الشعر العربى وفي القرآن الكريم
أما كلام أهل اللغة فالى الاستاذ منه ما يلى :
١ - يقول أبو الفضل جمال الدين محمد ابن مكرم بن منظور فى كتابه " لسان العرب قال ابن برى وقد جاء الرؤيا فى اليقظة . قال الراعي :
فكبر للرؤيا وهش فؤاده
وبشر نفسا كان قبل يلومها
وعليه فسر قوله تعالى : " وما جعلنا الرؤيا التى اريناك الا فتنة للناس " . قال : وعليه قول أبي الطيب :
ورؤياك احلى فى العيون من الغمض
انتهى ما فى لسان العرب وما ذكره عن ابن برى هو من ضمن مناقشته للحريرى
فى هذا الموضوع الذي أورده الشيخ العلامة أبو عبدالله رضي الدين محمد بن ابراهيم المعروف بابن الحنبلي أحد أعيان القرن الحادى عشر فى كتابه " بحر العوام فيما أصاب فيه العوام " وهو رد على كتاب الحريرى " درة الغواص في ذكر اوهام الخواص " .
قال : من ذلك - أى مما أصاب فيه العوام خلافا لدعوى الحريرى - قولهم : سررت برؤيا فلان اشارة إلى قراءته خلافا للحريرى اذ قال : انهم يهمون فيه كما وهم أبو الطيب فى قوله لبدر بن عمار وقد سامره ذات ليلة إلى قطع من الليل :
قضى الليل والفضل الذى بك لا يمضي
ورؤياك احلى فى العيون من الغمض
قال : والصحيح أن يقال : سررت برؤيتك لان العرب تجعل الرؤية لما يرى فى اليقظة والرؤيا لما يرى فى المنام كما قال سبحانه وتعالى اخبارا عن يوسف عليه السلام : " هذا تأويل رؤياى من قبل " هذا ما ذكره - أى الحريرى - وناقشه فيه ابن برى فذكر ان أصل الرؤيا أن تكون فى المنام الا أن العرب قد استعملتها فى اليقظة وأنشد قول الراعي يصف ضيفا طرقه ليلا :
رفعت له مشبوبة عصفت لها
صبا تزدهيها مرة وتقيمها
فكبر للرؤيا وهش فؤاده
وبشر نفسا كان قبل يلومها
قال : وعلى هذا فسر في التنزيل وعليه جملة المفسرين قوله تعالى : ) وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس " يعنى ما رآه ليلة المعراج فكان نظرا فى اليقظة لا فى المنام . انتهى ما فى بحر العوام .
٢ - يقول ابن الانيارى كما فى " زاد المسير " لابن الجوزى : لا فرق بين أن يقول القائل : رايت فلانا رؤية ورايته رؤيا الا ان الرؤية يقل استعمالها في المنام والرؤيا يكثر استعمالها في المنام ويجوز كل واحد منهما فى المعنيين .
٢ - قال ابن دحية كما في شرح المواهب اللدنية للزرقاني : قال أهل اللغة ثبت رؤية وزوت برية وقرى . وكما حكى ابن دحية هذا عن أهل اللغة حكاه البغوى عن العرب في نفسيره قال : العرب تقول رأيت بعيني رؤية ورؤيا .
وأما استعمال الرؤيا فى الشعر العربي بمعنى النظر في اليقظة فقد استدلوا له ببيت الراعي المتقدم وهو :
فكبر للرؤيا وهش فؤاده
وبشر نفسا كان قبل يلومها
وممن استدل به على ذلك السهيلى فى " الروض الأنف شرح سيرة ابن هشام " وأبو بكر ابن العربي في عارضة الاحوذى شرح الترمذى "
وأما استعمال الرؤيا في القرآن بمعنى الرؤية ففي قول الله تعالى : " وما جعلنا الرؤيا التى اريناك الا فتنة للناس " فان المراد بالرؤيا هنا رؤية العين كما أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد والبخاري والترمذي والنسائى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردوية والبيهقى فى دلائل النبوة عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال في قوله تعالى : " وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس قال : هى رؤيا عين اريها رسول الله صلى الله
عليه وسلم ليلة أسرى به الى بيت المقدس وليست برؤيا منام .
ولا شك ان ابن عباس من فصحاء بني هاشم ومن أئمة اللسان وقد تلقى تفسيره هذا بالقبول من لا يحصى من السلف ، منهم الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة ومسروق والنخعي وقتادة وأبو مالك وأبو صالح وابن جريج وابن زيد ، وجزم ابن جرير الطبرى فى تفسيره بأنه أولى ما قيل فى تفسير الرؤيا هنا بالصواب قال : " لأجماع الحجة من اهل التاويل على ان هذه الآية انما نزلت في ذلك )١ ( وممن اختار هذا القول من أئمة اللغة ابن الانيارى كما فى " زاد المسير " لابن الجوزي . ويؤيد هذا المسلك في تفسير الرؤيا قوله تعالى : " الا فتنة للناس " لانها لو كانت رؤيا نوم ما افتتن بها الناس حتى ارتد بعض من أسلم وقال الكفار يزعم محمد انه أتى بيت المقدس ورجع الى مكة المكرمة ليلته والعير تطرد اليها شهرا مقبلة وشهرا مدبرة ولو كانت رؤيا نوم لم يستبعد أحد منهم هذا فمع أن : النائم يرى نفسه فى السماء وفي المشرق وفي المغرب فلا يستبعد منه ذلك . ذكر هذا السهيل في " الروض الأنف " وأبو بكر بن العربي فى " العارضة " وكلام أئمة التفسير وأئمة السير واللغة والنحو فى هذا كثير
لذا نرى للاستاذ فتح الخولى أن لا يتعلق بسكوت بعض الكتب المختصرة فى اللغة عن هذا الاستعمال وان يتلقى ما ذكرناه بالقبول والله ولى التوفيق .

