الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

دراسات غربية, فولتير فى الحياة، ١٦٩٤-١٧٧٨ م

Share

- ١ -

فولتير اديب فرنسي كبير ، أخذ من الأدب والفلسفة بحظ وافر وطار صيته فاكتسب من الشهرة الادبية ماجعل ملوك ذلك العصر الذين لا يقف اى شى امام كبريائهم بتسايقون الى اكرامه وتقريبه وصداقته مع انه كان احد افراد الشعب وكل من اطلع على تاريخ اوروبا فى ذلك العصر يتجلى له ما كانت عليه الشعوب يومئذ من التعاسة والازدراء والهوان . حيث انهم كانوا ارقاء مستعبدين للنبلاء ( ١ ) اولئك القوم الذين كان لهم من السلطة والسيادة بحيث لا يسألون عما يفعلون وكانت معاملة هذه الطائفة امامة الشعب فظيعة والتواريخ مشحونة بحوادثها واحاديثها ، وهى مما يدلنا على نفوذ فولنير الادبى العظيم ولا سيما إذا لاحظنا انه كان فى طليعة من ينتقدون مظالمهم ومن ينكرون جبروتهم ، يضاف الى هذا ما عرف عنه من الطموح الي تسم ذوى المجد ، وما اشتهر عنه من الصراحة فى القول ، والجراءة فى الكلام الى ما لاحد له . وتاليفه الكثيرة لاسيما رواياته التمثيلية ، و رسائله تدل على جرءته وعدم مبالاته

ولادته ونشأته

ولد فرنسواروى ( Frncorsarouet)     وهو اسم فولنير الحقيقي -فى آخر القرن السابع عشر الميلادى " اى سنة ١٦٦٩ م في باريز ، عاصمة فرنسا من ابوين

يعد ان من متوسطى الشعب ، ونشأ فيما بين عطفهما وحنوهما الى ان انتظم فى بداية امره عند اليسوعيين فى المدرسة الدينية المشهورة يومئذ بمدرسة " لويس الــــكبير وهو لويس الاول ملك هنفاريا و بولونيا فى القرن الرابع عشر.. وبعد ما نال نصيبا من العلوم الادبية والدينية انضم الى سلك جمعية " التمبل (١١) واخذ يكرع من مناهل الشاعرين ( لاغار ) و ( شوليو ) اللذين كانا من ملازمى " التمبل " ومع حداثة سن فولتير لم يتظاهر امام هذا الوسط الجديد الذي كان يضم عددا غير قليل من كبار الاشراف والادباء باى مظهر حقير كما يتبادر الى الظن بل كان مظهره الدائم امامهم ، علو النفس والهمة والطموح الى المعالي والنزوع الى الحرية كاشفا عن بغضه لتقاليدهم الثقيلة .. ولعله انما نشات له فكرة - مقاومة الاشراف والنبلاء من هذا التمبل نفسه بدليل انه بمجرد خروجه منه اخذ يمطر النبلاء بوابل من الانتقاد المر اللاذع في قصائد الرنانة ، خصوصا فى قصيدته التى مطلعها " شاهدت كل هذه الآلام ولم اتجاوز العشرين "

ولكنه كان كالوعل الذي يناطح جبلا ، فقد كان خصمه قويا جدا وكانت رهبته متأصلة في النفوس ؛ ولهذا لاقي مثل مالاقي زملاؤه الذين حاولوا ان يدكوا من شموخ نفوذ النبلاء فاوذوا وتكل بهم تلقاء مبادئهم . ففي عام ١٧١٧ ه القى فولتير فى اعماق سجن " الباستل " ذلك السجن المشهور لذى كان يحتضن فيما بين جدرانه الضخمة مئات النوابغ من ارباب الافكار الحرة والمبادئ العادلة وفيه يقول المرحوم شوقي :

وما " البستيل الا بنت أمس            وكم اكل الحديد بهـــا سجينا

قضى فولتير سنة كاملة فى اعماق هذا السجن الرهيب ، وافرج عنه بعد ذلك ، ومن ثم ألف روايته التمثيلية الحزينة ( اوديب ) - } oedipe { وهي با كورة

رواياته وقد صادفت اقبالا عظيما يومئذ ، فا كسبت مؤلفها شهرة ذائعة وصيتا طائرا . ومنذ تلك الساعة - وكان فى العقد الثالث - ابتدأت حياته الطاعة تشع في عالم الأدب ولكنه لم يكفف عن التعرض للنبلاء اعدائه في المبدأ ، الذين سلطوا عليه بعض مأجوريهم فضربوه وصبوا عليه جاما من الاهانة ، فطلب فولتير من النبيل ( الشفالي دى روهان ) - (Chevalie de Rohan ) أن يبارزه بالمسايفة ( ١ ) لأنه هو المدير الوحيد لهذه المؤامرة ضد فولتير فلم يجبه الى طلبه ، لانه يرى فى مبارزته مع من لا يكافؤه في الحسب والنسب ، تلويثا لشرفه ، وسمعته . وقد اعتبرت السلطة دعوة فولتير " لدى روهان " جناية شنيعة وجريمة ابتدعها ، لم يسبقه اليها سابق ولذا فمن العدل ومن الواجب اعادته الى اعماق " الباستيل " مرة ثانية تنكيلا به وعبرة لغيره ليزدجر . وهكذا كان ، ومن ثم نفي دفعة واحدة من فرنسا الى بلاد الانكليز .

فولتير في المنفى وبعده

ثلاث سنوات قضاها الأديب الثائر فى جو " لندن " القاتم ، ولكنه لم يستسلم فى اثناء هذه المدة المديدة الى احزانه وآلامه ، بل عد هذا الابعاد عن أهله ووطنه فرصة ثمينه ، اهتبلها فعكف لفوره على دراسة اللغة الانكليزية فحذقها حذقا جيدا ، سمح له بالاخذ من آدابها بخظ وافر ، وازدادت " بحيرة " معلوماته بازديادا هائلا ، لم يكن ليناله لو بقى فى بلاده و " رب ضارة نافعة " . وهكذا قدر لفولتير أن ينتهل من شعر وعلم وفلسفة اقطاب انجلترا كادييسون وشكسبير وغيرهما ، الذين كان أدبهم مجهولا فى فرانسا من قبله ، وهكذا أثر أدبه الانجليزي في أدبه الفرنسى تاثيرا واضحا ، وظهر هذا التاثير بصورة جلية رائعة فيما ألفه فى منفاه وبعده ، ولا سيما رسائله الفلسفية التى طبعت فى جنيف سنة ١٧٢٣ م والتي لقبت في فرنسا بالرسائل الانجليزية لصيغتها الانجليزية المحسوسه                                               (يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية