_١_ ماذا يريد سعيد عقل ؟
مرة اخرى يعود الجدل مع ابن زحلة وكاتب لبنان سعيد عقل حول اللغة العربية لا بمعنى اصبح حول دعوته الى طرح الحرف العربي واعتناق اللاتينية باعتبارها المدخل الاولى للتطور الفكري والانعتاق من التخلف كما يتصورة عقل بدافع غير شريفا . . هذا الجدل سبق ان بدا به منذ زمن طويل كتاب في مصر ولبنان وانتهى إلى نتيجة يعرفها سعيد عقل جيدا .
لقد انقسم المجادلون لسعيد عقل الي فريقين : فريق استبدت به العاطقة وأخذت منه مأخذا بليغا ووصف صاحب الدعوة بما وصفة به من نعوت متعددة بدافع الذود عن كرامة اللغة العربية التي يرتبط بها العربى ارتباطه بكيانة وتكوينة . وفريق جادل عقلا ، برباطة جاش وسعة افق ومنطق علمي ابتغي من ورائه اقناع الكاتب بطريقة علمية مؤكدا له ان ذلك الدرب الذي سلكه شاق وعسير ويستحيل بلوغه وحاول ان يتبين له من خلال الاقناع العلمي خطأ دعوته وخطل رأيه وضعف مبناه شكلا وموضوعا .
واعتقادي الجازم ان سعيد عقل لن يقتنع بهذا او ذاك من الرأي مهما كانت قوته وتأثيره وما ذاك الا لان الدافع غير شريف فنظرة دقيقة الى السلوك النفسي لذلك . الرجل ومثله من اصحاب تلك الدعوات المشابهة نجد انه يمكن تصنيفهم في صنفين : صنف يتخيل صواب فكرته بدافع اصلاحي يعتقده - خطأ - باطنا وظاهرا بغض النظر عن نظرة الناس اليه ، وهذا قد تفرض عليه
طبيعة تفكيره مقابلة الحجة بالاخرى وقبول النقد الذي قد يزيل الفكرة من ذهنه والرجوع الى الرأي الاصوب وهذا حسن النية فيه مفترض . وصنف اخر يدعو الى فكرة معينة بدافع يتجلى من ورائه سوء المقصد وفساد الطوية . هذا النوع من الفكر لا يمكن خضوعه لمنطق على مهما كانت قوته وتأثيره وسعيد عقل بدون شك من ذلك النوع ولعلي بأولئك الذين حاولوا جاهدين اقناع الرجل الذي لم تعجبه اللغة العربية وحروفها بالمنطق العلمي والتحليل الموضوعي يحرفون جيدا حقيقة موقفه من الجنس العربي كجنس ناهيك عن موقفه من معطيات ذلك الجنس الحضارية والفكرية فالرجل الذي كان يفخر بانه لم يكتب قط في حياته كلمة - عربي - هى بالتأكيد حاقد على هذا الجنس ولو كان ينتمي اليه شكلا وهو بالتالي سيكون سيئ النية في نظرته الى تراثه الحضاري والثقافي القديم منه والجديد من اجل هذا يمكن الجزم بانه لم يرد من محاولته تلك اشباع رغبة علمية مجردة او بدافع اصلاحي نبيل فنظرته اذن الى اللغة العربية والي الحرف العربي وموقفه العدائي منه ناتج بطبيعة المال عن نظرته الى العرب كجنس ودعوته كاي دعوة اخرى لنشاز مكتوب لها الموت الابدي . ولقد سبق لفهمي باشا في مصر وللأب غصن في لبنان ان بشرا بمثل تلك الدعوة . كما سبق لعقل ان القى نفسه في التهيئة النفسية لتلك الدعوة وتعميق مفهومها بكل الممكنات الروحية والمادية وتلك بارزة في كتابات اتباعه وكتاباته التي سلخ عنها فصاحة اللغة فانسلخ عنها جمال التعبير وقوة التركيب وبارزة في جائزته المادية السنوية التي تعطى
للاتباع حينا ولغيرهم حينا آخر من أجل اخفاء الصفة الحقيقية لها وكانت النتيجة لتلك التهيئة الفشل المريع . . واتصور ان تكراره تلك المحاولة مرده الى سببين : اما أن يكون قد اعتقد - خطأ - ان الجو العربي الحاضر مناخ ملائم للتبشير بالدعوة الجديدة لعلها تظفر ولو بأقل نسبة من النجاح مهما كانت ضالتها . . واما لانه نسج على منوال ذلك الرجل الذي اراد ان يبول في زمزم ليذكره التاريخ على صفحاته ولو جاء ذكره باحتقاره وازدرائه . . ولست أدري هل سعيد عقل يتصور ان التاريخ العربي لن يذكر ، الامن هذه الزاوية المظلمة ام ماذا يريده من أمة تعتز بلغتها بنفس اعتزازها بجنسها ومضيها الخالد ؟ وليت سعيد عقل يعرف او يستذكر ان هذه اللغة ابان العصور المظلمة التى مرت بها الحضارة العربية وفي وقت كانت المجامع الاجنبية قد اوصت المتنفذين فيها بوضع مخطط مرحل لغزو العرب من زاوية تهديم معطياتهم الحضارية وياتي في أول السلم اللغة العربية لتظل سيادتهم السياسية سهلة وليكون عراكهم لينا وجانبهم واهنا . . في تلك العصور المظلمة لم تمدع الفصحى من يحافظ عليها كما يحافظ على بقائه . . وأظن سعيد عقل لو رجع الى معلوماته التاريخية لوجه أن الأديرة في جبل لبنان الاشم كانت معقلا من معاقل الحفاظ على العربية الفصحى ولعله يذكر بجانب ذلك أن الرهباز الذين ينتمي الى معتقدهم الديني كانوا يرددون كثيرا من شعائرهم الروحية بها .
وليت سعيد عقل يتذكر أن الشعب الجزائري - كمثال للشعب العربي في الشمال
الافريقي - ظل ما يقارب المائة والثلاثين عاما تحت الحكم الاجنبي وفي ظل اعتقاد سائد عند الكثيرين من أفراد ذلك الشعب الاجنبي الحاكم ان التراب الجزائري متمم لارضهم . . مائة وثلاثون عاما كلها تكريس لطمس التراث الفكري في الجزائر ورغم ذلك كان ذكر اللغة العربية وادابها دافعا مشوقا الى البذل والفداء من أجل التحرر . ومرة كان احد الشعراء الجزائريين يقف على منصة للخطابة في مدينة دمشق ولما رأى الجماهير قد التفت به اغرورقت عيناه بالدمع ثم اجهش بالبكاء واحجم عن القاء قصيدته الشعرية . وحين سئل عن سبب بكانه قال : (( بكيت لاني لا اجيد العربية الفصحى كما أريد ان تكون اجادتي لها )) هذا واحد من ابناء الجزائر ولد في ظل حكم اجنبي وعاصره سياسة واقتصادا وثقافة وحضارة واجبر ولو نفسيا على هجر لغته وتراثه الفكري ومع ذلك ظل يعرف لغته جيدا ولكنه يريد ان يكون فيها عملاقا . .
هذان مثالان بسيطان لا اظن ان ابن زحلة وكاتب لبنان يجهلهما ولكنه رغم ذلك ظل مكابرا وهانذا على غرار من قال : (( نبي وان ضاقت شيوخ ورهبان )) .
سؤال يترك الجواب عليه لواحد من أصحاب الفكرة القديمة والحديثة ويقيني بانه سيعرف في النهاية ان تلك المحاولة ستظل دائما في سجل نفايات الفكر الرخيص .
_٢_ الانسان والصراع الازلى
الحياة ميدان صراع متنوع . . والانسان ذلك الكائن الحي المتطور مرغم ان يعايش
ذلك الصراع مهما كان نوعه وشكله . ولولا صراعه ذلك لما برزت تلك القوى الحية التى في بروزها منفعة ذلك الانسان . . فهو حين يتفاعل مع ذلك الصراع قد يتمكن من ابراز قدراته وامكان صموده في صراعه مع نفسه وصراعه مع غيره . . صراعه مع نفسه حين تتفاعل فيها عوامل الخير وعوامل الشر وحين يشدو له في قمة نزواتها . . وصراعه مع غيره حين يصارع أعداءه من اجل بقاء حياته وبروز مواهبه وطاقته . .
لقد عودت الحياة الانسان انه بدون ابراز تلك القدرات والمواهب لا يمكن بقاؤه ولو بقي فسيظل انعدامه خيرا من وجوده وذلك لن يتحقق الا بعد تفاعله وانفعاله بالصراع المتجدد . . فالحياة نفسها تجبره - أبى ام أراد - على الصراع والتأثر والتأثير . . فالحقيقة مثلا تصارع الزيف ليكون هناك حقيقة ولو ذلك الصراع لطغى الزيف على كل مظاهر الحياة والحق هو الآخر يصارع الباطل ليظل هناك حق والضعف حين يصارع القوة قد لا يتمكن من ازالتها بالكلية ولكنه حتما سيقلل من قسوتها حتى لا تعصف بكل شئ . والقيم الروحية المتطورة تصارع القوى المادية المتلونة . . والقيم الخلقية هى الاخرى حواجز عائقة للتحلل والابتذال
وهكذا يظل الصراع مستديما تنتصر فيه قوة وتنهزم فيه اخرى . فقد تنهزم الحقيقة امام الزيف وينتكس الحق امام الباطل وتصبح القوة هي السيد الحاكم لكل شئ .
ولقد علمتنا الحياة منذ العصور السحيقة ان الانتصار يلازم الافضل والاجدر بالبقاء فالانسان ذلك الذي يمسك بزمام الحقيقة يكون لي النهاية هو المنتصر بها علي الزيف واذا كان لا ينعدم بتمامه فذلك ضروري
لبقاء الحقيقة نفسها ولولا (( وده لما صارت ولما صار لها معه عراك ثم انتصار والحق يظل دائما هو الوسيلة المثلي المنشودة حتى بين الكائنات الحية الاخرى لا يعدم في صفوفها من ينتصر للحق اذا تعرض لطغيان الباطل وجبروته والضعف لا مراء في انه يتحول الى قوة مضادة للقوة المقابلة اذا تحس الضعيف مكان خطاه وحاول - ولو مجرد محاولة - ان ينطلق بنفس انطلاقة القوت المقابلة . وقوة الضعيف حين ينتصر في صراعه ستكون بلا شك قوة موازنة لتلك ان لم تكن طاغية عليها . . . ومجمل القول ان حياة الانسان منذ الازل لم ولن تخلو من صراع ( متجدد ومتنوع ) ولا تبدو قيمة الانسان واصالته الا حين يعايش ذلك الصراع المتنوع ويحاول التغلب على خصمه والانسان في عالمنا العربي عايش منذ القدم صراعا متنوعا فيه شراسة وصلابة وفيه جرأة وعناد . وكأي انسان آخر مثيل له تفاعل معه وانفعل واثر فيه وتأثر . هذا الانسان العربي يمر في وقته الحاضر بصراعين مريرين . . صراعه مع نفسه وصراعه مع عدوه وكلا الامرين متمم للآخر .
ولا أقول : والأرجح او الاغلب وانما المؤكد انه لو انتصر في صراعه مع نفسه لانتصر بالتالي على عدوه مهما كان استعداد ذلك العدو وشراسته فما انهزم الانسان العربي أمام اي عدو الا لانه قد انهزم امام نفسه . انهزم في ثقافته الحديثة التى اخذها وهي مغلفة بغطاء لم يتفحصه جيدا . . وانهزم في قيمه الروحية التي اعتبزها - بكل اسى-
شيئا منسيا . . وانهزم في قيمه الخلقية ثم انهزم تدريجيا في حكمه وعلاقته وثقته ببعضة . .
تلك امور هي سبب اكيد في انهزامة امام عدوه . . فهل انساننا العربي ينتصر اليوم في صراعه مع نفسه لينتصر بالتالي على عدوه ؟
لقد اخبرتنا وقائع الازمنة السالفة انه في القت الذى كان فيه ذلك الانسان منتصرا على نفسه لم ينهزم امام عدوه - ولو مرة واحدة - مهما كانت قوة ذلك العدو . . ففي الماضي البعيد لماذا انهزم انساننا في الاندلس ؟ اليس ذلك بسبب انتصار نفسه عليه ! ولماذا انتصر في حروب الصليبيين مع انعدام التوازن والتجانس في الاستعداد ؟ اليس ذلك بسبب انتصاره على نفسه . .
وبالامس القريب . . لماذا انتهزم - بسهولة - في صراعه مع عدوه ؟
ان الجواب يعرفه كل عربي تفحص جيدا حالة ذلك الانسان قبل بدء الحرب وأثناء الحرب . .
ان انتصار انساننا العربي في أي معركة يدخلها مرهون بتحقيقه النصر على نفسه أولا فذلك هو مفتاح اكيد للانتصار في أي معركة اخرى .
فهل يعي انساننا العربي ذلك ؟
الجواب سوف تحمله الايام القادمة طياتها .
(الرياض )
عبد الرحمن بن حسن النفيسة

