الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

بقية محاضرة فضيلة السيد ابي الحسن الندوي .، قارنوا بين الربح والخسارة، يا زعماء العرب

Share

-٢- جربوا ايها القوميون ، وجردوا العروبة وجردوا اللغة العربية من الرابطة الدينية التي تربط الشعوب والامم بهذه اللغة وبهذه البلاد ، ثم انظروا ماذا تفقدون وماذا تجدون ؟ ما هي نسبة ربحكم من خسارتكم ، وما هي نسبة افلاسكم من كسبكم ؟ ستعيشون في عزلة عن العالم ، ان هذا العالم الاسلامي الفسيح الذي لا يزال من ورائكم ويؤيدكم في جميع قضاياكم ، والذي ينتظر ان تسمحوا له بالخوض في هذه المعركة ، ان هذا العالم تنقطع صلته عنكم ، وتعيشون في عزلة ، خذوا القلم ، وخذوا اكبر صفحة من ورق ، واكتبوا فيها هذه النقطة التي كانت عليها العرب قبل الاسلام ، ثم مدوا هذه النقطة بفضل اللغة العربية ، وفضل النسب العربى ، وفضل الثقافة العربية وفضل الخصائص العربية ، وفضل كل ما تستطيعون ان تفرضوه . ثم انظروا الى أين تمتد هذه النقطة ؟ الاسلام هو الذي مد هذه النقطة وعرضها وطولها ووسعها ، الى ان وصلت الى اقاصي العالم المتمدن المعروف

ان هذه الروح الاسلامية لما فقدناها ، وقلنا انها عتيقة ، انها بالية ، انها " رجعية " ورجعنا إلى هذه القوميات ، فماذا وجدنا عوضا عما فقدنا ، ما هو الشئ الوحيد

الذي اكتسبناه ؟ ان العالم كله بما فيه من سياسة وادارة ، وتجارة وتبادل ، وحرب وصلح ، يقوم على الموازنة بين الربح والخسارة ، والانفاق والاكتساب ، والوارد والصادر ، ان التاجر الصغير يوازن بين الدخل والصرف ، واذا تعطلت الموازنة تعطل نظام المدنية واصبح الامر فوضى ، فلماذا لا نقارن نحن العرب ، بين ما ربحناه بالقومية ، والاشتراكية ، والتقدمية وبين ما خسرناه باقصائنا للعنصر الديني وتجردنا عن الروح الدينية ، وشننا الغارة على ما نسميه " الرجعية " .

لقد كنا نسمع أن " الانسان العربي المارد العملاق سيخرج من القمقم ، وسيدهش العالم ، وسيشغل سمع الزمان وبصره ، وبحثنا عن هذا " المارد العملاق " في كل مكان فما وجدنا له عينا ولا اثرا ، بل الذي وقع ان القزم اليهودي ، هذا الانسان التافه ، الانسان الافاق ، هذا الانسان الذليل ، الذي كان مضرب المثل في الجبن والنذالة ، تسلط على هذا " المارد العملاق " لما فقد العاطفة الدينية ، وفقد تلك الاسلحة ( المعنوية ) التي كان يتسلح بها . لقد وقع ما لم يكن يتوقع في المنام قبل ايام ، لقد لحق بنا العار الذي لا يغسله ماء سبعة ابحر ، والتصق بكل مسلم ، وبكل عربي في كل بقعة من بقاع الارض ، ماذا

استفدنا من هذه القيادات اللادينية التقدمية ؟ ماذا استفدنا من هذه القومية والاشتراكية ؟ .

ان هذه الحياة كلها قائمة على التجربة واذا اصبحنا لا نستفيد من التجارب ولا نتلقى منها درسا ، ولا نصحح بها خطأ ، واعتمدنا على الاخيلة والدعاوى ، فقد تعرضنا لخطر عظيم ، قد يؤدي بحياتنا وفقدنا هذه الثروة الهائلة التي اكتسبناها عبر القرون والاجيال ، التي هي تراث المدنية وتراث الانسانية ، اذا اصبحت الانسانية لا تعتمد على التجارب - اذن نفقد الثقة بمستقبل الانسان ، فاذا اصبح الانسان لا يؤمن بتجاربه ، ولا يزال يسترسل في الاوهام والخيالات ، ولا يزال يعيش في البرج العاجى ، فلا معقل للانسانية .

ان العلوم الرياضية كما قلت تقوم على التجارب ، انها تقوم على الاستقراء . وقد نهضت الدنية نهضتها لما اعتمدت على الاستقراء بدل القياس ، فماذا وجدنا حينما اثرنا على الاسلام أو على الاقل لما ذكرنا للاسلام ، ولما انكرنا فضل الاسلام في تكوين مجتمعنا ، ولما ابينا ان نتجه الى الاسلام ، ان هذه السنين تكفى للتجربة

لقد اجتمع في الشعوب العربية الشقيقة العزيزة من الثروات والخيرات ، ومن وسائل الحياة ، ومن وسائل المقاومة ، ومن وسائل النشر والدعاية ، ما لم يتهيأ لشعوب كثيرة ، لقد كان كل شئ مهيأ لتحقيق النصر ، فماذا كان ينقص هذه الشعوب ، انما كان ينقصها الاخلاص للاسلام ، انما كانت تنقصها الشجاعة التي لا يخلقها الا الايمان والعقيدة ، كان

كثير من القادة يتحرجون ويتضايقون بالتصريح بالاسلام . لقد كان ثقيلا عليهم أن يقولوا : نحن مسلمون ، ونحن نعتمد على الله ، ونعتمد على الايمان ونعتز بالاسلام فماذا كانت النتيجة ؟ هل ننتظر نتيجة أشنع منها وأبشع ؟ لقد وصلنا الى الدرك الاسفل ، الى درك ما بعده درك كيف يجوز لنا بعد الآن ان نتنكر للاسلام ؟ وان نلتجئ الى هذه الاصنام . التي نحتناها بايدينا  ولا نزال ننحتها ، ونجملها ، ولا نزال ندخل عليها تحسينات ؟ ( أتعبدون ما تنحوتن) (٦) لقد عكفنا على هذه الاصنام نعبدها ، ورفضا عبادة الله تبارك وتعالى واستنكفنا من الانتساب الى الاسلام وحده . فأين ذلك " المارد العملاق " الذي بشرنا به ؟

لقد كان الصحابة رضى الله عنهم اولئك النحاف الضعاف ، الفقراء الاميون ، هؤلاء الذين كانوا لا يقام لهم وزن كانت تزدريهم الاعين ، ثيابهم مرقعة ، ونعالهم مخصوفة ماذا صنعوا من الاعاجيب وكيف اكتسحوا العالم من اقصاه الى أقصاه ، وفتحوا نصف المعمورة في نصف قرن ، وكيف اقاموا دولة ، وشيدوا حضارة وأخرجوا الناس من ضيق الدنيا الى سعتها ومن جور الاديان الى عدل الاسلام ، ومن عادة العباد الى عبادة الله وحده

اننا اذا تمردنا على هذه الحقائق ، واذا طمسنا هذه التجارب ، فاننا نسئ الى كرامة الانسانية ، وننحط الى مستوى أقل من مستوى الحيوانات ، ان الحيوانات تعتمد على التجارب ، ان الحيوان إذا جرب شيئا فانه لا يعود اليه في الغالب ، فما بالنا

نعود الى ما جربناه مرارا وتكرارا ؟ ان الحيوان اذا آذاه انسان أو أهانه يصبح له عدوا ، انه يحمل له حقدا ، انه يبتعد عنه ، ولكننا نحن مستعدون ان ننخدع بمن خدعنا ، ونلدغ من جحر مرتين بل مرارا

لقد كان تاريخ الاسلام رصيدنا نتجئ اليه ، ونستمد منه في كل حين ، كان من اقوى الوسائل لاثارة الشعور الاسلامي ، ولانهاب الجذوة الايمانية في الصدور ، لقد كان هذا التاريخ الاسلامي العربي ، تاريخ الفتوح الاسلامية ، سندنا في خطاباتنا وفي كتاباتنا ، كانت العصا التي نتوكأ عليها دائما ، كعصا موسى التى كان يتوكأ عليها ويهش بها علي غنمه ، وكنا نفتخر به ونستشهد به امام مواطنينا في بلاد العجم . فنقول : هؤلاء ابطالنا هؤلاء قادة الفتح الاسلامي ، هذا خالد بن الوليد ، وذلك سعد بن ابي وقاص ، وهذا عقبة بن نافع ، وهذا طارق بن زياد ، وهذا محمد بن القاسم ، ونقول :

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

اذا جمعتنا يا جرير المجامع

أولئك الذين خرجوا بحفنة من البشر : بقلة من العدد ، فقراء لازاد عندهم ولا مدد وفتحوا هذا العالم الواسع ، ولكن هذه النكبة افقدت هذا التاريخ الاسلامي الشئ الكثير من روعته وجلاله ، واضعفت ثقة المواطنين في كل بلد بهذا التاريخ ، وأصبحوا يشكون في صدقه . ويقولون : ( اساطير الاولين ) كيف نصدق هذا التاريخ ، وكيف نصدق ان تلك القلة غلبت على الكثرة وهذا العالم العربي ، وهذه الحكومات

العربية كلها زحفت الى اسرائيل ، ورمت بثقلها عليها ، وتحدتها تحديا لم نسمع مثله في الزمن القديم ، تحديا أصم الاذان ، وخلع القلوب ، ولكن ماذا رأينا ؟ رأينا هذه الحفنة البشرية ، هؤلاء الشذاذ الافاقين ، هذه الشرذمة القليلة التى لفظتها أراضيها وبلادها ، استولت على هذه الحكومات ، وهنالك . تخرس الالسن ، وتنتكس الرقاب ، ويخون الجواب ، انها خسارة لا تعوض ، انها لغز لا يفض

ما هو المتوقع والمعقول على اثر هذه النكبة ايها الاخوان ؟ ! أليس ان نحكم على الحوادث . حكما صحيحا . وعلى الرجال والشخصيات التي تحملت مسؤولياتها ، ونقرر ان هؤلاء قد خسروا المعركة وان الطريق الذى اختاروه طريق عقيم مسدود ، اننى لا اتحدث عن الوعى الايماني الوعي الذي كان يتصف به صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتابعون لهم باحسان انهم كانوا لا يخضعون للرجال ، انهم كانوا دائما يخضعون للحقائق ، ويحاسبون الخلفاء والامراء على تصرفاتهم واخطائهم ويقولون كلمة حق عند سلطان جائر ، ولكنني اتحدث عن الوعي السياسي ، بل الوعى المدني الذي رأينا مظاهره . وأمتته الرائعة في الشعوب المادية ، التي لا تدين بالاسلام ، ان الانكليز والفرنسيين لا يغتفرون للذي يجني عليهم ويلوث كرامتهم ان الانكليز لم يغتفروا للمستر ( ايدن ) رئيس وزراء بريطانيا الاسبق ، لما اخفق في معركة السويس ، وألحق بهم العار ، ماذا فعل ايدن ؟ انما اخطأ في التقدير ، ولكن الشعب الانكيزي لم يسامحه وقال له تفضل واترك . كرسي الحكم

واذهب الى زاوية من التاريخ ، والى مؤخر الشعب ، وكذلك توارثت أمم كثيرة ، بغض الرجال الذين تأمروا عليها ، وامتهنوا كرامتها ، ولوثوا شرفها ، هذه طبيعة في الانسان ، وهو سر في رمى الجمرات ، وقد حافظت الشريعة الالهية على هذه الطبيعة ، فما هذا الرمي عند الجمرات الا اثارة للبغض والترة التي يجب أن نحملها لعدونا الاكبر ، الذي كان سبب شقائنا ، والذي حاول مرارا أن يمنع ابراهيم من امتثال أمر الله ، والذي لا يزال واقفا لنا بالمرصاد

ان العرب عرفوا في التاريخ بالغيرة الشديدة ، عرفوا بالنخوة والاباء ، عرفوا بالحكم العادل على أئمتهم وعلى أمرائهم . وعلى صالحهم وزهادهم ، لم يهابوهم ، ولم يداهنوا ، ولم يمتنعوا عن كلمة الحق هؤلاء العرب نرى عددا من شبابهم اليوم ليسوا سالكين هذا المسلك القويم وبذلك يصدق عليهم قول شاعرهم القديم

يجزون من ظلم اهل الظلم مغفرة

ومن اساءة أهل السوء احسانا

كان ربك لم يخلق لخشيته

سواهم من جميع الناس انسانا

لقد جربنا ايها الاخوان : اننا لما تجردنا عن الدين ، ولما تنكرنا للاسلام ولما أفلسنا من الروح الدينية فقدنا كل شئ ، اننا لم نعد بشيء ، اننا لم نرجع الا بخفى حنين ، هذه التجربة تكفينا وتغنينا عن كل تجربة جديدة ، فلنعد الى الاسلام .

لنعد الى الاسلام بشجاعة ، لنعد الى الاسلام بصراحة وصدق ، ان الصدق ينجي

والكذب يهلك ، ان الصدق هو الذي ينفع الافراد والامم ، ان النفاق لم يغن عن الاقوام ولا يغني ان كل محاولة قامت في دور من ادوار التاريخ لصرف هذه الامة العربية عن منبعها الاصيل ، عن منبعها الذي كانت تستمد منه الايمان وتستمد منه القوة ، والشرف والوحدة ، أخفقت وباءت بالفشل الذريع ، سواء أكانت محاولة مسيلمة الكذاب ، ومحاولة المتنبئين في هذه الجزيرة أم كانت محاولة القرامطة في ناحية من نواحي هذه الجزيرة نفسها ، أم كانت محاولة الباطنيين والفلاسفة ، أم كانت محاولة القوميين في العهد الاخير ، بمفهومها العقائد وفلسفتها القائمة بذاتها . ان كل محاولة قامت لصرف هذه الامة العربية عن ايمانها ، وعن قائدها الذي قدر الله ان يكون الامام الخالد ، والنبي الخالد لهذه الامة الذي هو عنوان شرفها ورمز قوتها ، وسر انتصارها ، ان كل محاولة بذلت لصرف هذه الامة عن قائدها وامامها . وعن دينها وعقيدتها ، وعن رسالتها ودعوتها وعن منبعها ومرجعها . فشلت وستفشل ، لنقرر أنه لا ملجأ من الله ولا منجى الااليه فان قصتنا هي قصة اولئك المتخلفين ، الذين تخلفوا في غزوة تبوك ، وقال الله فيهم : الثلاثة الذين خلفوا حتى اذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله الا اليه ، ثم تاب عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم " ( ٧ ) ، لقد ضاقت علينا الارض بما رحبت . هذا معا لا شك فيه ، سيروا في الارض وانظروا كيف أصبحنا أذلاء ،

كيف سقطنا في عيون الناس . وضاقت علينا أنفسنا ، وهذا ما نشعر به وتشهد به قلوبنا وقد رأينا ان لا ملجأ من الله الا اليه . . فالطريق مظلم ومسدود ، فلنقرر الحقيقة ولنعترف بالواقع ، ولنقل بصراحة وشجاعة إننا لم نستفد شيئا من الثورة على الاسلام ، فلنحكم على انفسنا ، ولنقل لقد اخطأنا واننا نرجع الى حظيرة الاسلام ونرجع الى قوة الاسلام ، التي لا تزال منتظرة لان تسعفنا ، وتأخذ بيدنا ، وان ترفعنا من هذا الحضيض الذي تردينا فيه . أيها السادة الكرام ! اننى اشعر بأنني قد قسوت بعض القسوة على اخواني الذين أحبهم واجلهم ، والذين قد ربط الله مصيري بمصيرهم ، والذين جعل الله شرفهم شرقي ، وهوانهم هواني ، وقد صرخت بهذه الحقيقة ، وارسلتها كلمة مدوية في الهند في كل مناسبة ، لقد قلت لهم : ان مصير المسلمين في كل بلد مرتبط بمصير العرب ، فاذا عز العرب عز الاسلام والمسلمون ، واذا ذل العرب ذل الاسلام والمسلمون ، اولئك الذين لا اعدل بهم قوما ولا اعدل بكتابهم كتابيا ، ولا : اعدل بلغتهم لغة ، ولا اعدل بحضارتهم حضارة ، على ذلك أحيي وعلى ذلك أموت ، وما حملني على هذه الصراحة . أو هذه المرارة ، الا الاشتراك ، الا انني ألتقي معكم في كل شئ . الا انني اخذ بنصيبي مما أنتم فيه ، فالى الراية المحمدية ايها العرب ، لا الى الراية القومية ، ولا الى أي راية جاهلية .

لقد : نقذكم الله من هذه الجاهلية ، وانقذ أما وبلادا بفضلكم ايها العرب ، فلا تعودوا الى هذه الجاهلية ، لقد كانت لهذه الامم

جاهليتهم ، وحضارتهم وشعاراتهم ، وأنساب تفتخر بها وآداب وتقاليد تعض عليها بالنواجذ ، ولكنكم حملتهم اليها رسالة الاسلام ، فانقذتموها من هذا المستنقع . . فكيف يجوز لكم ان تعودوا الى جاهليتكم وانتم ايها الاخوة العرب ، يا أهل مكة . يا سدنة البيت الحرام ، بنيتم بيدكم العفيفة النظيفة ، الكريمة الشريفة ، هذا البيت ليعلو على البيوت كلها ، وليعلو على الاصنام ، ويعلو على الهياكل ، كيف يجوز لكم ان ترجعوا الى هذه الهياكل الظالمة المظلمة ، الموسخة المتعفنة . من هنا ارتفع الصوت الذي دوى في الآفاق ، وحطم الاصنام ، وفك السلاسل والاغلال ، وغير مجرى التاريخ ، وقلب تيار الحوادث .

من هنا انبثق ذلك النور الذي انتشرفي العالم وانقذ الامم . واحيا الرمم واحيا النفوس البشرية ، فكيف يجوز لكم ان تعودوا الى هذه الجاهلية البالية التي اصبحت اوربا تعافها ، واصبحت الأمم الجاهلية التي عكفت عليها قرونا واحقابا تتبرأ منها ، إذا كانت اوروبا قد رفضت هذه القوميات ، وعرفت معرتها ، وعزقت جنايتها على الانسانية ، كيفا يجوز لكم ان تتناولوا هذه اللقمة التي لفظتها اوربا من فمها ، كيف يجوز لكم ان تلتقموها ، انتم يا كرام الناس يا اولئك الذين كانوا يرفدون القبائل ، ويتصدقون على الفقراء ، العالم كله في ضيافتكم وعلى مائدتكم ، فحرام عليكم ان تعيشوا على فنات مائدة غيركم ، على العظام البالية النخرة .

ان موقف كثير من اخواننا العرب في غير هذه البلاد موقف يحرجنا ، موقف

يحرج الدعاة في الهند وباكستان وبلاد العجم ، موقف يحرج أولئك الذين لا يعرفون غير الاسلام دينا ، وغير القرآن كتابا ، وغير الشريعة نظاما وقانونا ، وغير محمد بن عبد الله اماما وقائدا .

عطفا عطفا ، رفقا رفقا ، ايها العرب ، لا تحرجونا عند مواطنينا ، لا تحرجونا في بلاد بعيدة عن مهد الاسلام اذا لم تحسنوا الينا ، فبالله لا تسيئوا الينا اذا لم تزيدوا في قوتنا ، فبالله لا تنقصوا من قوتنا ، من حماستنا ، من ثقتنا بالاسلام ، من ثفتنا بنفوسنا المؤمنة ، من ثقتنا بتاريخنا الاسلامي ، من ثقتنا بانكم اصحاب الفضل في اسلام هذه الامم ، التى كانت تتسكع في الجهالات ، وكانت ترسف في العير الاغلال ، وكانت تتورط في الاوحال والمستنقعات

رفقا ، ايها العرب ، ارحموا المسلمين اولئك الذين يكافحون الشعارات الجاهلية ، ويهتفون بالاسلام ويهتفون بالقرآن ، ان موقفهم دقيق ، انتم الذين انشأتم هذه الاجيال المؤمنة ، وكانت في جاهليتها تعبد البقر وتعبد الشجر والحجر . ولا تزال منها بقية في آسية وافريقية ، تنظر اليكم كفقير بائس وكجائع عطشان وتقول لكم بلسان الحال : ( أفيضوا علينا من الماء او مما رزقكم الله ) افيضوا علينا من مائدة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، لا تكونوا أقل اعتزازا به

وافتخارا من الاعاجم ، انتم اولى به من أولئك الذين لم يتصلوا به بنسب ، ولم يتصلوا به بلغة ، ولم يتصلوا به بوطن ، ولم يتصلوا به بدم ، ترون الرجل في الهند اذا ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم ، ترنحت اعطافه ، واهتزت مشاعره ، والتهبت جذوته ، وتفتحت قريحته فأصبح ليثا مغوارا . هؤلاء الاتراك لا يزال لهذا الاسم سحر في نفوسهم ، ليس لكلمة أخرى من اسماء السادة والقادة ، قولوا محمدا وسلوهم ما شئتم ، استخدموهم كالاخوة ، واستخدمونا نحن الهنود باسم الاسلام ، كيف يأتي الناس يسعون على رؤوسهم ، وعلى عيونهم الى هذا البيت من كل فج عميق ؟ ! ولا تزال تلك القوة الكبرى التي لم يعرف العالم في تاريخه الطويل قوة أكبر منها ، فوالله ان اوربا ترتعد فرقا من هذه القوة . . انها نامت النومة العميقة الحلوة بعد هذه النخبة

انني ارجوكم أن تسامحوني اذا قسوت عليكم بعض الشئ ، فما دفعتى الى ذلك الا الاخلاص . ان مثلي ومثلكم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المحيا محياكم والممات مماتكم " فوالله لولا هذه الرابطة الحبيبة ، الرابطة التي أكرمنا الله بها ، لكان لنا تاريخ غير هذا التاريخ ، وكان لنا وضع غير هذا الوضع ، الاسلام هو يربطنا بكم ، ويربطكم بنا ، هذا الاسلام الذي نريد أن نلتقي عليه ، وأن تتولوا قيادته من جديد

اشترك في نشرتنا البريدية