عوامل تخلف ويقظة الفكر العربي الحديث
أود أن لا يفوتني نقطة هامة في تبيان جانب من جوانب محاربة الفكر العربى من قبل الغزاه من الاوربيين فى مصدرية الروحى والمادى ، فمن جملة الأسباب - كما أتصورها - جوانب نفسية يمكن تسميتها بعقدة الخوف من تيار هذا الفكر بتصويره بأنه مفترس يحاول ابتلاع كل ما عداه من الحضارات . . هذه العقدة افتعلها منذ البداية رجال الاكليروس أو رجال التبشير فقد أبدعوا وأجادوا في تشبيه هذا الفكر بتنين مرعب زعموا انهم سيرمون لأنيابه فيما لو تساهلوا مع هذا الفكر ، أو لم يأخذوا بجانب المجابهة العنيفة له ؟ وهذه العقدة النفسية ، أو مشهد التخويف ، اتخذ أساليب مثيرة ، سواء في تشويه دعاة هذا الفكر والصاق التهم والأكاذيب التى تنطلى على الغافلين البعيدين عن مجال الدراسة المتحررة ، أو في تشويه ذات الفكر أو ذات العقيدة المتفرع منها هذا الفكر بتصويره أو تصويرها بالبعد عن مفهوم الانسانية المتمدنة لا غاية لها الا تقويض ما سواها وتسخير ما عداها لخدمتها ، حتى ان
العقلانيين من الاوربيين عندما نشرت لهم دراسة هذه العقيدة وفروعها لمسوا البون الشاسع بين ما عرفوه لتوهم وبين ما سمعوه أو نقل لهم من الاكليروس ، فاندفع عدد منهم للالتزام بهذه العقيدة موضوعا ولو كان على خلافها شكلا خوفا من محاربة العامة ورجال الدين له . . أساليب المحاربة هذه لا أشك في براعتها ودقة صنعها كما لا أشك أبدا في النجاح الذى حققته تلك البراعة فى تجنيد كثرة كاثرة من الناس فى أنحاء المعمورة ضد هذا الفكر يؤيد ذلك أن الحملة الصليبية الغازية لم تكن الا نتيجة من نتائج عقدة الخوف هذه ، ويقيني أن ملوك أوربا لم يستمرؤا الغزو بذلك الاسلوب لو لم يكن ثمة تجاوب جماعي غوغائى كان يهلل من أعماقه لتلك الحملة ويساندها بكل قدراته .
هذا فى الماضى ، أما فى الحاضر ، فان ما يجرى فى المحيط العربى من تناقضات غير مباشرة يعتبر امتدادا طبعيا للماضى ، وأثرا متخلفا منه غرسه الغزاة المندسون فى الصفوف الخلفية فى عالمنا العربي . . لعمري ان ذاك يعد من أخطر الآثار التي خلفها الغزاة في تشكيكهم فى مقدرة الفاعلية الحضارية للعقيدة والفكر العربي الحديث
وأعود الى ما قلته في الحديث الفائت : ان ما ساعد على نجاح الغزو الفكرى افتقاد فكرنا العربى لرجالاته المبرزين فى تكييفه تسويقه بالبحث النظرى والعملى فى ذات الزمن الذي تقاعس فيه الخلف عن اضافة حلقات مجددة ومكملة للمسيرة الطويلة على الأقل حين خمل انساننا وعجز عن المحافظة على ذلك الخط الذهبى الممتد عبر
اجيال متتابعة امتدت اليه يد العفاء درجة درجة حتى انفرط عقده واندثر رسمه وصار أثرا بعد عين وكأن " اقبال " الشاعر الباستاني الفذ عناهم بقوله :
برمت فلا ارجي في اناس
لهم فن كفن السامري
سقاط في ربوع الشرق طافوا
على الندماء بالكأس الخلى
سحاب ما حوى برقا قديما
وليس لديه من برق فتى
في ذلك الوقت كان في الغرب حركة غير مألوفة ولا متوانية قامت لتحارب الركود وتذيب الجمود وتعمل بدأب المتوثب للانطلاق من القيد وتعدو بقوة المتسابق على رهان ليربح الرهان ، كل ذلك من أجل تحرير الانسان هناك من أغلاله الموهنة وحجبه المهلكة . . نظرت الى الانسان بأنه ذلك النبع الدافق متى فجرته ، والمستنقع الآسن متى حبسته .
بتلك النظرة استطاع الانسان فى أوربا رغم طغيانه المادى الانتصار على نفسه حين انصهر في بوتقة سياسية متماسكة أعطت السياسة مجالها وللاقتصاد مجاله ، كما أعطت للنظام قسطه الوافر من القابلية والطواعية ، وللحاكم اطمئنانه في القيادة ، وبالتالي اتاحت لكل مسؤول تحقيق دوره في الحياة دون تداخل فى الصلاحيات أو امتزاج بين المسؤوليات .
ان هناك حقيقة أكيدة يحسن معرفتها تؤكد أن الحضارة الاوربية لم تكن لتصل الى مستواها ذاك الا بعد غربلة الانسان
وتقويم نوازعه بسيطرة ايجابها على سلبها وتغليب جوانب الانضباط فيها على جوانب الاهتزاز والارتعاش ، ولقد كان للمفكرين دورهم الكامل في التهيئة المبطنة بضرورة الاهتمام بسلالة تفكير الانسان أولا باعتبار انه المدار الضابط والمرتكز الثابت للحضارة المتكاملة وكان كل ذلك من صنع المفكرين حيث لم يتركوه الا بعد أن استبان له الطريق اللاحب واصبح في موقف التحدى لكل ما سواه باعتبار انه قد احتل مكان " الافضلية الحضارة " فى العالم
ولقد كانت الحضارة العربية في ذلك الوقت الخصم الذى تعتبره الحضارة الاوربية مكان التحدى والغزو . وعملية الغزو هى بالطبع صراع قد يتعادل طرفاه وقد ينتصر فيه طرف وينهزم فيه آخر ، ولقيمة الحضارة المغزوة أثر هام في مستوى الصراع واطالة مدته أو قصرها ، وللحقيقة التاريخية أقول ان الصراع مع الحضارة العربية كان أطول حقبة تاريخية عاشها صراع بين حضارات متعاقبة عبر مطاوى التاريخ السحيق وكانت النتيجة ان تمكنت الحضارة الأوربية من اكتساحها في جوانب مختلفة من فروعها فما هي العلة ؟
يستطيع المرء أن يقول بسهولة الكلمة انه منذ . انشقت عصا الولاء والانسجام بين القيادات العربية وانتصرت الذات وجمحت العواطف واختلت قواعد الانضباط في المجتمع العربى سنحت الفرصة لعناصر الغزو فتعددت في صورها وأشكالها ، بل وفي مصادرها وروافدها . . صراع لا زالت هذه الحضارة شديدة الى اليوم رغم مغايرة
الظروف السابقة . . مثال على ذلك من مئات الأمثلة الحديثة يبدو مما عملته دائرة المعارف البريطانية في قاموسها من تجاهل اللغة العربية الناطق بها اكثر من مائة وعشرة ملايين من الناس وتهفو إلى فهمها اعداد كبيرة من المسلمين بل حتى من الاوروبيين فى الوقت الذي اعتبرت فيه العبرية احدى لغات قاموسها الى جانب خمس لغات رئيسية فى العالم مع ان العبرية لا يتكلمها سوى ملايين قليلة من اليهود اغلبهم لا يجيدها ، ثم هم لا يرضون من احد ان يتعلمها ، فكيف نعلل هذا الخطأ من جانب الذين وضعوا هذا القاموس ؟
لا شك في نظري أن ذلك من بقايا الحقد الحضاري المترسب عبر أجيال سحيقة خلفه التحدى الحضارى السافر . . وأخلص من هذا الى حقيقة تقول : ان تمكن الغازى من مبتغاه يرتكز على حالة المجتمع التى يعيش فيها فكلما كان المجتمع محصنا في داخله من ركائز الغزاة - كانت فرصته في التمكن منه ضئيلة والعكس والعكس تماما ، ولعل افتقاد عالمنا للحض الداخلى وافتقاره المطلق للقيادات الواعية آنذاك سهل كثيرا لتخلف فكرنا ردحا من الزمن أفقده فاعليته واندفاعه نحو تحقيق التكامل والانبعاث الحضارى المطلوب .
بعد هذه التوطئة المتممة والمشابهة لما قلته في الحديث الفائت عن عوامل تخلف فكرنا العربى ، أعود الى اجابة هامة عن عوامل يقظته الحديثة :
ان ثمة عوامل متعددة روحية وسياسية
واقتصادية وثقافية هي فى جملتها روافد متلازمة وان كانت تختلف في قوة التأثير والفاعلية . .
أولا - العامل الروحى :
ان الدارس المنصف المنقب في ثنايا تاريخ هذه الرقعة من العالم يجد ان العامل الروحى كان دائما بمثابة العصا السحرية المنقذة حين تعتصرها المشاكل وتنقض عليها قوى الغزو المتعاقب في حلكات الليل الرهيب ، ففي كل مرة يجد عالمنا انه قد تعرض لهزة ما يخفق باحثا عن العلاج الروحى كحل ريح وبديل لما سواه ليعيد الوضع الى سابه والامر الى مجراه ، فقلب الجزيرة العربية مثلا كان يعيش فى احدى فتراته التاريخية اقسى فرقة واصعب محنة وأسوا قة بين شعب مكتمل نظريا في وحدته جغرافية والاقتصادية والثقافية . . تجد ين لا يتصل بهما سوى كيلين من الامتار ما في أعنف مشاكسة وانأى ألفة وقربة ، الاجمال تجد مجتمعات متخلفة بدائية وتعيسة مترنحة بين مخالب القوى وانة ضعيف تبحث عن الهدوء فلا تجده الا ات متتالية ، وتسأل القوت فلا تجده الا نكدا ومطعما علقما وهي في عالم الفكر سياسة في زوايا النسيان والأهمال من العالم . . فما هى الأسباب ؟
لقد وجدها مصلح ثاقب في نظره وصالح ذاته وطموح فى تفكيره . وجدها بن عبد الوهاب كامنة في الابتعاد عن الروح وجوهره الصحيح . . وجد سلة في التعاويذ السامة والشعوذة شة فى القلوب المنبثة في النفوس
كقطعة من مخدر يبعد متعاطيه عن فهم الحقيقة كما هى ، وحاول ذلك المصلح أن يصحح الوضع كما يجب أن يكون وهو بذلك لم يكن مبتدعا جديدا ولا مختطا لخط منفرد بل كان سلفى المذهب مقتفيا سيرة الأوائل المصلحين ، واذا كان لكل فعل ردة فعل فان تلك الدعوة قد لاقت أقسى ما تواجهه حركة اصلاحية هادفة تحاول هدم واقع سئ اختمرت مساوئه في النفوس حتى اصبح الخبيث طيبا والطيب خبيثا . . لقد قيل أن اتباعها حالوا هدم قبر الرسول في المدينة متناسين عمدا ان رأى هؤلاء الاتباع هو عدم ملائمة وضع الذهب فوق القبة الشريفة فقط ، وكنت أعتقد ان مثل ذلك القول وذلك التجني بات من مخلفات التاريخ ويصعب قول مثله في عصر اصبحت الحقيقة رائد كل باحث ومنطلق كل مفكر وزال اعتقادى حين شهدت حديثا بين ثلاثة من الشباب لما كنت ادرس في بلد عربي جمعت المصادفة بيني وهؤلاء الشبان الثلاثة القادمين من مناطق متعددة من ذلك البلد . . كان الفندق ملتقانا بعد امتحان مضن يفرغ الطالب فيه كل ما في ذهنه حتى يصبح مكدودا متثاقلا فى تفكيره ، وأقحمت من هؤلاء في الحديث عن موضوع يتصورون معرفتى كثيرا من جوانه هو دعوة الوهابية ، كما يسمونها . ولم اكن كارها لحديث مثل هذا لاسيما وتعميق مثل هذا البحث له جوانب ايجابية في عصر يحتمل في اذهان الكثيرين من الشبان صراع مرير بين المادة والروح . . صراع المادة التى تريد أن تتسلل الى ذهنية الشبان لتعزلهم تماما عن نبع روحى نشأ معهم منذ
كانوا أطفالا ، وصراع الروح التى تريد أن تجعل من الانسان " قيمة " باعتبار انها من الحصون المتينة ضد كل نزعة تريد جعل الانسان شكلا بلا موضوع ودائرة بلا ضابط . .
قال أحد هؤلاء : ان تلك الدعوة حركة التزمت جانب الشدة الدينية وهادفة لجعل الانسان جسما بلا نوازع أوجدتها الفطرة ومسلمات الحياة . وتحادثت معه طويلا ولعلى وفقت بعض الشئ في اقناعه بأن الوهابية لم تكن ذات خطة مغايرة لخطة السلف ، وكان جل مبتغاها أن يعود للدين صفاؤه ونقاؤه ، وللانسان طهره وجماله معللة السبب في التردى والانحطاط حتى درجة التبدد والاخذال الى تفشى التعاويذ وانتشار الهوامش الموهنة لجوهر العقيدة ذاهبة في فلسفتها المبسطة الى أن عقيدة هذه الامة لم تكن اطارا صقيلا بقدر ما هي محتوى يضم في ذاته جوانب التقدم .
وقال آخر - ويبدو انه أشد حماسة من صاحبه ضد هذه الحركة - مدعيا أنها حرمت التوسل وحاربت الالتجاء الى الصالحين ، مستندا في التدليل على بطلان ذلك الاتجاه الى تعليلات شيخ محافظتهم الدارس لعلوم العقائد في الأزهر . .
لم اهتم بهذا الثاني كثيرا رغم انه في المراحل النهائية الجامعية في كلية علمية لأني الفيته من النوع الذى انطبعت في مخيلته بقايا حملات التشكيك ضد هذه الدعوة من أناس كانوا ورثة الذين حاربوا كل صحيح في عالمنا العربي منذ فجر حضارته وهو في النهاية لن يقتنع الا بعد جهد جهيد
لا يتسع وقتنا كطلبة له . . ولشد ما كانت دهشتى حين وجدت الآخر أطول منى باعا وأغزر منى استقصاء في معرفة الحركات الدينية فى البلاد العربية عامة ، وهذه الدعوة خاصة حتى ظننت أنه قدم رسالة دكتورية عنها . . وجدته في آخر الحديث يتمنى من أعماقه أن يرزق عالمنا الاسلامى مثل تلك الحركة فى عمقها وصفائها وموضوعها واخلاص صاحبها . . ولقد التقينا نحن الاربعة عند حقيقة واحدة هى ان عالمنا المعتنق لهذه العقيدة لا سيما الاغصان الحديثة فيه ينقصها العمق اللازم لفهم هذه العقيدة على حقيقتها ، وان كل الهزائم التى منيت بها أمتنا عبر دربها التاريخي الطويل ماضيا وحاضرا مردها الى انحسار الروح أو اهتزازها وانتصار المادة وتمركزها لاسيما ونحن نواجه عدوا يحتل أجزاء كبيرة من وطننا الغالي ، عدوا يتسلح بسلاحين : سلاحى عقدى روحى عمقه في نفوس أبنائه وهيأهم للغزو والعدوان على أساسه بحجة انهم ما عادوا الى فلسطين الا لانها أرض اللبن والعسل كما وصفتها التوراة ، وبأنهم شعب الله المختار ، الذي ينبغى أن يكون حاكم الارض كما زعموا . . وسلاح مادى هائل ليكون عونا في تصديق الشعوذة البارعة
وخلاصة ما أقول ان اليقظات الدينية كانت من اعظم الحركات واخطرها اثرا على الفكر العربي في تطبيقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وان الحركات التى قامت في انحاء متعددة من عالمنا العربى كانت اصداء متجاوبة مع بعضها ، وساتكلم عنها في الحلقات القادمة ان شاء الله .
(الرياض )

