الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

بين المنهل وقرائه، سؤالان

Share

يغتبط المنهل بفتح هذا الباب الجديد ، ليتحدث الى قرائه الكرام من منبره ، ويتحدثوا اليه فيما ينشر الثقافة وينير الافكار من المسائل الادبية والعلمية                       " المحرر "

١ - استلفت نظري من مطالعة عدد " المنهل " الاول فى سنتها الثانية ورود كلمتى ( برتقة ) - عرضا و ( غضاضة )  قصدا -فراجعت ما لدى من كتب اللغة ، باحثا عن اصلهما ؛ ومتحققا عن عربيتهما ، فتبادر الى ذهنى أن الاولى ( دخيلة ) والثانية ( أصيلة ) ولكن كيف الجمع بين مفهوم قول اللغويين فى معنى ( الغضار- الغضراء)  ومنطوقه فى الغضارة ) ؟ ! وهل ( البؤطة ) فيما يأتي من كلامهم - عربية ؟ فنستغنى بها عن مرادفتها ( الدخيلة ) ام هما سيان في المعنى والاصل ؟ !

فى كتاب ( تكملة اصلاح ما تغلط فيه العامة ) لابى منصور موهوب بن احمد ابن الخضر الجوالبقى الحنبلى ( ٤٦٦-٥٣٩ ه ) وحواشيه للامام ابن بري : ويقولون ( اى العامة فى لحنهم  (٩) ) - للشئ الذى تذيب فيه الصاغة ونحوهم من الصناع : البوتقة ، وقال الخليل : هى البؤطه - قال ابن برى رحمة الله : المعروف من هذه اللفظة البوطقة - اه

وفي ( المنجد ) - بعد وضع علامة الدخيل - : البوتقه والبودقة الذى يذيب فيه الصائغ المعدن اهـ . وفيه ايضا ولم يضع المؤلف علامة الدخيل - البوطفة هى البوتقة اهـ .

وفي ( الافصاح فى فقه اللغة ) : البوطة الذي يذيب فيه الصائغ وقال الامام ابو منصور الثعالي في فصل ( ترتيب القصاع ) من كتاب ( فقه اللغة ) فأما " الغضارة " فانها مولدة لانها من خزف (٢) وقصاع العرب كلها من خشب.. وقال فى ( تفصيل اسماء الطين وأوصافه ) من الكتاب نفسه : فاذا كان حرا طيبا علكا وفيه خضرة فهو الغضراء . وفي ( المنجد ) : الغضار الطين اللاذب الحر الصفحة المتخذة منه . وفيه أيضا : الغضارة القصة الكبيرة ( فارسية ) : وقـــــد أورد " الجواليقي " كلمة " الغضارة " فما يفتح أوله و العامة تكسره - من تكملته - ولم يزد على ايرادها .

٢ - جاء في كتب التاريخ : ان " وادى القرى " واد كثير القرى من أعمال المدينة - بينها وبين الشام - . فأين موقعه ؟ وما هى حدوده ؟ وهل باق من قراه الكثيرة - في العهد الحاضر - شيئ ؟ !

و جوابان

قبل كل شئ نشكر للكاتب الأديب عنايته بلغة العرب وآثار بلاد العرب ونرجوا أن يقبل قراؤنا الكرام على هاتين الناحيتين فيشبعونهما بحثا ودرسا يجلوان من غوامضهما ويكشفان عن كنوزهما لمخبوءة ودررهما المصونة وعندنا للكاتب السائل جوابان على سؤاليه فنقول :

الجواب على السؤال الاول

جاء فى لسان العرب لابن منظور ان ( الغضارة ) هي الطين الحر . وعلى فرض ما ذكره ابو منصور الثعالي من أن الغضارة مولدة لسبب كون قصاع العرب من خشب كلها والغضارة من خزف ، فنقول على هذا الفرض : ان العرب لما وجدت

لديهم قصاع الخزف بحثوا عن المادة اللغوية التى تصلح لتسمية هذا النوع المستجد.. لديهم من القصاع فوجدوا لفظة ( النضارة ) فاطلقوها عليها من باب تسمية الفرع باسم الاصل . فالغضارة وان تكن مولدة الموضوع فهى عربية الاشتقاق والاستعمال أصيلة فى العروبة .

وأما ( البوطة ) فأرى انها هي وزمياتيها : البوتقة والبوقة - الجميع معرب مولد بلا فرق ، بدليل قول ( تاج العروس القاموس ) بعد أن اورد القاموس لفظ ( البوطة ) هكذا في مواده ، وبعد أن فسرها بانها ما يذيب فيها الصائغ والصانع ، قال ( أي التاج ) ما نصه : -

" قال شيخنا : وظاهره ( أى ظاهر ايراد القاموس للبوطة فى مواده ) انها ( أى البوطة ) عربية ، وليس كذلك ، بل هو معرب ( بوته ) كما في شفاء الغليل انتهى ، قلت ( أى التاج ) : وهى البودقة والبوتقة " اهـ

( الجواب عن السؤال الثاني ) -:

سأل الكاتب الفاضل عن موقع وادى القرى وحدوده وهل باق من قراه الكثيرة فى العهد الحاضر شئ . ونجيبه عن موقع ( وادى القرى ) وحدوده بانه جاء فى معجم البلدان لياقوت الحموى (ج ٣ ص ٧٣ ) ما نصه : -

" وادى القرى واد بين الشام والمدينة ، وهو بين تيماء وخيبر وفيــــــه قرى كثيرة وبها سمى وادى القرى قال ابو المنذر سمي وادى القرى لان الوادى من أوله الى اخره قرى منظومة وكانت من أعمال البلاد . واثار القري الي الان بها ظاهرة ؛ الا انها فى وقتنا هذا كلها خراب ومياهها جارية تتدفق ضائعة لا ينتفع بها احد . قال ابو عبد الله السكونى وادى القرى والحجر والخباب منازل قضاعة ثم جهينة وعذرة وبلى ، وهي بين الشام والمدينة يمر بها حاج الشام ؛ وهي كانت قديما منازل ثمود وعاد وبها اهلكهم الله واثارها الى الان باقية ونزل بعدهم اليهود واستخرجوا كظائمها (١) وأساحوا عيونها وغرسوا نخلها فلما نزلت بهم القبائل عقدوا بينهم

حلفا وكان لهم فيها على اليهود طعمة وأكل في كل عام ومنعوها عن العرب ودفعوا عنها قبائل قضاعة "اهو يقول ياقوت ان النبى صلى الله عليه وسلم غزى وادى القرى ونزل به سنة سبع بعد غزوة خيبر لانه متصل بها .

وفي مادة " حجر " يقول ياقوت : " الحجر ديار ثمود بوادي القري بين المدينة والشام ، قال الاصطخري : الحجر قرية صغيرة قليلة السكان وهو من وادى القرى بين جبال وبها كانت منازل ثمود قال الله تعالى : " وتنحتون من الجبل بيوتا فارهين " قال ورأيتها بيوتا مثل بيوتنا فى اضعاف جبال وتسمى تلك الجبال : الا ثالث ، وهى جبال اذا رآها الرائى من بعد ظنها متصلة فاذا توسطها رأي كل قطعة منفردة بنفسها يطوف بكل قطعة منها الطائف . وحواليها الرمل لا يكاد يرتقى . كل قطعة منها قائمة بنفسها لا يصعدها أحد الا بمشقة شديدة وبها بئر ثمود التى قال الله فيها وفى الناقة : " لها شرب ولكم شرب يوم معلوم " وقال ياقوت في مادة " العلا " : انه اسم لموضع من ناحية وادى القرى

قلت

فاذا كانت حدود وادي القرى هى ما بين خيبر وتيماء ؛ واذا كان الحجر والعلا من وادى القرى وادا كانت " مدائن صالح " هي الحجر ، واذا كان وادي القرى بجملته هو منازل ثمود واثارهم به باقية وبه أهلكهم الله واذا كانت مدائن صالح هذه هي ديار ثمود التى اشار اليها البارى جل وعلافي قوله العزيز " وانكم لتمرون عليهم مصبحين " واذا كان تعالى سمى ثمود أصحاب الحجر فى قوله تعالى كذب أصحاب الحجر المرسلين " واذا كان وادى القرى خرب أكثر القرى فى عصر ياقوت وما قبله واذا كان طريق حاج الشام  - اذا ثبت هذا كله وكله ثابت فلنرجع اذن الى لمصورات الجغرافية الفنية تستنطقها بسم حدود وادي القرى المشار اليه ، لنتعرفها

كما هى ، ولنطبق القول على العمل ، والتاريخ و رواياته على المشاهدة ، ولنفهم حقيقة وادى القرى هذا الذي طالما استوقفتنا جهالة حدوده ازما يطله عند في كتب الجغرافية القديمة والحديثة فلم نجد عنه فى الاولى الا اجمالا واستعراضا و ورودا عرضيا فى الغزوات والسير ، ولم نجد له فى الثانية اسما يذكر, سبحان الله هكذا يستتبع اندثار الاثر اندثار الخبر ، فوادي القرى من أودية الحجاز الخصبة التاريخية ولكنه لما طال به هد الاندثار اندثر خبره وأصبح موزع الاشلاء ، متشتت الأعضاء ، متفرق الكيان ، وكأن اسم " وادى القرى " وضع على شئ خرافى لا حقيقة له ولاحدود ولا تاريخ ولا كيان . هذا بحث نعلن شكرنا الجزيل لهذا الكاتب الاريب الذي أثار منا بسؤاله القيم البحث عن حقيقة هذا الوادى من بطون الكتب بعد أن عمت جهالته ، وأصبح نسيا منسيا وهيان بن بيان ؟

اننا إذن بعد ذياك التحديد التاريخي ملزمون بالعودة الى المصورات الجغرافية نستنطقها حدود " وادينا الخصب المجهول الموزع الاوصال " ولكن مصورات الجغرافيا الحديثة لبلاد العرب لا تعنى بهذا البحث الاثرى التاريخي ، ولا يهمها رسم المواقع العربية على حقيقة ماضيها الذهبى انما هو شىء مبهم . واسماء مستحدثة وذكر عام لمشهور المدن والقري ، فاما وادي القري فانه شئ مضى وانقضى ، وتحديده وتحقيقه ثم رسمه و وضع اسمه بحروف كبيرة على حدوده وقراه امر فيه من عنت البحث ما يتجنبه الجغرافيون الموجودون من العرب الذين لا يهمهم الا الظواهر والمجسمات والامور الضخمة المعروفة بالبديهة والمشهورة فى العالم .

عثرت في مكتبة شيخ الاسلام عارف حكمة بالمدينة المنورة على خريطة نظمها (المكتب الحربي العسكري لمالك الدولة العثمانية عام ١٣١٧ ه ) وقدراعنى من هذه الخريطة الحربية للممالك العثمانية في تلك الحقبة من الدهر دفتها وما آتت به من تفصيل القرى والمواقع والجبال والتخوم والمسالك والأودية والبحار ، تفصيلا

فنيا دقيقا .. ففي هذا المصور يرى النظر فضاءا واسعا يقع بين تــــيماء وخيبر ؛ يكتنفه من جهة الغرب (وادى معظم ) و( بركة المعظم ) و( جبل عنيزة ) و( مدائن صالح ) و( وادى جيده ) و( وادى اسماعيل ) ويكتنفه من جهة الشرق ( جبل برد ) و( جبل الحزام ) و( جبل اليمن ) ، ويتضمن هذا الفضاء : منطار بطا وجبل شرعب وجبل الحجر وجبل ملقان وقلعة الزمردوقرية العلا - فهذا الفضاء الواسع بمافيه وبما يحيط به متصلا  به من الاودية والجبال والمواقع - هو مجموعة (وادى القرى ) المبحوث عنه .

أما قرى هذا الوادي فقد مر بك عز ياقوت خراب اكثرها فيما قبل زمنه ونعلم من قراه العامرة اليوم ( قرية العلا ) أما ما سواها فاكثره خرب مندثر وقد توجد هناك قبائل لها زرع في بعض أطلال القرى ولكن هذا أمر لا يستحق الذكر

اشترك في نشرتنا البريدية