قال ارسطو :
. من المناقشة ينبثق النور .
مازلنا بين الحنان والحنين
أعود فأزجى شكرى لسعادة الاستاذ الكبير الشيخ أحمد ابراهيم الغزاوى وكم له من يد يشكر عليها ، جال بها في صفحات البيان مطورا الامثلة واللغة فعجمها وعربها وقر عن مكنونها . وهذا حنين وحنان كلاهما فى ميدان السبق بين ضفاف بدر وعلى سهول حنين ، واصر الاستاذ هفرج السيد على أن حنينا فى بدر رغم أنه يجهل علمه وعينه " وليصر على ما اراد وما لنا وما له " وارجأ الاستاذ عبد القدوس الانصارى اخيرا قوله ، ولكن فى شهر صفر ١٢٨٩ كتب الباحث اللغوي على محمد العامر يناقش مقتضى حنين وحنان لغويا وصدر ما كتب وشكرا له - الان أن عنوان المقال كان فيه حكم قطعى بأنه حنين لا حنان مما يخالف نصا أورده هو ، اثبت ان حنينا فى مكان بين أوطاس والطائف من منازل هوازن وانه نسب الى حنين بن قانئة ثم اورد الحنان فيما ذكره معجم البلدان انه ماء لبني فزارة وانه كان يسمع فيه عزيف الجن كما يقال وأورد ابياتا لكثير عزة وفيها :
لمن الديار بابرق الحنان
فالبرق فالهضبات من ادمان
ولا بد هنا من العرض والتحليل فكثير وعزة ليسا من سكان ناحية بدو بل هما من سكان هضبات تجد الدنيا الى المدينة ، ويشهد له ما قاله كثير :
سقي الكدر فالكعباء فالبرق فالحمى
فبرد الحصى من تعلمين فاظلما
هذه الديار بدءا الكدر ، وهو أحد مياه الطرف المعروف اليوم بالصويدرة إلى ابرق العزاف وهو يقع في الشمال الشرقي عن الحناكية من جهة ، الى الحمى - حمى في حمى الزيدية ، والأول فى الجنوب والثاني في الشرق ، واظلم اخرها اجبل معروف عند الحناكية والطريق بينه وبين جبل آخر يعرف بدجيل . وأتكلم عن ابرق العزاف " ضليع البقر " الذي قيل انه كان يسمع فيه عزيف الجن ونقله عن معجم البلدان ، فضى القاموس كما نقل السيد السمهودى قال سمى بذلك لانه كان يسمع به عزيف الجن ، ويلاحظ هنا ان البحث يتعلق بعزيف الجن الذي نقل عن معجم البلدان والقاموس
١ - ابرق العزاف هذا جبل صغير يرتفع بنحو عشرين مترا في قاع يسيل فيه وادى المويه " أو ذو أمر سابقا " ويقع فى الشمال الشرقي عن بلدة المحاكة - ٤
بطن نخل سابقا ، وفي الشرق الجنوبي منه يقع جبل رحرحان ، كما يقع جبل العهين فى تلك الناحية ، وينتشر حول جبل ابرق العزاف " ويعرف اليوم بضليع البقر " فى مسافة مائتى متر حوله حجارة المروة البيضاء الرخامية فاذا كانت اسطورة عزيف الجن في الحنان والعزاف فهي منطقة عليه والذى يوحى اليه المشهد ، ان قوما سواء اكانوا من الجن أم الأنس كانوا فيه فرجموا بالحجارة المروة ولعل الحنين صدر من اثر الرجم ، ومن انكر فليشهد وليتأمل وسوف ينظر الحقيقة مائلة أمام عينيه
٢- حنين - يقول السيد على محمد العامر ، ويجوز ان يكون تصغير حن وهو من الجن . أقول كذلك الحن فصيلة كفصيلة الجن فيما ذكروا ان ممن عمر الارض - الحن والبن والجن والأنس ولكن الذي سكن وادى الزيماء هو حنين بن قانئة كما ذكر السهيلي ثم ان حنينا هذا فى ليرب ورابع وعم للربذة والشقرة وزرود . ونسبه هو كما قال ابو القاسم الزجاجى فى يثرب هو ابن فانئة بن مهلاييل بن ارم بن عبيل بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام وليس من العماليق لان عمليقا هو ابن لأرفخشد بن سام بن نوح ويكون ارتخشد خا لارم الاول ابن سام . وقد لا ينكر احد موقع حنين هوازن وثقيف وهو منطبق على الزيماء . والذي انكره تماما وجود حنين فى بدر وعلى من يصر على وجوده فيها تعيين عينه وجهته . اما رجما بالغيب فلا . . الموجود فى بدر هو الحنان - بتشديد لنون الاول مشبعة بالالف - حرف المد
بعدها نون - قال الزمخشرى : اسم كئيب كبير كالجبل وقال نصر رمل فرب بدر وهو كثيب عظيم كالجبل ، وابن اسحاق قال في مسيرة النبي صلى الله عليه وسلم الى بدر وترك الحنان بيمين وهو كثيب كالجبل العظيم ، . وقد ضبطه نصر بالفتح والتشديد ، ونصر أدق في التحرى فى الاعيان من محمد صادق اركان حرب المصرى الذى مر عابرا بالمنطقة قيل له فكتب فليس حجة ( ١ ) وكذلك لا يحتج بما قال صاحب الدرر المنظمة . اذ انه لم يعينه فى بدر ولم يوجهه وذكروا في ابرق العزاف " ضليع البقر " ان به مياها غليظة ، وهذا واقع مشاهد اليوم والذي اعرف منها سامورة والحدجية وفوزة ، والسمينة ولعل الامر اشتبه فى التسمية بابرق بدر
مع ابرق بطن نخل ، فوضعوا ما بالثانى للأول من اسطورة عزيف الجن
٣- واتكلم عن حنان بدر فهو حنان حقيقة وواقعا فحنان بدر كثيب عظيم من الرمل الاصفر الناعم يرتفع في نحو خمسين مترا أو يزيد وفي امتداد نحو مائتى متر أو يزيد ويرتكز هذا العقنقل الشمالى من جانبه الغربى على جبل يساويه في الارتفاع فيكونان جسما واحدا ، رملى من جانب بدر ، صخرى جرانيتي من جانب الخبت ، وانه حنان حقيقة وواقعا وقفت عليه وسمعته فى حنينه غير مرة اولها فى سنة سبعين وثلثمائة والف ، حينما زرت بدرا مع معتمد المعارف آنذاك الاستاذ محمد سعيد دفتردار وكان معنا الشيخ صالح الحيدرى والحاج فرج المغربي وكان سائق السيارة السيد محمد مجاهد الموجود
خادما فى منطقة تعليم المدينة وكنت صحبت معي بعض ابناء عمومتي العياشي ونزلنا فى مدرسة بدر التى كان مبناها ملكا لمحمد الطباخ الينبعى ، وتشرفنا بالسلام على الشيخ محمد عاتق بن محمد سالم بن نامى وعرضنا عليه فكرة الحنان وكنا ضيوفه يومها ، وبعث معنا جماعة من الرفقاء وأولاده وركبنا السيارة إلى سفح الكثيب فنزلنا جميعا وصعد الشباب عليه ، وبقيت اسفل الكثيب مع المعتمد ولما تجاوزوا اكثر من ثلثي ارتفاعه ، رأيتهم جميعهم جلوسا على الرمال ثم بدأوا يزحفون نزولا . وبدأ الصوت يرتفع في أجواء بدر ، كأنه صادر عن طائرة ذات محركين حتى اذا وصلوا الى الثلث الاخير صمت الصوت . ومن انكر فليغير ومن انكر فعليه الوقوف والشهود وسيرى وسيسمع بعينيه وبأذنيه ، فهو حنان لا حنين ، وفي بدر - لا في بطن نخل ، على أن الحنين في الكثبان الرملية قد يتعدد وقد اطلعت على ان في منطقة تيماء بعد خبراء الفطير كثبانا رملية تدعى دفافية ، لها حنين مثل الحنان ، ويقول السكان انها تغنى . . بلغني ذلك بصورة متواترة بعد أن سألت عنها وتحققتها .
المدينة المنورة
حول كلمتى " تمارون " و " انكس "
الاستاذ عبد القدوس الانصاري قرأت بكل تقدير واحترام ملاحظة أخي الاستاذ على عبد الرحمن محيا فى عدد المنهل الأغر لشهر صفر ٨٩ حول كلمتي : تماررون ، وانكس . وقد ذكر ان
استدلالي بالآية الكريمة في سورة الشورى خطأ . . لان معنى ) يمارون ( هو ) يجادلون ( وأنا معه فى تفسيره . . الا انه لم يلاحظ مشكورا شرحي لها وتطرقي لمدلولها لغويا بأنها تحدث اذا حصل بين رجلين اختلاف في الرأى ورأى كل منهما نقيض رأى الآخر فتلفظ احداهما كتاكيد لقوله : هل تماريني ؟ ! . من هذا يتبين انه حدث جدال ، الا ان اللغة العربية كما تعلمون لها تعبيرها الخاص الذي يصور المدلول والحال بصورته المتفقة مع الاسلوب الدال عليه . . والتفاسير للالفاظ عديدة لايضاح المقصود . . فالمماراة . . ليست كالمجادلة ، ولا المراهنة التى ذكر أخي المحيا اننى قصدتها فى شرحي . . مع انني لم اتطرق للمراهنة بشئ . . وانما جاءت على لسانه كتفسير لفظي يستعمل الآن عند بعض القبائل وبطريقة مغلوطة و " المماراة " جدا يؤدى الى حتمية صحة احد القولين . . ولا ريب في حتمية قيام الساعة . . والأمر مقطوع بأمر الرسول ) ص ( بالنهى عن مماراة المشركين . . والجدال ورد بصرريح العبارة في القرآن الكريم قال جل ذكره : ) قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها ( . . الآية . قال الامام محمد ابن ابي بكر الرازي في كتابه مختار الصحاح فى باب اللام : جدل جادله خاصمه . والاسم الجدل وهو شدة الخصومة . . والمراهنة . . هي وضع شئ عند رجل آخر . . مرهونا كقولك اشترى منك هذا وسأرهن عندك كذا حتى احضر القيمة
ولا اجادل الاخ الكريم في رأيه لان لهجات القبائل العربية عديدة ومتفاوتة المعنى . وقد يقال مثلا : راهنته على كذا مراهنة . . ولكن الخطأ ربما يحصل لهما
جميعا ويبطل الرهن . . وهذا الموضوع يؤوب للمعنى الذي قصده الاخ في تفسيره لقولى فى الحلقة السابقة وفي قول الأخ ) وددت لو أنه أوضح فى مقاله الفرق بين المعنيين الحقيقي والدارج ( عسى أن لا يكون معنى هذا أن لهجة البادية التى أوردت جزءا كبيرا من الفاظها المتداولة بينها أنها دارجة اى عامية لا أصل لها فى اللغة . . مع ان المقصود من نشر تلك الحلقات وما سيلحقها هى اثبات رسوخ اللهجة البدوية والاسلوب وصياغة الكلمة ورجوعها الى اصلها بمعناها وحروفها أما اضافته الى كلمة : انكس بما يتداوله أخواننا أهل الجنوب ، فانني أحبذ هذا الرأى ، لانني لست ملما بكل لهجات بادية الجزيرة العربية المترامية الاطراف ، وانما أقدم جهد المقل وأتبع أقوال الاعراب التى أسمعها وأردها الى كتب اللغة العربية التى حفظتها ، وأحب ان اشير من جديد الى أن معنى : اقلبه رأسا على عقب عند البادية فى اقليم نجد هو : نكسه بحذف الالف هذا اذا لم تتفق معها قبائل الجنوب (١ )
اكرر تقديرى وشكرى للاخ الاديب المحيا ، وليعلم ان الايضاح والاضافة لا يحتاجان الى اعتذار . فقصد المجلة وقصدنا جميعا مفهوم . . وكلنا يريد خدمة اللغة التى أحبها الله وأنزل بحروفها والفاظها أفضل كتبه على افضل خلقه ، وتدوين دورها ونظم قلائدها . . والله من وراء القصد .
(جدة) الثروة المعدنية
هل هذا تعقيب أم استعراض ؟
لقد اطلعت على ما كتبه الاستاذ علي المحمد العامر في العدد الأخير من مجلة المنهل تعقيبا على مقالي الذي سبق ان نشر بمجلة المنهل في غرة شوال لعام ١٣٨٨ ه حيث ذهب الاستاذ يدون ويسرد ما يجول بخاطره تارة يقول : لست من تلك البلاد ، وأخرى بقول : ربما لم أزرها مجرد زيارة ، ولغته هذه شبيهة بالأفعال المبنية للمجهول ولا أعرف هل هذه الاستعراضات التى يستعرضها الاستاذ هي مدار البحث أم هناك مغزى في هذا كله لا أفهمه ولكن حقيقة البحث تحتم على الكاتب الواعي أن يظهر مراده .
والعجب من هذا كله حين يقول الاستاذ ن ما كتبته في مجلة المنهل سبق ان شر له بتلك المجلة .
ان كان الامر كما يدعى الاستاذ ، أفليس في وسعى أن اتقدم بين يديه راجيا منه المعذرة لان مفهوم كلامه ، انه اعتبر نفسه هو مؤلف الكتب التى استندت عليها في بحثي في أصل الكلمة .
ان كلمة صلالة ) التى هى مدار البحث لم أطلع عليها وهذه الكلمة لا تطلق على أى مكان . وحتى تاريخ كتابة هذا التعقيب كنت ابحث عن الغرض والشئ المفهوم ، من أن بطانة خف الجمل هي التى يطلق عليها
هذا اللفظ ، وأما ( صلاصل )حسب ما في الكتب فهي التى بالقصيم ، هكذا وجدتها اثناء البحث .
وهناك كتب تاريخية مطبوعة باللغتين العربية والانكليزية لو راجعها الأستاذ لاطلع على الحقيقة .
لنقف قليلا لنسستمع الشاعر ابن القصيم حيث يقول في قصيدته الطويلة :
سقي الله ارض القصيم كل خير
وسقي الصلاصل حيث الخل يسكن
اننا نفهم من البيت المذكور ان ( الصلاصل ) التى هى مدار البحث قرية موجودة بالقصيم ولها ذكر في الشعر النبطى بالاضافة إلى الشعر العربى
وهذه اجابة مني على الأسئلة الواردة بما سماه تعقيبا :
نعم توجد مراجع تاريخية تذكر أن هناك موقعا يسمى بهذا الاسم وهى : ( تاج العروس) و ( معجم البلدان) و مراصد الاطلاع ). . وهناك اشباه لها باللغة الانكليزية .
( مكة المكرمة )

