ليس من باب مناقشة " لفظة " الاستاذ نور الدين صمود التى شرفنى بها ، فى" الفكر " ( افريل 1967 ) ، رفعت قلمى . فأنا اثق بنزاهة هذا الشاعر . واعجب بعضلات قلمه وهو يقف فى " الفكر " راشقا جيش كافة المساهمين فى عدد "مارس" بالفاظ " نقدية " مرفرفة آنا كالفراشات وضناحكة آنا بشكل "عائلى" - وهى " الفاظ " بريئة لا تدعى نقدا ولا تدعو إلى النقد . ولكنها _ فى رايى _ تشكل فى الجملة " فكرة " تبنتها (*) مجلة " الفكر " باعتبار انها امتداد لعدد النقد ( الخاص ) (جانفى ) الذى كان " للفكر " شرف معالجته بعمق وأصالة . . .
و من اجل ضمان نجاح هذا " الامتداد " وصيانة الوثبة الفكرية ، كى لا ينقطع الحوار بين حلقات جهود الادباء ، لتسمح لى " المفكر " بابداء بعض ملحوظات حول" الباب " الذى فتحه صمود ، و الذى نرجو ان يتردد عليه الادباء ، حتى تتحقق " وثبتنا النقدية " وتسقط الاقنعة من على الوجوه ، وترتفع المناقشة " الادبية " إلى مستوى انقى بهواء . . .
أولى بديهيات المنطق - فى ما أعتقد - ان " قلما " نقديا واحدا لا يستطيع مهما كانت لياقته الخارجية ، او حجمه ، ان يحمل ( أفقيا او عموديا ) وزن او كرامة مجلة محترمة " كالفكر " ومن لم يقتنع بهذا الزعم ، فليقس على صمود ، ولا يجشمنى وحدى ، الاستقراء . . .
2_ما دمنا لا نملك أقلاما " نقدية " لديها ضمانات صريحة تجعل القارئ و المبدع ، يفوضانها لربط صلة الحوار بينهما ، يتحتم على " الاقلام " المتصدية للنقد ، ان تقنن وتضبط على " العتبة " مفهومها للنقد ، قبل ان تطرق باب " آراء فى العدد الماضى " كى لا تتناقض مع " المقدمة " ويصبح الناقد موضوع النقد . ( كان يبدأ بالحديث عن الموضوعية ثم ، عند التطبيق ، يقول هذا الشاعر تلميذى وهو اجمل من ابيه . . . )
ولا يخفى ان ضبط المفاهيم وتدقيق الالفاظ ، ضرورة من ضروريات الموضوعية البناءة . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى بهذا " التدقيق " لا شك ان جرس المسؤولية يدق فى ضمير القلم الناقد " . . .
3_ الناقد ليس ناقدا حتما ، لانه من متأبطى " الدكتوراه " او " الشهادات " بل لان سلامة حسه ، وآفاق أدراكه ، وأصالة موهبته ، تجعلنا نعترف به " ناقدا " او نرفع عنه هذا " الاتهام " النقدى . . .
اذن - الرجاء - من المتصدى للنقد ، ان يعفى القارئ من اثقال ثقافته المجسمة فى نصائحه ومواعظه الخ . . . بشكل خشن لا يسمن ولا يغنى من جوع وانما يجعل القارئ يستثقل هذا الذى يستقطب ، ويتسربل بالحكمة ، ويجعل من نفسه " مرشد سواح " لكل عابر فى الارض الواسعة ذلك ان من طبع البشر ، ان ينفروا من " الرأس " الذى هو " جملة رؤوس وخلاصة كتب ، وأدبنا لم يعد فى حاجة الى الاقلام المستعارة ، بل الى التى تكون " هي " بطابعها " هى " وبلونها " هى " وبشخصيتها " هى " . . . . فلا تنطق بألسنة من هنا ، وتنظر بعيون " الآخرين " . . .
لا جدوى للحوار ، بين اجزائنا المتكاملة ، وبين ثقافتنا ككل ، و بين القلم والورقة ، وبين الناقد والمنتقد والقارئ ، الا . . باحساس كل طرف " بضرورة " التحاضن الفكرى " والسعى الى الائتلاف والمبادرة ، والانجذاب العفوى الصادق ، اذن فالرجاء من " الفكر " تجنب " فكرة " تعيين " أو " تفويض " فلان او فلان ، للنقد - فينتج عن ذلك " تقمص فى الانفعال او الاستجابة ، مما يؤدى الى السطحية او الارتجال . . . بل " الرجاء " ان يترك المجال للمبادرة من " النقاد " انفسهم ، تلك المبادرة التى هى بحق ، أصل " العطاء " البعيد عن " الاجهاض والتصنع " والبهلوانية . . .
ولا أريد ان تنتهى هذه " الكلمات " قبل ان اجعل مسك ختامها الاعتراف بالفضل لصاحبه الصديق الشاعر نور الدين صمود ، الذي سمونا بمبادرته ، الى هذا الصعيد ، من الحوار الصافى ، الذى هو صعيده . . .
67/4/18 . .

