- 1 -
الفاصلة الاولى
التواء الرجل على الرمل كالتوائها تحت حبل المشنققة اذ تغوص فى الماء . وتدحرج الموجة من أعلى القمر الى أسفل البحر كحلم الحوتة ذات السيف بأن نقلب السفينة ، وقد استقر فى جوفها يونس . ذرة الرمل جبل وقطرة الماء نهر ، والمطر ينقط على آثار رمادك ؛ والشيات الصغير مقع على صندوقه والذباب معشش على عينيه ، يسألك سؤال الملكين وهو يمتص مخاطه ، وقد اختفت من عالمك عيناها . . . وجهك تنوة قهوة فى قاع فنجانك ووجه العالم وجه القمر حجرى ووقع الاقدام العائدة لاهثة كدبيب البراثن فى ليلة ممطر . وكل شئ لا شئ . . . جثة العالم المتدلية فى حبل المشنققة كالبراق المتدحرج وقد نطح سدرة المنتهى فى سورة غضب عندما قال لك الطبيب قد أصابتك حمى لأنه لا يرى الجيوش المتطاحنة حولى . عينا جمهروش ضيقتان كحدقة إبرة وأنا الجمل يريد المروق منها ! ليست غباوتى بأصغر من غباوة العالم الذى يريد قهر جمهروش ، أما عمرك فدخان سيجارتك أسود يتبدد ، ومتى عرف جمهروش قدره ؟
أما اليد القابضة على الحديد فصماء كعينى هابيل وقد اختفت منهما الحياة . أما عينا الجائمة على صدرك فتنضح منهما الجريمة ، ويفوح من يدها القابضة على الكأس الذهبى دم لا تخفيه الابتسامة الماكرة على ثغرك أيتها الحياة ! فمتى يخفت جمهروش أنفاسك ؟ نعيبك يصطك صداه فى خرائب نفسي ، بومة فى آخر الليل ! رأيتها يا أمى منذ شهر . إنها هى التى تراءت لى فى نومى . عيناى غائرتان فى هوتين سحيقتين وكتلة من الصوف المسود على رأسها المستدير كمنصبة برمتنا . فمها ثغرة سوداء يتوسط وجها قرديا قد ركب عند الصدغين أذنين كبيرتين كعروتى عديلتنا . اما يدها ففارغة شلاء قابضة على الحديد الاملس ، كجبينها المجعد قد نامت فى أعماق غضونه أحلام الاجيال الماضية . فغرت ثغرتها المسودة لتقول لى إنك تخدم درجة البصل هذه وسوف لن تأكل ثمرتها !
يا للسخرية ! كان موسى عارجا الى الجبل عندما وجد رجلا فى الخلاء ملقى على ظهره ، يداه ورجلاه فى الوحل ولا ما يستره إلا حفنة من التراب على عورته ؛ فطلب من موسى ان يستغفر له لدى ربه كى يخفف عليه العقاب . ولما مر به عائدا أعلمه بأن الله يريد منه أن يحمده . فغضب وقال علام أحمده ؟ فهبت نسمة خفيفة أطارت حفنة التراب ! ألم تعرفوا نوايا شيخ حومتنا بعد ؟ سمعت عن البغى التى تزوجها بعدما انذرتنى ، أنها أصبحت سيدة الحومة . فهل عرفت عذوبة الزيف والتضليل يا نسائم الليل ؟ كوجه صبية عليه ندبوب وبثور ! وأنتم أيها النائمون تحت الارض ما هو مصير عظامكم ؟ الارض ! ؟ الارض الملتوية بين منعطفات الجبل كالارض الملتوية تحت المسحاة كالرجل الملتوية على الرمل والرجل السائخة فى طين السبخة الاسود واليد الشلاء قابضة على الحديد ، حديد المسحاة . والمنجل فى التواء متحشرج وإمساك محتضر كأنين المسحاة فى أعماق الارض واحتضار الحشيش تحت أسنان المحشة والصرخة المكتومة فى أعماقى وقد أصابنى شهاب من يد جمهروش والمسحاة تتدحرج فى يدى مبللة بالماء والطين اللذين تغوص فيهما رجلاى والقبر فاغر فاه يا أمى ؛ فمتى يخفض الله لنا جناح الذل من الرحمة ؟ . . . فى فضاء الدار أقمار سود وقد قال جدى قديما إن تحت أرض غابتنا كنزا ، لولاه لما خذلوك يا عيسى ! الخيانة ! يقتتل جمهروش وقهرمان على كنز تحت أرض غابتنا . جمهروش يمتلك كنوز الارض ، ولكنك طمعت فى كنز صغير تحت أرض غابتنا ، يا ملك الجن ! فمتى تحتضن الارض عظام جمهروش ؟ أرض غابتنا تنتج البصل ، وتحتها كنز يطمع فى امتلاكه جمهروش الجبار ، وأنتم قانعون بمصيركم أيها الجرذان ، فمتى نمتلك ألا نسألكم أيها النائمون تحت الارض عن مصير عظامكم ؟
كالنقط الشهباء على جلد عنزتنا الاجرب دموعكن . والذبان الاخضر الحائم حولى كدموكن ، ينذر بالنهاية . كقمر صدىء تلفه عتمة الظلام خلف عينى المغمضتين ، يتراءى لى ذلك الطائر الاخضر الذي يصلك منقاره قصة الدار فدعوه يدخل . قيرة اربعطاش فى رأسى قائمة . لمن تتركنا يا بنى ؟ أفى عز الشباب تأخذه يا ربى ؟ من قبله دفنا صالحا وابنه . ايكون محمد أملنا المقطوف ايضا ؟ محمد ! ولد أمي ! أخواتى ! قال أخي صالح موصيا لى فى المنام ، ردوا بالكم من الربيب النابت فى حاشية الساقية ، فكان ابنه أعز عليكن من أنفسكن . ولم أترك ربيبا فى حاشية الساقية ، فأوصيكن برعاية الدفلايتين الجبارتين فى بطحاء الغابة ، فلولاهما ما كنا . أبوكن متهدم وأمكن عجوز عمياء ، فبهما خيرا . صرخة أخي صالح فى قاع البئر لم يستجب لها قد حطمت صرخته مزمار داوود وهذان طبل وزكرة يشنجان أعصابك بعد أن
انتظرا طويلا ليالى عرسك . وليس من لى بعدكم ، وسيمتص موتى صفاء عينيها ، فلا تحزنى بعدى أيتها الغالية . ستطرد عيناك عنى صورة الشيات الصغير المقعى على صندوقه الصغير والذبان معش على عينيه ، وهو يسألنى سؤال الملكين ، وستخفف عيناك وقع البراثن فى الليلة المطرة وكل شئ لا شئ . . . إنهم آتون . قد أقتربوا الآن فى العطفة المؤدية إلى المنزل أمام حانوت خالى السويح . جمهروش وقهرمان وشيخ الحومة . تنتظرهم أجنادهم فى بطحاء المنزل . أسنان المنجل تقزقز أمعائى . فم المسحاة يهوى على رأسى . قد اكتسي جمهروش وقهرمان وشيخ الحومة رؤوس بصل . بصلى قد سرقوه . لقد تعبت فى خدمة الدرجة ليالى الشتاء . ها هو ذا البصل يدمع عينى ! ما أمر رائحة البصل فى حلقى ! ما احد اسنان المحشة وهى تحش مصارينى ؛ إءءعه ! إءءعه ! آه ! عروق البصل . إنها تمتد الى اعماقى . تلتوى على رجلى ثعابين ، لهذه خدمة يدى تنتج الثعابين فتلتوى على يدى ورجلى وتنهش أعماقى ؟ ألم تغص رجلاى فى طين الدرجة وأنا أخدمها ؟ ألم تغص رجلاى فى ماء الدرجة وأنا أسقيها ؟ ولكن صرختى كصرخة أخى صالح فى قاع البئر ، تضيع فى صدى هذا التصفيق والتهليل فى بطحاء المنزل ، فقد وصل جمهروش وصاحباه . وصل الملاعين . اخلوا لهم باب الدار . إن الملعون يقبض على الطائر الاخضر فيمرسه بين أصابعه الخشبية . لاصرخن فى وجوههم . ارغبوا يا وجوه النحس ! هذا أنت يا جمهروش . إنى أعرف وجهك النحاسى ! أتعتقد أنى لم أعلم بغدركم بى ؟ لماذا تنظر الى هكذا كمعزتنا عندما يعلوها التييس ؟ إنى لأذكر جيدا ليلة كنت أسقى درجة البصل عندما غزت الغابة أمواج الظلام فغطت القمر حولى ، وأصوات مفرقعة تتقدمها . وبعينى هاتين رأيت كائنات لها رؤوس بشرية تحمل قرون ماعز لا أعرف أين كانت أيديها مختفية . كانت وجوهها بلا عيون ، أو لعلها كانت وراءها . أما الأفخاذ والارجل فكانت أفخاذ وارجل ماعز ، مسلوخة ، كجلد أبرص . هى جندك وجند قهرمان بلا شك . سمعت أصواتا لم أتميز منها إلا إسمى قهرمان وجمهروش . ولم أتمكن من الهرب إذ أحاط بى وابل الشهب . وأصبت فى القلب ! أتعتقدون أنه لا يوجد من يهتك سركم ؟ ! مقدم الحزب القادرى هو الذى أتى الى الغابة ليلا وحملنى ، وقال ان محلتين من محلات الجن كانتا تتقاتلان فى الغابة على أيهما تأخذ الكنز المدفون فى هذه الغابة . ها أنتما متصالحان ، وها أنا المصاب ينذرنى الذبان الاخضر بالقبر ! ما الذى فعلته لكما ؟ سادة الدنيا يعبثون بحقارتها ! ما أبشع هذا ! ما أجمل رؤوس البصل النابتة على أجسامكم النحاسية ! فهل عرفت مرارة التضليل والمخادعة والنفاق يا لفحات الهجير ؟ هى كوجه هؤلاء الملاعين . . . هئآه ! هئآه ! طعنتنى يا جمهروش مرة أخرى ! طعننى يا . . . أمى .
- 2 -
الفاصلة الثانية
اللا شئ كأي شئ . وقد أغمض العياط آذان السحاب وسد عيون الحوت فى البحر .
قال الحوت للبحر غاضبا : أريد أن التهمك .
البحر : . . .
الحوت : أيها العجوز ! سترى كيف يغمزك ذيلى !
البحر : . . .
اللا شئ كأى شئ . ووقع الاقدام العائدة لاهثة كوقع الحوافر فى يوم صيفى قائظ وقد غاصت أعين الحمير وسنامات الابل فى أوحال شاطئ الجريد ، ، وكتنوة القهوة فى قاع فنجانه كان وجهه . من عالمه عيناها قد اختفتا . وهو يمتص مخاطه ، مائية النخيل ، يسأله سؤال الملكين والذبان الاخضر معشش على عينيه ، مقع على صندوقه ، ذلك الشيات الصغير . على آثار رماده قد نقط المطر . نهر ، قطرة المطر . جبل ، ذرة الرمل . اللاشيئية تنخر العالم وقد امتصت الشمس أنفاسك أيها البحر ! أنفاسك أيها الجبار دموع على جبين الأرض . دموعك تحمل فى أعماقها ، وتذوب على جبين الارض بهتا . فأى مرارة تشرب الارض ! وقد بهت زرقة البحر . وقد خفت حدة الشمس . فمتى يعرف السحاب غبطة الانعتاق ؟ وقيل إن ماء البحر أوشك ان ينفد , وإن الكلب فى أعماق الناس قد مات ، فمتى يتحطم ذيل الحوت الغامز ، وتشل أصابع الاخطبوط ؟ ولكن . . . الرجل على الرمل كالتوائها تحت حبل المشنقة إذ تغوص فى الماء . وتدحرج الموجة من أعلى القمر الى أسفل البحر كحلم الحوتة ذات السف بأن تقلب السفينة وقد استقر فى جوفها يونس !
إ . م .

