين بفتح الانظار وتنوير الاذهان حتى لا نقع فيما يحدث الالتباس أو التشكيك أو الحيرة التى هى سبب كل تعثر وتردد وانحسار .

وأكد الوزير على الارتباط العضوى بين التنمية الثقافية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وعلى الدور الهام الذى تلعبه التنمية الثقافية فى تحقيق التوازن الاجتماعى واحكام المخططات الاقتصادية وتحدث عن الوسائل التى يمكن أن تستخدم لتحقيق هذه التنمية .

وألقى الدكتور محيى الدين صابر المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم كلمة أشار فيها الى خطر الموضوع الذى تدرسه اللجنة وقدره فى تقديم رؤية عربية متكاملة تبرز الهوية الثقافية والوظيفة الاجتماعية لها فى تحقيق التنمية الشاملة قوميا وتؤكد الجوانب الانسانية لهذه الثقافة بما يمكن من الحوار العالمى فى مواجهة قضايا الانسان المعاصر ويعين على حل المشكلات التى تواجه البشرية فى نطاق التعاون الدولى واستعرض الدكتور صابر تاريخ الاهتمام الحقيقى والعملى بهذا الموضوع وقال انه بدأ مع انشاء

جامعة الدول العربية وكانت المرحلة الثانية من معاهدة الوحدة الثقافية العربية ( 1964 ) والثالثة هى انشاء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( 1970 ) والرابعة هى مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية فى الوطن العربى ( 1976-1979-1980-1981 ) كما أشار الى أهمية الوثيقة التى أعدتها المنظمة حول السياسات الثقافية فى البلاد العربية .

واعتمد الخبراء فى اجتماعهم علاوة على هاتين الكلمتين وثائق عديدة منها ما انبثق فى خصوص هذا الموضوع عن المؤتمر الثالث لوزراء الثقافة العرب ببغداد 1981 ومنها ميثاق الوحدة الثقافية ودستور المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والمؤتمر الاول للوزراء والمسؤولين عن الشؤون الثقافية فى الوطن العربى ( عمان 1976 ) وبيان عمان ( 1976 ) وتوصيات المؤتمر الاول والثانى وتوصيات المؤتمر الاستثنائى لوزراء الثقافة العرب ( دمشق - 1980 ) وتوصيات المؤتمر الثالث ( بغداد 1981 ) وتقرير اللجنة الفرعية حول السياسات الثقافية واجتماع الحمامات ( 1978 ) واجتماع الخبراء عن التعاون الثقافى بين الاقطار العربية ومساهمتها فى التعاون الثقافى الدولى ( بغداد نوفمبر 1981 ) وتخطيط التعاون الدولى لتنمية الثقافة العربية الاسلامية ( تونس 1981 ) وتقرير الجمهورية التونسية فى هذا الاجتماع وتقرير الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية وفهارس المؤتمرات الاقليمية للينسكو حول السياسات الثقافية .

واتفق المجتمعون على أن هناك ثلاثة محاور للموضوع شكلوا على أساسها ثلاث لجان : لجنة الهوية الثقافية ولجنة التنمية الثقافية ولجنة التعاون الثقافى وقد أعدت كل لجنة تقريرا مستوفى الى جانب التقرير العام ونوقشت جميعها فى الجلسة العامة وصدرت على إثر ذلك توصيات هامة ( سنوافيكم فى العدد المقبل بايضاحات شافية فيما يخص هذا الموضوع ) .

ويمكن القول إن هذا الاجتماع الذى ضم كل الدول العربية ما عدا مصر كان هاما جدا لأنه جرد كل المعطيات الثقافية المتعلقة بسياسة كل بلد عربى وألف بينها وعرضها فى صورة وثيقة مستكملة مشرفة خاصة وأنها ستكون فى جويلية 1982 بالمكسيك موعد المؤتمر العالمى الثانى للسياسات الثقافية الذى ستنظمه الينسكو من جملة وثاق المجموعات الدولية الاخرى .

وهكذا حرصت فى هذه الصفحات القليلة على أن أعرض على القارئ ملخصا للاحداث الثقافية التى تمت فى الايام الاخيرة . واذا كنت قد توخيت هذا الجانب الاعلامى البحت على غير ما جرت عليه عادتنا فى افتتاحية " الفكر " فانما لأحسس القارئ الكريم وهو فى غمرة مشاكله المعيشية الحياتية اليومية الى خطورة ما تقوم به النخبة المسؤولة فى الوطن العربى من أعمال جليلة فى الحقل الثقافى وما تستنبطه من حلول وتصدره من توصيات دقيقة .

وإن غرضى من هذا هو أن أحض القارئ الكريم على بذل الجهد للاطلاع على هذه الاعمال المفيدة وأدفع أجهزة الاعلام السمعية والبصرية والمكتوبة على تحسيس المواطن بهذه المواضيع والكشف عما يتطلبه الظرف من تضافر الجهود لتحقيق الغرض المطلوب .

ذلك انه لا يكفى فى المجال الثقافى العزيمة السياسية وما تقتضيه من تشريعات ودفع بل إن المسألة تتعلق أيضا بكل المؤسسات وهياكل المجتمع وبردود فعل المواطن واستحضاره لكل المكاسب الثقافية وعزوفه عن المواقف السلبية وانصرافه الى بناء غده الثقافى بيده وسد آذانه عن كل من اعتمدوا " العمل الثقافى " لتصفية الحسابات والتغنى بالشعارات وجمع السلبيات وتضخيم نقط الضعف وتبنى مواقف " القرددة " والدمغجة وصنوف التبعية تشتيتا للصفوف وتعميقا لجروح الاستلاب والفراغ وترسيخا للعقلية النحلية آفة هذا الزمان .

فعسى أو نوفق جميعا الى الخروج بهذه الحصيلة الطيبة التى تجود بها نخبة العالم فى هذه الندوات والاجتماعات التى تنظمها مشكورة الالكسو والينسكو من إطاراها الضيق الى الصورة الاعلامية الشاملة حتى تتضافر الجهود لخدمة ثقافة انسانية متقدمة كفيلة بأن تحل السلم بين البشر جميعا والطمأنية فى نفوس بني الانسان .

اشترك في نشرتنا البريدية