الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

دراسات ادبية, مع الشاعر المهجري ايليا إلى ماضي

Share

مدخل الى المهجريين وأدبهم في المهاجر الامريكية :

ارى ان لا مندوحة لى وانا فى سبيل اعداد بحث عن ايليا الشاعر العظيم ، من التصريح فى كلمة عجلى على المهجربين وادبهم فى المهاجر الاميركية وما الدوافع التى حدت بنصف لبنان وبواحد من كل سبعة من السوريين ) ١ ( الى الهجرة ، رغم مرارة الفراق ولوعة النوى وتبريح الهيام من البعد عن مسارح الاهل وملاعب الخلان

واذا كان الشريك في اللوعة والخدين فى الغربة هو ابن بجدتها علما ومعرفة فلا ضير علينا اذا عولنا فى المقام الاول على جورج صيدح لانه عندنا اوثق من يصح التعويل على آرائهم الصائبة وحججهم البلج . فالرائد لا يكذب أهله وقد قضى ثلاثين عاما في المهاجر ولا ينبئك مثل خبير ، وهذا هو يخبرنا عن أسباب الغربة فيقول : " عدد المؤرخون الاسباب التي حدث ابناء العرب على الهجرة جماعة فقالوا :

طموح كامن في طبيعتهم منحدر اليهم بداهة واستطرادا من أجداد جابوا القفار وخاضوا البحر ، وقالوا : مرونة وقدرة على التكيف السريع فى أى محيط غريب نزلوه . وقالوا : هو ضيق المجال فى بلد صغير المساحة كثير السكان صخرى التربة وقالوا : هى السياسة التركية حينذاك ، وقالوا : هى المظالم واستبداد الاقطاعيين وفقدان الحرية والأمان . . وصحيحة كل هذه العوامل ولكن العامل الاهم والاقوى هو العامل الاقتصادى . فقر وحرمان لم ينفع فيه جهد ولا نشاط فى وسط تستحل فيه الارزاق وتهدد الارواح . فتنتابه رعشة تسرى فى مفاصله وتجعله كالمحموم يهذى بكلمة الهجرة ويعلق عليها كل أمانيه ) ٢ ( لهذه الاسباب تدفقت الهجرات في اواخر القرن التاسع عشر وقد سبق هذه الهجرات بثلاثة عقود الدكتور العربي لويس صابوني صاحب مجلة " النحلة " التى كان يصدرها فى لندن فكان أول عربي وطئت قدماه أرض " كولمبس " ) ٣ ( وقد بلغت الهجرات قمتها سنة ١٩١٣ م حيث دخل اميركا الشمالية وحدها فى ذلك العام ٩٢١٠ مهاجرا ) ٤ (

ولنأخذ الهجرة وأسبابها من أفواه المهاجرين فايليا ابو ماضى ينكر الاسباب الا انه خلق نسرا هو وزملاؤه فحلقوا في الجو وتركوا الارض للحشرات تزحف فوقها

لبنان لا تعدل بنيك اذا هم

ركبوا الى العلياء كل سفين

لم يهجروك ملالة لكنهم

خلقوا لصيد اللؤلؤ المكنون

لما خلقتهم نسورا حلقوا

لا يقنعون من العلا بالدون

الارض للحشرات تزحف فوقها

والجو للبازي وللشاهين

ولكن سرعان ما تتغير الآراء وها هو ايليا ينقض ما قال لان لانه ما وجد واخوانه الا الضياع والاحتقار وبدء الفناء .

-

نحن في الأرض تائهون كانا

قوم موسى فى الليلة الليل ،

ضعفاء محقرون كانا

من ظلام والناس من لآلاء

واغتراب القوي فخر وعز

واغتراب الضعيف بدء الفناء

وهذا الشاعر القروى يودع وطنه لانه لا يرضى الاقامة على الذل والهوان

ولا يقيم على ضيم يراد به

الا الأذلان عير الحي والوتد

فهو يهاجر بعد أن أصيبت جميع مفاصل اماله ولم يحس لقلب هذه الآمال نبضا :

ابيت جوارها ارضا

بغير الذل لا ترضي

بلاد خسفها امسى

على ابنائها فرضا

اجس يد الرجاء فلا

أحس لقلبه نبضا

وبعد أربعين سنة يجأر بالشكوى من بعد الأحبة ووحشية المقام بين أعاجم

يرطنون ليس للضاد عندهم قدر :

ناء عن الاوطان يفصلني

عمن احب البر والبحر

فى وحشة لا شئ يؤنسها

الا انا والعود والشعر

حولى اعاجم يرطنون فما

للضاد عند لسانهم قدر

ناس ولكن لا انيس بهم

ومدينة لكنها قفر

ويطول الحديث ويتشعب اذا استرسلنا فى الاستشهاد في أسباب الهجرة وما لاقى المهاجرون في الغربة من ضنك العيش وسوء المقام ولكننا نجتزئ هذا القول لعل فيه ما يعطى صورة واضحة المعالم فلقد " هجر لبنان مليون من أبنائه ومضى قرن كامل على هجرتهم فلنسال انفسنا كم عدد الناجحين من المليون ؟ واحد في المئة وكم عدد العائدين ؟ واحد في الالف . أما الباقون فلا يزالون في المهاجر يدافعون أشباح الفاقة والعوز في اعمال تستنزف العافية والشباب ولا تفتح بابا للرجاء بحياة أفضل . ان من وراء كل مثر عظيم يعود الى وطنه بالجيب العامر وبالسيارة الفخمة مئة من الفاشلين يقاسون شظف العيش ويمارسون أحط المهن تمنعهم كبرياؤهم من العودة الى ديارهم فقراء أذلاء

رأيناهم يطوفون بالكشفة ) ٥ ( على أبواب المنازل كالمتولين او يعملون فى كنس الشوارع أو نقل البضائع وامتعة المسافرين

ومن أوجع المشاهد ان نرى في عاصمة الإرجنتين عربيا مغتربا يمسح الاحذية فى

المقاهى . فان قلت له ان عملا كهذا ميسور فى الوطن اجابك كيف أعود ويدى فارغة

وادباءنا في المهجر - إذا است افرادا معدودين هم شواذ القاعدة ) هم فريق من الفاشلين من الناحية المادية تعضهم الحياة بنابين ناب الوحشة وناب الحرمان وقد يتعود الاديب حياة الفقر في داره أما فى الغربة فلا يطيقها ولا تنفعه فى مرارة الواقع حلاوة الخيال ) ٦ ( ،

هذه لمحة دالة وصورة مصغرة تعطي تبيانا على مرارة الحياة وقسوتها فى المهاجر . . تعطى صورة للألم والحرمان والمسغية هناك مما جعل الشاعر القروى يزفر زفرة تكاد تخرج معها انفاسه - وشر الاماني ان تكون الامنية طلب المنية :

هل بينكم يا قوم من قاتل

يزحزح الايام عن كالهلي

يقذف بي في درك اللج لا

يلفظني موج الى ساحل

وعلى أى حال فقد أغدق المهاجرون على الادب بذوب مشاعرهم وفيض احاسيسهم ان شعرا وان نثرا وجعلوا للادب الشرقي حياة وركزا في ديار الغربة وخرج منهم الاديب المصقع والقصصي البارع والرسام المفن والشاعر المتمطر فمنهم " المصلح الاجتماعى كامين الريحاني والمتمرد الروحي كجبران خليل جبران والمفكر الانساني كميخائيل نعيمه والفنان العاطفي كايليا ابي ماضى والمتحمس القومى كرشيد الخورى

" الشاعر القروى " وكلهم يحفزهم وكلهم يسعى ويرمي الى غاية واحدة .

فأدب المهجريين يمتاز بالنزعة الانسانية ولنقرا معا قول العميد : " الارض كلها وطني والعائلة البشرية عائلتى ، وجدت الانسان ضعيفا ومن الصغارة أن ينقسم على ذاته )  ( أحب مسقط رأسى ببعض محبتى لبلادى وأحب بلاد بقسم محبتى للارض وأحب الارض بكليتي لانها موقع الانسانية .

هذه مقدمة بين ايدى ابي ماضي قطب ادب المهجريين ورحاه فما نقول عنه بتراى فيه شخص زملائه فى الغربة وما نقوله عنهم نرى فيه ايليا ماثلا للعيان وهذا عذرى فى هذا المدخل . . والعذر عند خيار الناس مقبول "

كلمة عامة عن حياته : مولده ، نشاته ، تنقلاته ، حياته الخاصة والعامة ، موته :

ولد الشاعر العظيم ، اعظم الشعراء المهجريين طرا فى قرية المحدثة من أعمال لبنان سنة ١٨٨٩ م ) ٧ ( وترك المدرسة فى الحادية عشرة من عمره وهاجر الى مصر سنة ١٩٠٢ م وزاول فيها بيع السجائر والدخان واستغل بعض وقته فى المطالعة والدرس والتحصيل ونظم الشعر فاصدر قبل العشرين من عمره ديوانه الاول

" ديوان ايليا ظاهر ابي ماضى " واعداه إلى مصر بقوله : " ايتها الامة الودودة . هذا ديوانى الذى نظمته تحت سمائك وبين مفانيك ارفعه اليك لا طلبا للمثوبة ولا ابتغاء للشكر ولكن اظهارا لما تكنه جوانحي من العطف عليك والتعلق بك .

وقد حرر بمصر بعض المجلات و " رآه انطون الجميل بك يكتب شعرا فى الدكان فقرأ الشعر وأعجبه فنشره في مجلة كان يصدرها ، فقامت قيامة الادباء والشعراء المصريين عليه فأوسعوه نقدا ، وأوسعوه تجريحا وتناولوا الفاظه ولغته وراحوا يناقشونه فى هذه الفاء ما موقعها من الاعراب ، وهذه النون لماذا هي مفتوحة وهي فى الاصل مضمومة ، وهذه الهمزة لماذا قطعها وهى وصل ؟ وتكاثروا عليه وكان في مصر اذ ذاك امير الشعراء أحمد شوقي " رحمه الله " وكان يستطيع أن يقول كلمة ينقذ بها الشاعر من بين براثن هؤلاء الذين ينقدون بغير ما يصلح نقدا للشعر وكان رحمه الله يستطيع أن يقول لهؤلاء النقاد انى أربأ بالشعر أن يعيبه هذا الذي ترون مما يعيب اللغة والعروض والنحو وسائر ما يحصل بالقراءة والدرس وانى أرفع الشعر فوق هذا كله فهو حديث النفس )  ( ولم يستطع أبو ماضى صبرا على هؤلاء المهاجمين فشد رحاله الى اميركا ، حيث يتكلم الناس بالانكليزية وحيث لا عرب الا الباحثون عن الرزق والخارجون من أوطانهم وأيديهم صفر )  ( ) "

وهذا الرأى من الغرابة بمكان لان بيدى نيفا وعشرين مرجعا عن ايليا لم أر في أى منها ما يذهب هذا المذهب وينحو هذا المنحي او على الاقل يشير اليه ولو من طرف خفي -

وسبب هجرة ايليا هو طلب السعة فى الرزق لان أرض الكنانة لم تسبغ عليه من نعمتها سربالا فهو بها يبيع الدخان فى دكان صغير حقير فأولى به أن يلحق بأخوانه ) ٩ ( فى المهاجر لعله يجد بعد عسره يسرا ، فودعها وبوده الا يودعها ودعها وهو يذوب شوقا لها ويتحرق على فراق أهلها . . لنسمعه يشدو بمقطوعته تلك التى مطلعها :

ليس الوقوف على الاطلال من خلقي

ولا البك ، على ما فات من شيمي

ولا نظن أن يقول ذلك من لحقته من اهل مصر اساءة كبرى حملته على الهجرة والا لسلقهم بلسانه ومعهم مصر كما فعل المتنبي عندما هحا مصر والمصريين أشنع هجاء بسبب اهانة " كويفير " له عندما لم يحقق له أماله فاساء اليها بسببه . اليس هو القائل :

اني نزلت بكذابين ضيفهم

عن القرى وعن الترحال محدود

جود الكرام من الايدي وجودهم

من اللسان فلا كانوا ولا الجود

ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم

الا وفي يده من نتنها عود

وهو ظالم في هذا ولكن غضب فقال أقبح ما وجد ورضي ايليا ابو ماضى فأتى على نقيضه وقال احسن ما وجد فكيف يستقيم سبب الهجرة عند عزيز فهمى ولا حجة له الا الهوى ؟ والسير على " خالف تعرف أثم لم يجد من يستعديه لانصاف ايليا الا أحمد شوقي الذي لم يستطع أن يدفع عن

نفسه وهو يقف من النقد الموجه اليه بعين بصيرة ويد قصيرة ولسان اخرس أمام النقد العنيف من العقاد وغير العقاد

فهذا السبب عندنا أوهي من حيط العنكبوت . وعلى أى حال فقد هاجر ايليا الى اميركا سنة ١٩١٢ م وأقام في سنسناتي أربع سنوات بعيدا عن الشعر ، ودنيا الأدب متجها بكليته للتجارة مع اخيه مراد ابى ماضي وكان لهذه الهجرة اثرها البالغ في اذكـ شاعريته ونضجها وذهب الى نيويورك ـة ١٩١٦ م وبعد التعرف على جبران خليل جبران أصدر ديوانه الثاني وبمقدمة لجبران هي : " فى ديوان ابي ماضى سلالم بين المنظور وحبال تربط مظاهر الحياة بخفاياها " . ومن هنا اتصل حبله بحبل " الرابطة القلمية " وان لم يكن له في انشائها ايراد ولا صدر وهذا ميثاقها وليس ايليا بأي حال بين الاعضاء العاملين ونسبته الى الرابطة مسألة فيها نظر كما سياتي فلقد انبثق ميثاق الرابطة في الثامن والعشرين من نيسان سنة ١٩٢٠ م وفي منزل جبران التأم شمل الادباء : عبد المسيح حداد ، ندرة حداد ، الياس عطاالله ، وليم كاتسفليس ، نسيب عريضة ، رشيد ايوب ، جبران خليل جبران ، ميخائيل نعيمه ، وبعد المباحثة أقر الجميع الامور الآتية :

١ - ان تدعي الجمعية الرابطة القلمية . ٢ - ان يكون لها ثلاثة موظفين وهم : الرئيس ويدعي " العميد " فكاتم السر ويدعي " المستنشار " فامين الصندوق ويدعى " الخازن " .

٣ - ان يكون اعضاؤها ثلاث طبقات ، عاملين ويدعون " عمالا مناصرين ويدعون انصارا ، فمراسلين .

٤ - ان تهتم الرابطة بنشر مؤلفات عمالها ومؤلفات سواهم من كتاب العربية المستحقين وبترجمة المؤلفات المهمة في الآداب الأجنبية .

- ان تعطي الرابطة جوائز مالية فى الشعر والنثر والترجمة تشجيعا للادباء . واوكل تنظيم القانون الى العامل ميخائيل نعيمه ، ثم انتخبوا باجماع الاصوات جبران خليل جبران " عميدا " ونعيمه مستشارا وولم كاتسلفيس خازنا ) ١٠ (

ومن قانون الرابطة نرى أن ايليا لم يحضر أول اجتماع لها وأمره مع الرابطة يحوطه الغموض وتتضارب فيه الآراء فهو لا يحضر اجتماعاتها وهم يحشرون اسمه بينهم وقد أشار نعيمه الى تأثر ابى ماضى به خاصة وافادته من ثقافته وتأثره بجو الرابطة ويذكر عبد المسيح حداد أن نعيمة كان يوجه أبا ماضى وذلك فى مقابلته للدكتور عبد الكريم الاشتر بتاريخ ٢٥-٦-١٩٦٠ م حالما ينفي جورج صيدح ذلك نفيا قاطعا ويقول : " ان ابا ماضي أصدر ديوانين قبل تأسيس الرابطة وأعجب جبران بالثاني اعجابا بالغا وذلك فى رسالته - جورج - للاشتر بتاريخ ١٨-٩-١٩٦١ م ونقل الاستاذ جورج للدكتور الاشتر مقطعا من رسالة ارسلها له أخو ايليا : مراد أبو ماضى يقول فيها " ان الرابطة القلمية أسطورة لا تصمد أمام التاريخ الا بثلاثة من اركانها جبران ونعيمه وأبو ماضى الاول خلعوا عليه العميد للرابطة مراعاة لشعوره لكونه الولد الصغير يتأثر لكل كلمة تقال ويبكى والثاني المحرك الوحيد الذى يبشر باسم الرابطة وينشر له الدعاوة وأما الثالث فقد خالف دربه دربها من كافة الوجوه وقلما

حضر اجتماعاتها ولكنهم كانوا يحسرون اسمه بينهم لاكتساب ثقة الجمهور الذى كان يطلق عليهم لقب المستهزئين وان واحدا من هؤلاء الثلاثة لم يتأثر بالآخر ومن يقول خلاف ذلك فانه يهرف بما لا يعرف وفي الجعبة أشياء كثيرة اذا نشرت لا تكون في صالح الرابطة ) ١١ (

وهذه الرسالة تناقض نفسها بنفسها فبينما تقول أن ايليا قد خالف دربه درب الرابطة من كافة الوجوه اذا هو أحد أركانها التى تثبتها أمام التاريخ ولسنا ندرى كيف يحصل هذا ! بل ندرى انه لا يمكن ان يحصل

حياة ايليا الخاصة

لقد كان ايليا صنينا بالتحدث عن نفسه وعن حياته يحيطها ما وسعه بسياج من الكتمان والسرية ولهذا صار لا يعرف عن صباه فى المحدثة الا القليل وكذا فى مصر

- قال ردا على سؤال وجه اليه بهذا الصدد " فى الاسكندرية تعاطيت بيع السجائر فى النهار فى متجر عمى وفي الليل كنت أدرس النحو والصرف تارة على نفسي وتارة على بعض الكتاتيب وقد أقمت في الاراضى يجب تي الاداعي المصرية أحد عشر عاما نظمت خلالها ديوانا من الشعر أما قصائدى الوطنية فلم أودعها ذلك الديوان لان سياسة ذلك الزمن كانت تعاقب بالسجن من شهر الى ستة اشهر كل

من قال بيتا يشتم منه رائحة النقد ) ١٢ ( "

وعندما يطلب الاستاذ الناعورى كلمة من الشاعر ليصدر بها كتابه عنه يجيبه بقوله : " يعز على وأنا أجيبك على رسالتك ألا يكون مع جوابي رسم لى ، فانى مهمل فى هذه الناحية كل الاهمال ، أما سيرة حياتي فليس فيها ما يستحق النشر أو على الاقل هكذا اعتقد أنا ، اذ ليس فيها ما ينقع غلة أحد " ) ١٣ (

و " ليس صحيحا - والحديث للناعورى - أن حياته ليس فيها ما ينفع فضول أحد فانه لم يصل الى المنزلة التى وصل اليها الا بجهاد عصامي طويل تقلب فيه على الشوك والجمر والحراب طويلا قبل أن يعرف جنباه الفراش ، اتراه كان يخجل بجهاده هذا وهو مصدر فخر عظيم لمثله ؟ ان الذين يعانقون الثرى فى شقاء طويل ، ثم يرتفعون عنه بجهادهم الشخصى حتى يعانقوا السحاب ويتربعوا على الذرى ، هم الصفوة المختارة من البشر الذين لم يعرفوا ملاعق الذهب عند مولدهم ، بل أحالت أيديهم التراب الى تبر بمواهبهم الفردية الفنية . انهم جبابرة عظماء ، وهم الذين يكتبون تاريخ الحياة الناصع الجميل كأمثالهم . . فكيف لا يرى أبو ماضى فى حياته ما يستحق النشر ولا ما ينقع فضولا ؟ لقد كان من حق ايليا ابي ماضى ان يفتخر بحياته البسيطة كفرد كادح عصامي يبني مداميك حياته العريضة بعرقه ودموعه لا أن يطوي صحائفها عن الناس ) ١٤ (

ونحن مع الاستاذ الناعورى لان سيرة الادباء والعباقرة والمبرزين ليست ملكا لهم ويجب الا يسترها قناع التواضع الكاذب المصطنع الذي درج عليه - مع مزيد الاسف - معظم الادباء من شعراء وناثرين . ولست ادعو إلى الغرور والغطرسة والعنجهية فقد تسئ لصاحبها قبل غيره كما فعلت مع الدكتور أو الدكاترة زكى مبارك الذي يخيل اليه عندما يكتب انه قد هام في أودية لم تعرفها الملائكة ولا الشياطين من قبل والذي قال من جملة ادعاءاته وتجاوزه الحد في الغرور بأن " الشريف الرضى أشعر من المتنب ولن يكون المتنب أشعر من الشريف الرضى الا عندما يؤلف عنه الدكتور زكى مبارك كما فعل مع الرضى "

وانما ادعو أن تنشر حياة الأديب - بعجرها وبجرها - ويعجبني ما قاله الشاعر المهجرى جورج صيدح في مقدمة كتابه عن ادب المهجزيين اذ قال : " ساكون واقعيا فى الدراسة امينا للتاريخ ، احصى واسجل والاحظ واستنتج وسوف استشهد بشعري في بعض المواقف ولن اتحرج شان المؤرخ الذي يضع الامانة في مقدمة الاعتبارات ويؤثر تهمة الاغترار بالنفس على تهمة التواضع المصطنع "

وهذا ما لم يفعله أبو ماضي الذي فضل التواضع المصطنع فبقيت زوايا كثيرة معتمة من حياته لا يهتدى اليها .

أبو ماض والصحافة فى أمريكا :

وهذا سبب آخر يدحض ما قاله عزيز أحمد فهمى من أنه هاجر من مصر بعد أن آله النقد وضاق به ذرعا فهاجر بغية الاستئساد على الذين يكدحون فى سبيل ما يقيم أودهم والاشتهار بين اعاجم ايرطنون

ولا يفهمون لغة الضاد . اذ هاجر بناء على طلب وهذا عندي قمين بالاحترام مع ما سلف ذكره من أسباب يقول ايليا : " انتقلت الى نيويورك سنة ١٩١٦ اذ تلقيت دعوة من الشباب العربى الفلسطيني يعهدون الي فيه بتحرير المجلة العربية التى كانوا يصدرونها فى نيويورك وقبلت الدعوة ورأست تحرير المجلة المذكورة ولم يطل الوقت حتى اسهمت في تحرير " الفتاة " التى كان يصدرها اذ ذاك صديقنا شكرى البخاش صاحب الزميلة  زحلة الفتاة ، اليوم

: وفي عام ١٩١٨ م انصرفت الى تحرير * مرأة الغرب " ) كان صاحبها نجيب دياب وقد تزوج ايليا ابنته ( وفي عام ١٩٢٨ م تركت المرأة وفي نيسان سنة ١٩٢٩ أصدرت مجلة " السمير " وكنت اصدرها مرتين فى كل شهر وفي سنة ١٩٣٦ حولتها الى جريدة يومية ) ١٥ ( " .

وقد استمرت السمير فى الصدور حتى وفاة صاحبها . وصدرها بهذين البيتين

انا لا اهدى اليكم ورقا

غيركم يرضى بحبر وورق

انما اهدى الى ارواحكم

فكرا تبقى اذا الطرس احترق

هذه صورة لحياة ايليا أبى ماضى مع الصحافة واداء رسالة الفكر والادب في ديار الغرب

حياة أبى ماضى العائلية

وهي حياة يكتنفها الغموض - أيضا - وكل ما يعرف عنها أن ايليا تزوج وانجب ثلاثة أبناء أكبرهم " وتشرد " الذي اقترن عام ١٩٥١ م بفتاة اميريكية اسمها " ماري لويز " وهو من علماء الذرة يحمل درجة دكتور " فى العلوم الطبيعية " وتحمل زوجته درجة " استاذ علوم " فى علم النفس

واما الثاني فاسمه لوبرت ويعمل فى جيش الطيران بمرتبة ليوتننت ، والثالث لا يتعاطى اى عمل لمرضه . ولغتهم الانكليزية ) ١٦ ( .

موت أبى ماضى :

لكل حي نهاية ولكل أجل كتاب ولكل نجم أفول وقد اغتال الحمام ايليا ايا ماضى واخترمته يد المنون فى الرابع والعشرين من نوفمبر عام ١٩٥٧ م وقد بلغ من العمر ثمانية وستين عاما . مات بعد أن " حمل لواء الشعر في المهجر وكانت انغمامه عزاء المنكوبين وطمأنينة الحائرين وابتسامة فى وجه الزمن اذا عبس ، اذ اثبت كيان الفكر العربي في العالم الجديد ) ١٧ ( .

فترك موته رنة أسى وكآبة لا تمحي من دنيا الشعر وانغام القريض

- للبحث صلة -

اشترك في نشرتنا البريدية