تذكرة للجنة
قصة قصيرة
الاهداء : الى المعرى كانت الجلبة تبلغ عنان السماء ، صياح مركب وزحام شديد - ومن الاصوات صبوت منكر يعلو الصياح والضجيج : (( تذاكر للجنة ؛ هنا نبيع تذاكر الخلود )) .
وجاهد حتى بلغ وسط وسط الزحام - وتابع سيره لا يرده حائل حتى وجد نفسه وسط بيت انيق ، تحيط به السوارى المرمرية وتقوم وسط ساحته نافورة مياه تذكر بقصور الاندلس وبمجالس الانس .
واستقبلته امراة فى زى شرقى بديع يظهر كثيرا من مفاتنها ، استقبلته بابتسامة فقط . واشارت الى بيت بابه مفتوح فى احدى الزوايا . واتجه اليه وهو يستعيد تلك الابتسامة الفريدة التى استقبلته بها تلك المرأة . ويشعر فى أعماقه بميل ملح الى الالتفات الى الخلف والى الرجوع اليها ومكالمتها حتى يقطف منها ابتسامات اخرى ولكنه نجد نفسه فى عتبة القاعة الركنية . ويقابله فى صدرها مكتب بحلس وراءه زنجى معمم يحمل نظارات . فيسلم عليه صاحبنا ولكنه لا يرد السلام ، انما يكتفى بتسليمه تذكرة صفراء . . . ويتصفحها ويحاول ان يقرأ ما فيها ولكنه لا يستطيع ، لانها كتبت بحروف لا عهد له بها .
ويوشك ان يستوضح ولكن بدا رقيقة تجذبه بلطف ويلتفت فيستقبله طيب منعش واذا به غلام صبيح الوجه يأمره ان يتبعه . .
ويجد نفسه فى بيت لا تضيئه الاشميعة واهية ، غارق فى الحمرة بستائره واثاثه ، وفى احد الاركان جارية حسناء مستلقية فى دلال . . .
ويهيس له الغلام : (( الزواج ، نصف الدين ، انت تعلم هذا ولا شك ، يكفى ان تحبها طول عمرك ولك الجنة . . . )) ويغيب الغلام فى لمح البصر .
وينطلق صاحبنا بعد لحظات نحو الباب يرجه رجا ويمتنع عليه فيكسره . ويندفع غاضبا .
ويعترضه ذلك الغلام ذو الوجه الصبوح : - مالك يا سيدى ؟ - التذكرة (( صفراء )) - هذا لا يضر .. - كيف ؟
- نعم ! أما سمعت إمام المشائخ يقول فى مجلسه : ((التذكرة امر صورى ، فلا عيب فى ان تكون منقوصة . . . ))
ولا يسمع بقية هرائه بل يندفع نحو مكتب الزنجى المعمم ذى النظارات ويصيح فيه :
- (( ولكن . . . ))
ولا يتركه يتمم كلامه بل يقول له بكل هدوء وتعقل : - (( يا أخى . . ان الجنة ملآنة . . . لقد امتلأت منذ اول هذا القرن . . . وما ترانا نفعل ؟ لم تبق فيها الا بعض الزوايا المحجوبة او بعض الاماكن التى يصلها بعض (( من حرارة جهنم . . .
ولذلك فنحن منصفون ولو فى هذه الشكليات . لا تسمح لنا ضمائرنا بمغالطة زبائننا . . . اعطيناك تذكرة وفقا لصورة المكان . او تريد ان نغش ؟ الا تعرف القول : من غشنا فليس منا . - ولكن يا هذا . . . ان جاريتكم نفسها تعجبت . لم تكن تتوقع ان تكون من حظى . . قالت لى (( يجب ان تكون تذاكر امثالك كاملة ! )) - يا اخى ، التذاكر الكاملة للمختارين . . . - الا يمكن ابدال تذكرتى ؟ - لا
- ولا حتى بعد ان اهديك باقة من الورود والنوار ! - النوار للنساء يا هذا . . لا يمكن ٠٠ آسف . . لم تعد هناك اماكن . . اظنك فهمتنى لا شغور !
- والمختارون - الجنة ملآنة ، اتسمع ، كانك لا تفقه . . ملآنة . . ألا تفهم معنى كلمة ملآنة .
وبنهض الزنجى وقد ثارت ثائرته فيغلق الباب فى وجهه ، واذا به بتلك الجارية تتودد البه وتاخذ بيده : (( من هنا طريق الجنة ، يا زوجى العزيز . . من هنا . ))
وياخذه التقزز من ملامحها . . . وقد تقلصت ؛ وظفر عليها التذلل والمسكنة فيتركها ويهرع نحو الباب الذى دخل منه ويشق المتزاحمين وهو يصيح : - جنتهم منقوصة . . . منقوصة . . .
ويتحول فى الشوارع والازقة ، تستقبله الروائح الكريهة فى كل زاويه . ويلفه الغبار عند كل مفترق طرق .
ويتذكر تلك الجارية المسكينة التى ارادت ان تقوده للجنة ، وشعر بالشفقة عليها . ويتذكر تقززه من كلامها ، ونقززه من كثرة شحمها ولحمها . ويحاول ان يعيد صورتها فى ذهنه ، فلا يرى الا جسدا مكورا عظيم الجثه ووجها قبيح لا صلة له بالحمال ، اصفر اللون رغم المساحيق الكثيرة التى تسعى لاخفائه ؛ . . . كيف استطاع ان يقبلها اول ما دخل ؟
ويرفع يده اليمنى الى شاربيه وخديه ، وينظر اصابعه واذا بها ملوثة من اثر . . .
إذا به يشعر بذلك الفتور الذى يحسه كلما يمر بحى من احياء الخناء . . . رده يبحث فيه عن شهوة لجسده فلا يطاوعه قلبه الذى يبحث عن الجمال والعيون ، فتذهب لذته ويشعر ازاء المومسات بالشفقة . . .
لقد سعى إلى الجنة لا طمعا فيها ، بل ارضاء لحب اطلاعه وشفاء لغليله وعطشه للمجهول . . . انه لا يحب الا الرمز والايحاء ، هو شرقى يغرم بعينين سوداوين مجهولتين تظهر ان من وراء (( سفسارى )) او من وراء انفراج باب احد المنارل ، فيقول فيهما الاشعار . يقلبن سهده احلاما ، فيبز الغربى وقد تمرغ ما تمرغ على جسد (( فينوس )) العارى . . .
انه حفيد شهريار . . . الذى ما ابقى على شهر زاد الا لانها سر دفين بالنسبة له . .
لقد ظن نفسه يجدد حرارة ذلك النفس الشرقى الذى أوشكت أن تبلوه لأيام فتخطى الرقاب وسعى الى الجنة .
ولكن التذكرة (( مشلومة )) ووراءها امراة تغرق فى الحمرة تقول له قول المعرى : (( وانما نار جهنم تبوخ بدمعة تائب ))
- (( لقد وجدت الحل اخيرا ، ستحملنى معك الى الجنة بدعوى التوبة ! ستجعلين منى برد الجحيم . . . اليه بمفردك ! ))
لقد ملأت فمه مرارة من التجربة الاولى ، وموهت عليه وجرعته علقم الثانية ٠٠٠ وما اكتفت ٠ بل ارادت ان تفرغ الكاس ٠ فزين له شيطانها نجاعة التجربة الثالثة ٠٠٠ وقالت له : (( الاولى يصحبها الخوف ٠٠٠ واما الثالثة فهى القمة والذوبان والتبخر ٠٠٠ فتنسى كل شئ الا ما انت بصدد فعله ، وتشعر بتغير خلاق ووحدة مع شئ ثان من الطبيعة ، وتتحد مع سر من اسرار الحياة ))
- (( الى جحيمك بمفردك ! )) لقد فهم ان الانهيار قريب ، واحس آخر الامر ان الجنه منقوصة ٠٠٠ وان لا جنات البتة ٠٠٠
كان يشق الازقة مهرولا وهو بردد : (( تبا لجنات العباد ؟ ٠٠٠ تبا لها ٠٠٠ ))

