- 2 - (*) واذا كان المناخ له تأثيره فى تكييف طبع البشر على حد رأي أبن خلدون (*) فان هذه البيئة التونسية المغربية بمتوسطها واطلسها خلق فيها شخصية قوية معتزة بذاتها متعالية بكبريائها ولئن تغلب الاسلام دينا وهو فيض مشرقى فلأنه اصفى الاديان وأكملها على انها ابت ان تتلقاه الا فى انصع مظاهره وفي منبع صفائه الاول وهو المذهب الملكى القائم على الكتاب والسنة وحتى لما جاء مرض التوزع المذهبى من الشرق لم تلبث ان لفظته ولم تقبل غير مذهب الامام مالك سنة لها ومنهاجا وكان الذى قام بهذا التطهير هو الملك التونسي المعز بن باديس الصنهاجى حيث حمل الناس على مذهب الامام مالك بن أنس رضي الله عنه وقطع ما عداه وكانت بافريقيا مذاهب الصفرية والشيعة والاباضية والنكارية وكان بها من مذاهب أهل السنة مذهب الامام الاعظم أبى حنيفة النعمان (14) ، ومن المرجح ان ميل المعز الصنهاجى لمذهب مالك لانه المذهب الذي تتلمذ فيه الافارقة عن الامام وتلاميذه فالافريقي لا يقبل الا الافريقي لا تعصبا ولكن شخصية واعتدادا وان الشرف شئ وافريقيا من بعض الوجوه ايضا شئ آخر ، ولا يمكن لحاكم فى تونس الافريقية ان يفلح ما لم يكن من طينه أرضها ولادة اما الدخيل فسوف يبقى عضوا مرفوضا بعيدا عن مشاعرهم القومية ومثلهم المنشودة ، ولو كان الامير " من أهل افريقيا ما ضرب مثل البهلول ولولا فضله ودينه لجرت الدماء انهارا " (15) وفيما قرره صاحب الاتحاف اشارة ذكية الى ان الافارقة لا يفهمهم الا من تربى فى تربتهم وهم من
اجل ذلك لا يقبلون أجنبيا يتولى أمرهم " وهذا طبيعي في البشر خصوصا اهل افريقيا فان نفوسهم تسكن الى الواحد منهم نشأ فى أرضهم ولو من الموالي - ومولى القوم منهم - مثلما لا تسكن لمثل عمر بن عبد العزيز اذا اتاهم من غير أرضهم " ( 16) .
وهذا الرأى المقرر يؤكد بوضوح - فى الاتحاف - قيمة المواطنة وان شخصية التونسي شخصية قوية تسكن الى من كان منها ولا تقبل التبعية لأحد مهما كان خطره حتى ولو كان مثالا للنزاهة والتقوى والصلاح لانها أمور ثانويه باعتبارها قيما قد لا تثبت والاهم منها المواطنة اذ بها السكينة والاستقراء ، الشهامة والاباء ، ومن هنا جاء موقف الرفض من زيادة الله الاغلب ان يكون نبعا لغيره وهو امير تونس الافريقية فكيف تسمح نفسه بأن يسلك سياسة نحط من شعوره القومى وتكون على حساب شخصية أمته ، فقد جاء فى ات الاتحاف ان الخليفة العباسي المأمون أرسل رسوله لزيادة الله الاغلب " يأمره بالدعاء لعبد الله بن طاهر بن الحسين صاحب مصر فأنف لذلك زيادة الله دعا رسول الخليفة لبلا وأجج نيرانا حوله ولما دخل عليه وجده ثائر الرأس محمر العينين ، فقال له زيادة الله : أبعد تقرر طاعتى وطاعة سلفى عند امير المؤمنين بأمرني بالدعاء لعبد خزاعة ؟ لا يكون هذا ابدا ، ونأوله كيسا به الف دينار وكثرها مضروب بأسماء بني ادريس العلويين وقد أهل هلال ملكهم يومئذ بالمغرب الاقصى فغض الخليفة ولم يراجعه فى ذلك ) 17 ( .
وهكذا فان التبعية فى مفهوم الشخصية التونسية مرفوضة أصلا والنار المؤججة دونها . وهذا الرفض المطلق له مؤيداته فالحاكم عند ابن أبى الضياف التونسى هو الذي يحمل هذه الروح القومية المؤججة للشخصية الوطنية ، لا ان يكون دخيلا في الدخلاء لانه فى هذه الحالة لا يمكن أن يكون له ما يربطه بهذا غير الشهوة وبعكسه فان الامن والاستقرار هما أول المكاسب المنجرة عنه وعادة الملك المتأصل هو التنافس بين رجاله فى المنشآت والتعمير وحب الوطن " والالتحام بأهله والتحبب الى الناس..." ومن امثال عامة افريقيا - أى تونس قولهم : " شر نعرفه خير من خير لا نعرفه "( 18) .
وهذا المثل الشعبى التونسي هو غاية الغايات في النفرة من قيادة الاجنبى ومعايشة من لا يعرف وقبول الشر من ذويه أفضل ألف مرة من خير يأتى من
أجنبى وهذا التصور الجارى فى دماء التونسيين هو احساس بالشخصية القومية والاستغناء بما هو داخل الحدود أفضل مما يزحف من ورائها حتى ولو كان فى الاول الموت وفى الثانى الحياة ولا شك ان فى هذا المبدأ دليلا ساطعا على استقلالية التونسى وتمسكه الوطنى من جهة وعلى ان التونسي لكثرة مصائبه المتأتية من العناصر الاجنبية اسلامية كانت أو غير اسلامية جعلته يفقد الثقة والتفاؤل فى كل ما هو غريب عنه ووجد الثقة والتفاؤل والخير فى من كان منه وان قل فان الوازع الوطنى مهما ضعف والضمير القومى يمليان ضروبا من السياسة والسلوك لا يخرج من بعض وجوههما من الخير " حيث يرى الامير نفسه فى داره ومسقط رأسه ومعهد شبابه وقاعدة فخره فيجتهد جهده فى بقاء مآثره بمحل أمرته بخلاف الوارد من دار الخلافة فانه لا ينفك عن الحنين لمسقط رأسه . . اما ابن الوطن فهمه وطنه ( 19 ) : وفي الاتحاف أكبر دليل على صحة هذه النظرية وذلك حين يجد ويطلب الوطنى من ابنائه العطاء والغداء فالمواطن : يتقدم للبذل بما عنده من نفيس الحياة وهي حياته وأما الدخيل عنه فيتخذ محجما ويلوذ هاربا محتجبا " فانظر أيها المعتبر الى حال هذا الباشا وقد أتى الجزائر جنديا من عامة الجند ، كان أبوه ببلدة شناقلعة يحترف بغسل الاموات وترقى بعصبيته الى منصب الباشا ولم يكن له فى البلد منزل ورثه من أبيه ولا مقبرة لسلفه وذويه ، وما يقتضى حب الوطن من بنيه ولا سياسة يعرف بها نفسه والحال وما يقتضيه كيف لم يفكر أولا فى عاقبته ولما ناداه المدفع أسرع الى إجابته وكان الامان على ماله أول اماله لانه دخل البلاد صفر اليدين وخرج منها فائزا بغنيمة النقدين ولو كان من ابناء ترابها ما سهل عليه ذلك ولا استهان بطرق المهالك ولذلك كانت بيوت الملك في البلدان لها التأثير النافع فى مصلحة الحوزة والاحتفاظ عليها غالبا " ( 20 ) وهذا الرأي كما ترى مبنى على مزايا المواطنة وقيمة الشعور بالذات فى سبيل الحماية والمناعة استنادا للتراث الثابت باعتباره رصيدا فى صيانة الشخصية القومية وتأكيدها . ومن أجل هذا الاعتبار أحب الشعب التونسى المراديين فى أول أمرهم لما لهم من الاصالة التونسية من بعض الوجوه فقد مال لهم أهل البلد لانهم نشأوا يتكلمون لغتها ويعرفون منازل أهلها وحسن آثارهم ( 21 ) . حتى اذا تخلوا عن رسالتهم ونالوا من الشخصية القومية بظلمهم وقسمة
بلاد الله وعباده كالسوائم المملوكة والاستعانة على ذلك بغير أهلها من المسلمين واباحة بلد الصحابة وتخريبها . وقتل العلماء وتدمير الافاضل بتأمير الاراذل . . وتعذيب الصبيان لتعذيب آبائهم " (22) . وهم عند هده الحد خرجوا عن مفهوم المسؤولية والمواطنة وانقلبوا الى أصولهم الاولى باعتبارهم أجانب عن هذه البلاد دخلوها مستغلين وكانهم أبوا أن يخرجوا عنها الا مدمرين وحبن نتتبع مثل هذه النصوص فى الاتحاف نجد ان المواطنة نحصل الولادة والنشوء كما تحصل بالولاء على ان هذين الاعتبارين ليسا بشئ إذا صحبهما سوء الاضمار لهذا الشعب والكيد له فلذلك نوه صاحب الاتحاف بحسين بن على باعتبار هذه الجوانب كلها ، كونه من أهل الايالة ملتحما في جلدتهم متكلما بلغتهم وميلهم اليه لما فيه من الحلم والتسامح ( 23) ومن اجل انعدام تلك الخصال تخلى التونسيون عن عشى مصطفى المحاصر للحاضرة فقد ورد في الاتحاف ان عربان المملكة لما علموا بأن المتولى بعده - أى إبراهيم الشريف - من أبناء المملكة يتكلم بلغتكم ، ملتحما فى جلدتهم حنت قلوبهم للوطن واظهروا ما بطن ( 24 ) وقد أصبحت هذه الملاحظات المتفرقه حول شخصية الحكم القومى ومتطلباته نظرية عامة ينادى بها صاحب الاتحاق ، ولا يتردد فى الاصداع بها والدعوة اليها ولا يتحرج فى ان يدعو بايات عصره إلى تفهمها والعمل بها باعتبار ان الحاكم الناجح لا بد ان يكون مواطنا تونسيا منتميا ولا يتم له هذا حتى يكون عدلا مصلحا يعمل على إسعاد وطنه الا اذا كان له رصيد من التراث القومى يمازج روحه وتلك هي الشخصية القومية فمن اكتسبها اكتسب الخلود وقد قال يوما للمشير الاول فى معرض الانكار عليه لانهاكه المملكة بكثرة ما يفرضه على الشعب من الضرائب وإطلاق أيدى عملائه يستحوذون على الاموال ظلما وعدوانا مما يؤذن بخراب البلاد :
" ان هذه المملكة ورثتها عن آبائك واجدادك ، ولم تأخذها بحرب فهى بمنزلة دار حبس يسكنها المستحقون على التداول فاذا انقضت مدة أحد المستحقين فلا أقل من ان يترك الدار كما أخذها غير منقص شيئا منها ، والاولى ان يتركها أحسن مما أخذها لتلحقه الرحمة وهو فى قبره اما اذا
تركها فى حال نقص يلحقه ضد ذلك ، وقد أخذت هذه المملكة وعمرانها أكثر منه الآن وقد أخذت فى طريق العدم ( 25 ).
ولعل مثل هذا التوجيه ونحوه عن الوفاء فى الانتماء والاعتزاز به هو الذى حرك المشير أحمد فى معرض حديثه عن المعونة للدولة العلية " فاننا وان جمعتنا الاخوة الدينية والخدمة السلطانية لا ننسى نسبتنا القومية " . وبهذه النسبة أفاض من ذاتيته الى كاتب سره وصاحب الاتحاف حين كان بالشانزيليزى والحديث حديث اعجاب بشارع الجنات قال المشير لكاتب سره * فقال لى : ما أشوقنى للدخول من باب عليوه واشتم رائحة الزيت من حانوت الفطائرى داخله ( 26 ) وقد خرج الكاتب هذا الكلام تخريجا مفاده ان الامر يتعلق بالاجلال هناك للمشير بينما وهو فى الشارع الفرنسي رجل كسائر الرجال وقد انكر المشير هذا التخريج ، مؤكدا على انه شعور وطني ولئن كان هذا الاحساس بالانتماء جديدا فى نفوس البايات بهذا الوعى العميق لمفهوم الوطن فان الرجل العادى التونسى كان يسرى فى دمائه وكان لا يغيب عنه لحظة ومن أجل ذلك يلاحظ ان التونسى رجل منضبط حساس في سمعته وسمعة بلاده ومن هنا كان انضباط الجيش فى الحملة العسكرية ايام حمودة باشا على طرابلس حيث تم كل شئ فى ليبيا بفضل الجيش التونسي دون ان يصدر من التونسيين ما يشين " ولما رأى أهل طرابلس انكفاف أيدى العسكر التونسى عن النهب أهدوا لهم مائة ألف محبوب من الذهب تحمل بها أغنياؤهم طوعا " ( 28 ) وقريب من هذا الانضباط فى الانسان التونسى ما جاء فى الاتحاف عن البعثة العسكرية التى خرجت اعانة للدولة العلية لاعانتها فى حروبها قال صاحب الاتحاف : ( وكانت سيرتهم في الغرب مشهورة وحسناتها مذكورة من الصبر والثبات والتجلد على المشاق وطاعة الكبراء ونزاهة النفس والحياء على عادة أهل تونس فى غير وطنهم فان الغربة تعقد بين المتعاديين منهم ، أخاء واتصالا مما جلب لموطنهم جميل الذكر ( 29) .
وبمرور الايام وتطور الزمن أصبحت النسبة التونسية حتى عند البايات كما نرى شرفا بخلاف الحال من قبل وبدأت الشخصية التونسية تفرض نفسها يوما بعد يوم حتى رأينا المشير حين اعتزم على زيارة فرنسا يصدر
منشورا لرجاله والامة وفيه أكثر من دليل على أن مفهوم الوطنية قد اكتسح القصور الجانحة تجاوبا مع مشاعر المواطنين العاديين حتى ولو كان ذلك تظاهرا وكاني بنفسية السيد والراعي انقلبت أو بدأت تتحول إلى نفسية المسؤول والخادم للشعب الذى لم يعد رعية بل أصبح مواطنا سائلا : " والله يعلم ان شغفى برعيتي ومملكتى يقتضى ان نقتحم المخاوف ونتحمل مشقه الاسفار لراحة أوطانهم ، وجرت عادة الله ان المسافر يهتم بأمر أولاده فانتم عندي بحمد الله المال والولد وبغيرتكم حماية الوطن ( 30 ) ومن هنا كما ترى بدأت تتلاشي أو قل تتهافت المفاهيم التقليدية القائمة على التمييز بين الحاكم والمحكوم باعتبار الاول راعيا والثانى مرعيا الى إقرار أو تقبل مفهوم جديد ان الراعي هو الحاكم المسؤول وان المرعى هو المواطن صاحب الحق والكلمة الاخيرة وهذا التطور أو التغيير يعتبر كبيرا فى مفهوم الشخصية التونسيه وفى مستواها الرسمى والشعبى أيضا
ونحن إذا ما لاحظنا قديما وحديثا تهالك الشخصية الشعبية عند بعضهم حتى جعل من جعلها مطية ظهرها لمن غلب فان الشعب التونسى فى اصالته واعتداده بشخصيته جعل افريقيا قديما لا تعرف الا به وتسمى باسمها لانها محط الحضارات قديما ( ومحط شعائر الاسلام ) (31 ) . والحاكم فى هذه الديار مهما حاول التفرد فانه يجد نفسه مجبرا على الامتزاج واشراك الشعب والاستماع لصوته والاخذ منه والتفاعل معه من أجل ذلك فانه ما يزال على حذر في سياسته فان اخطأ أو تهور فحساب الشعب وراءه وليست انتفاضة الشعب التونسى دائما هى الثورة كما كان ذلك عند غيرنا بل ان الطريقة فى العلاج قد تبتدئ بتنظيم المظاهرة وشن الاضراب العام على نحو ما يحدث فى هذا العصر جاء في الاتحاف ان ابراهيم بن أحمد الاغلبى ضرب سكة جديدة ، فلم يجز بذلك موافقة الشعب وانكروا عليه هذه السياسة المالية انكارا شديدا " فانكر العامة ذلك وغلقوا الحوانيت وتألبوا الى رقادة وصاحوا بابراهيم " (32) ان مثل هذه البوادر الشعبية المتمثلة فى الكفاح السلمى بعيدا عن أساليب السيف في مثل ذلك الوقت لمواقف تدعو الى التأمل والاعجاب ومثل المظاهرة
التى نظمها صبيان ولاية نابل وجاءت باردو لتعلن سخطها على واليهم محمد المورالى فما كان من على باى بن حسين الا ان بادرهم بقرار عزل هذا الوالى عنهم وكانوا يهتفون : " يا رب الطف بينا المورالى جار علينا " ( 33) .
ومثل هذه المظاهرات الشعبية ما حدث ايام مصطفى باي وكان المتظاهرون يسمون انفسهم ( جماعة البوقال ) لانهم تعاهدوا بمقام سيدي عزوز وشربوا جميعا من ( بوقال ) عند حوضه ، وسبب تظاهرهم هو احتجاجهم على أمر الباي ( باحصاء سائر من في الحاضرة من الشبان باسمائهم في دفاتر ويعرضونها عليه ) لتجنيدهم ، فرفض هؤلاء المناهضون : " بانه لا طاقة لنا على اعطاء أولادنا تمضى أعمارهم فى السعى وهم بموضع واحد كدواب المطاحن" مع العلم ان عسكر تونس هم الترك وزواوة وكلف الباى قاضيه للاتصال بهم فقالوا : " من أراد الكلام معنا فليأت الى الجامع الاعظم جامع الزيتونة فهم الباى بالمشى للجامع " ولكن المماليك ثبطوه عن ذلك لحاجة فى أنفسهم ، وكان الباى أثناء ذلك "يسمع ويأتى الحاضرة ويدور بها فاذا مر بطائفة من هؤلاء يضجون بالدعاء له بالنصر ويقولون : أجرنا على عادتنا من اسلافك وهو يبتسم لهم ويدعو لهم بالهداية " حتى اضطروه الى التراجع فى قراره ( 34 ) ان مثل هذه المحاسبة اليقظة لسياسة الحكم من جهة الشعب وبهذه اللباقة دعاء بالنصر ومطالبة بالتراجع تدل على ذكاء التونسى فى معالجة قضاياه انه عنيد في الحق ولكن بأسلوب وباخلاقيات نظيفة ، ولكن ذلك لا يمنعه من الثبات فى المبدا والانتصار فيه ومن المواقف الحاسمة فى التاريخ التونسى ما ورد في الاتحاف عن قصة الشعب مع حاكمه معز بن منصور من بني حماد اذ اراد المتاجرة فى عام قحط بالحبوب واخراجها الى خارج البلد ولكن الشعب فتح عيونه على الامير يراقبه حتى اذا عثروا عليه يفعل فعلته ثاروا به فطردوه وصيروا الحكم فيها شعبيا وعهدوا بالادارة الى قاضيهم ابى محمد عبد المنعم ابن الامام أبي الحسن ولكن هذا القاضي بدوره أراد أن يملك عليهم من ليس لهم بأهل لأنه اعرابي وقوته عصبيته الخلدونية فما كان من التونسيين الا ان طردوا الامير وأتبعوه بقاضيهم ( 35 ) وقدموا من قدموا ، وبهذه الشخصية الشعبية القوية الحساسة تمكن من تمكن من حكام تونس الاقوياء الى تحقيق ما كانوا يحلمون بتحقيقه
من طموح لان أولئك الحكام قد فهموا نفسية الشعب وعملوا على الامتزاج به وتبصيره بما يجول فى نفسهم من مخططات والشعب من أجل ذلك لا يتوانى في البذل والعطاء والاخذ بما يلقى اليه وهنا يكون لقاء الحاكم بالمحكوم والسائل بالمسؤول فقد ذكروا ان المعز الفاطمى كان يتقصد اطلاع الوفود التونسية على حياته الخاصة المتقشفة الخشنة كسبا لقلوبهم وقد كانوا معه كذلك وبلغ به الامر أن أصبح يوجه حياتهم الاجتماعية الوجهة القومية وما إخالهم الا كانوا لدعواته تابعين . دخل عليه وفد كتامة يوما فأراهم ما هو عليه من البساطة فى العيش ثم أخذ في توجيههم قال : " وأقبلوا بعد هذا على نسائكم والتزمو الواحدة التى تكون لكم ولا تشرهوا الى التكثر منهن والرغبة فيهن فينغص بعيشكم وتعود المضرة عليكم وتنهكوا ابدانكم وتذهب قوتكم فحسب الرجل الواحد الواحدة ونحن محتاجون الى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم ) 36 (
أقول : وما اشبه تلك الدعوة المبكرة للشعب الى تنظيم حياته الداخلية والصادرة من مسبؤول تونس فى ذلك الزمان البعيد ، ما أشبهها بدعوة السيد الرئيس اليوم ونحن في خضم الحضارة الحديثة ولئن كانت حمله تنظيم النسل ونظام الزوجة الواحدة قد عرف بها الغرب الحديث فانها فى حضارتنا التونسية جزء من ماهية شخصيتنا الحضارية المتزنة والميالة الى التقييم العقلى فى كل شئ يعود بالنفع على اهم ما فى الانسان وله ، وهما العقل السليم والجسم السليم ، ويبدو ان مثل هذا الاتصال المباشر بين الشعب ومسؤوله سنة تونسية قديمة وصلت الى الدعوة لعدم تعدد الزوجات محافظة على العقل السليم في الجسم السليم منذ القدم ولا شك ان فى هذا التجاوب ما يخلق فى الشعب الوداعة والركون ، فان عدم ذلك كان التنافر والنقد الشديد ، وفى عهد الحكم الحسينى كثير من الشواهد على هذا اللون من الصراع الخفى والمكشوف وفي كلا الحالتين هناك شخصية قوية لا تعرف الخضوع ولكنها تأخذ أوضاعا مختلفة حسب الظروف ، ذكر ان على باشا كان جبارا سفاكا للدماء جريئا فيها فخافه الناس وانكمشوا عنه ولكنهم حين رأوه يستعد لمنازلنة ابناء عمه الوافدين من الجزائر في جيوشهم الجرارة أسرعوا يذكرونه باعمال انتظارا للحساب فقد كتبوا له على حائط برج الجلاز " هذا لا ينفعك قد حضر أجلك ، وأراح الله منك ومن ذريتك يا قاسى القلب فأين تذهب قد جاءك الطلب " ( 37 )، ولئن سجن على باشا من سجن لهذا النقد فان حكم الشعب عليه كان صحيحا لم تغنه قسوته ولا دافعت عنه جرأته ووجد نفسه فى فراغ
شعبى مهول ليس له من سند الا نقمة شعبية تلقائية بعيدة عن كل تحزب حسينى وهو مرض ذلك العصر
ومن هذه الوقفة الشعبية ذودا عن الكرامة ودفاعا عن الحق ما جرى فى الاتحاف ايام حمودة باشا فقد كان من عادة الباى الحسيني ان يجلس فى المحكمة ويباشر قضايا الحرابة ونحوها بنفسه وذات يوم نهب مواطن خارج العاصمة وحضر لدى الباى شاكيا فقال له أحد رجال حمودة باشا : " تكلم أيها الشيخ ان سيدنا يسمعك " ، فقال الشيخ : " سيدك أنت اما أنا فلا سيادة له على حتى يكون حاميا لدينى ونفسى أينهبنى جنده قرب الحاضرة وأدين له بالسيادة " ( 38)
وانى لأعتقد اعتقادا جازما لو ذهبت وقتها تذرع الارض فى غير البلاد المغربية وفي غير تونس باستثناء أوربا تبحث عن موقف مواطن أمام ولى أمره الملوكى لما وجدته ولأعياك الطلب وقد يزعم زاعم ان المغاربة ومنهم التونسيون يصدرون عن غلظة فى الطبع اكثر من صدورهم عن العقل ولكن مثل هذا الادعاء لا يخلو من الجهل بطبيعة المغاربة الصلبة فى الذود عن الحياض وكذلك كانت شخصية التونسى ويذكر أن الداى محمد طاباق وهو دخيل حدث فى عهده انكسار مركبين انقليزيين وخرجت بضائعهما منتشرة على السواحل فما كان من الداى الا ان بعث يحفظ هذه البضاعة لاهلها ولم يمس المواطنون شيئا منها حتى ان ابن أبى الضياف يقول معجبا من هذه الظاهرة المشرفة للشعب والداى "وهذا غريب في ذلك العصر الذي فيه أمثال هذه الحروب بمجرد الهوى " (39) وليس في هذه الحالة استغراب فالحروب حقا فى ذلك الوقت سببها الهوى والاطماع ولكن كل هذا شئ وسمعة تونس والتونسيون شئ آخر لا ينبغى أن تشوه عند الدول الاجنبية وهذا الشعور لا شك فيه معتبر جدت فى حروب بني مراد ان محمد باي استعان بصاحب الجزائر ولما استتب له الامر سجن الباى السابق وهو محمد منيوط وكان من موالي على باى المرادى ولكنه بعد ذلك أحضره وعفا عنه وصيره الى بلاد الترك وقبل تسفيره جهزه بما يلزمه ووصله بمال وقال : لا يدخل بلاد الناس صفر اليدين بعد ان كان باي تونس (40) وهذا الشعور لا يقبل الجدل فى حقيقة وجوده وحساسية التونسى فى حق بلده وسمعتها وقد أفاضت هذه الشخصية كما ترى على الحكم برغم كونه مملوكيا مما جعل الادارة وان كانت دخيلة قد طوعت أساليبها واكتسبت مواقفها نفاذ البصيرة وبعد النظر . حدث فى أيام على باى
بن حسين تعكر في العلاقات التونسية الفرنسية آلت الى حرب بين الدولتين وقدم الاسطول الفرنسى محاربا وقد طلب تجار الفرنسيس بتونس تسريحهم لبلادهم فيسرحهم وركبوا من حلق الوادى على غاية الأمن ، وعارضه بعض وزرائه أى على باى - فى تسريحهم فقال له : إنهم دخلوا بلادنا بأمان وعهد صلح فلا يسوغ التعرض لهم بوجه من الوجوه كما هو مقتضى الشرع والعقل ، وكيف لنا ان نخون عهد الاسلام ؟ وحرس مكاسبهم وأثاث بيوتهم وبالغ فى ذلك وقوفا على عهد الصلح (41) وقريب من هذا ما حصل أيام حمودة باشا حين استولى نابليون على مصر وتأزمت العلاقات تبعا لذلك بين تونس وفرنسا على أن تونس لم تماش الدولة العلية فى تصعيد الموقف بل كانت معتدله اعتدالا غربيا وفسر الموقف التونسى ، إذ ذاك بكثرة خلطة الفرنسيين للتونسين ، وقد يكون الحكم هدف من وراء ذلك ان يبقى النافذة مفتوحة نحو فرنسا حذرا من الدولة العلية وقد ولجها من بعد المشير الاول لنفس الحذر ومهما قيل عن تلك المواقف فانها على كل حال انعكاس لهذه الشخصية التونسية المعتدلة الرصينة وتأثر المماليك الاتراك بها الى درجة ان اصبح الواحد منهم يقبل النقد بل ويستصوبه فى خصوص التغافل عن عدم جعل الامن القومى محور سياسة الدولة فلذلك قبل الباى من أحد رجاله وهو معجب لما شيد من القصور ، اذ قال له : " إذا أتانا عدو نرميه من مدافعنا بهذا البردقان " وقد ندم حمودة باشا على ما بناه لانه لا ينفع البلاد بجلب مصلحة او دفع مضرة ، والله لولا قبح الأحدوثة فى الجمع بين خسران البناء وخسران الهدم لهدمته الآن ( 42 ) وانطلاقا من هذه اليقظة القومية في نفسية الحكم المتتونس تولد عامل التضامن والركون الى الوازع الوطني حتى ان حمودة باشا قال في دفاعه عن اقتصاده فى الانفاق من مال الدولة : " هو للمملكة وأهلها ونحن وكلاء فليس لنا الا ما للوكيل من التصرف بالمصلحة " ومعنى هذا ان مفهوم الحكم لم يعد قائما على ان الرعية فى خدمة الملك بل رجع أو قل : بدأ الرجوع فيه الى ان الحكم فى خدمة المجموع فهو كالوكيل ومن الواجب ان يكون نزيها وأمينا ولا شك ان فى هذا الاتجاه الجديد نضجا سياسيا اتجه الى المصالح العليا الوطنية فلذلك كان حمودة باشا " لا يتباهى إلا بعمل البلاد من لبس نسجها شعارا ودثارا كنسيج سوسة والحمامات والجريد وجربة ، ومما يصنع بالحاضرة من نسج الحرير الصرف والمختلط ( 43 ) وبذلك تولد عن قصد
أو غير قصد ما يسمى اليوم بسياسة التقشف وحماية البضاعة الوطنية وتشجيع اليد العاملة على العمل حتى ولو عند النصارى حتى قال يوما رادا عن باش حانبه الحاج أحمد بن عمار وقد أنكر على أبي محمد حسونة المورالى اشتغال مترجما : " فى عسكر الانقليز لما توجه لمصر " ، قال له : " لا يعير الرجال بالخدمة انما العار بالبطالة " ( 44)
وبفضل تلك السياسة وما انطوت عليه مواقف من تغييرات العصر والضغوط الحضارية آل الامر فى الحكم من ملكى مملوكى مطلق بدون مداراة ولا ملاينة الى نوع من التضامن والالتزام ما أمكن بمتطلبات الرغائب الشعبية وتقريب الشقة بين الحاكم والمحكوم حتى سمعنا مثل هذا النغم على اثر صدور عهد الامان "والله يرى انى ما آثرت فى قبول هذا الامر على خطره الا مصلحة الوطن على ذاتى وعمرت بخدمته الفكرية والبدنية أوقاتي وقدمت من التخفيفات فى الجباية ما علم خبره وظهر بعون الله اثره فانتشرت الامال وتشوقت النفوس الى ثمرات الاعمال ، وانقبضت على التعدى أيدى العمال " ( 45)
وهكذا يقتضى تطور العصر ولو تظاهرا بنضج الشخصية التونسية ، أن يقف الباى أمام شعبه ليحاسب نفسه بنفسه ويعترف بما له وما عليه ويجهد نفسه فى التدليل على السهر من أجل الامة والوطن بل ليتجاوز ذلك كله ليعبر عن إيثاره له والتضحية من أجله بحياته ولا شك أن مثل هذه التصريحات او قل الاعترافات لها نتائجها من بعد حين تفتحت عين المواطنين وادركوا ان الزمن قد تغير فى حين كانت تصورات بعض رجالات ذلك العهد ان الامر يعدو ان يكون شكليا فلذلك رأينا المواطنين من بعد " طلبوا أن لا يتولى عليهم الموالى من المماليك وطلبهم لذلك إن صح من حيث انهم من غير أهل المملكة ولادة وان كانوا من أهلها ولاء وولى القوم منهم لانهم أبعد الناس عن هذا المراد لما حل بينهم وبينه من نسيان طعم الحرية لا فرق فى ذلك بين غبيهم ونبيلهم وان كان ( سادات كل اناس من قبيلهم ) وانما طلبوا ذلك لان غالب المماليك وغيرهم من أهل الصرايا يخرجون اليهم خروج المالك لعبيده يرون ما يأخذونه منهم حقا واجبا وما يبقونه بأيديهم تفضلا منهم ويستعينون على ذلك باستمالة أعيانهم بالرهبة تارة والرغبة أخرى ، ويجعلون لهم طعمة كسهم الكلب من المائدة ، ومن أمثالهم " الشجرة تحرق بعود منها " ولا يخطر ببال الرعية فى
هذه الازمان الانصاف من هؤلاء بل لا يؤملون سماع الشكاية ، هذا اذا آمنوا من تسميتها بالفساد لان القوم من المقربين زلفى معايبهم تستر ، وزلاتهم تغفر ( 46 ) وقد حرصنا على ان ننقل هذا النص على طوله لما فيه من التحليل المركز لجوهر القضية في هذا الصراع بين الشخصية الوطنية التى حققت او قل : تحقق لها ما تحقق من المكاسب وبين هذه العناصر الرخيصه ولئن وفق الكاتب في نظرته جملة الا ان ادعاءه بأن طلب المواطن ليس مأتاه (انهم من غير اهل المملكة ) فان اصرار المواطنين على هذه التسمية بالمماليك وما يشاهد لهم من أقارب يفدون يصلبانهم مكرمين فى القصور البابوية كل ذلك يجعل المواطنين في طلبهم يصرون على عزل هذه النوعية باعتبارهم كالاعضاء الزائدة النافرة يرفضها جسم الامة ولا تقبل بأن يندرجوا فى دورتها الدموية
والباي الذي أكره على اصدار الدستور اكراها وظنه نظريا فوجئ بمتطلباته الواقعية فاستسلم هو ومماليكه زمنا للتيار وتفتحت عين الشعب لهذا البصيص من الحرية وتدعيم الشخصية الوطنية فلما أراد الحكم ان يعود القهقرى فى ظل الدستور كانت الثورة وكان استغلالها من طرف الباى وأذنا به والاجانب لالغاء الدستور " وعهد الامان " والعودة بالبلاد على بدء فكانت المأساة ثم كان رد الفعل الشعبى القوى بالشر الذى لا بد منه وهو الارتماء فى احضان التجنبس كعلاج أخير للهروب من جهنم الباى ولكن هذا الباى الاخير وأعوانه بارعون في إضفاء القاب شيطانية على كل متجنس مما حرك صاحب الاتجاه ان يقول على طريقة شيخه ابراهيم الرياحى في مجابهة المشير الاول :
ما يمنع هذا المسمى بالمفسدة وهو حر ان يقول للباى : جنابك العالي هو الذي افسد رعيته حيث الجأهم الى الاحتماء بغيرك ثم يشفع الكاتب كلامه فى هذا الموضوع بخلاصة هي بمثابة الكتاب الاسود يصور كيف كان البايات بالشعب يعبثون وصاحب الاتحاف قد وفق ايما توفيق فى حديثه عن أحوال أولئك المماليك فهو لا يتردد فى كشف مساوئهم السياسية ولكنه ايضا لا تردد فى ايراد ما تحقق للشخصية التونسية من انها بدأت تهضمهم هضما كمسألة مصاهرتهم التى كانوا يقصرونها على من كان منهم من المماليك الاجانب ( 48 ) ثم تطامنوا شيئا فشيئا حتى نزلوا الى تربة الشعب وصاهروا
أفراده بداية من حسين باى ( 49 ) كما كشف عن تلاعب البايات ففي الوقت الذي تجدهم يلوذون بالشعب ويتهربون تحت ظله فى الامتناع من دفع الاداء السنوى للدولة العلية وابطال العادة فى تقديم هدية الزيت السنوية الى الجزائر بحجة ان الشعب رفض ذلك وابطل ما كان يجرى وانهم يقفون حيث يحدد لهم الشعب التونسى ان يقفوا ( 50 ) فى الوقت الذى نراهم يقفون هذه المواقف وكانهم خدم للشعب يكشف الكاتب جوانبهم المظلمة الاخرى فهم حتى أواخر عصرهم الاول كانوا متعصبين على الشعب يتجاهلون رجالاته ولا يقدمونهم الا لوظائف الدرجة الثالثة ويسجل ابن أبى الضياف ذلك بقوله : " وعجب الناس من هؤلاء الثلاثة وهم من ابناء المملكة ولادة" (51) والقصد بذلك هو شخصه ومحمد بن الشيخ عبد الكبير الشريف وأبو عبد الله محمد الطاهر بن عاشور وذلك حين عينوا كواهى لرئيس المجلس الكبير ، وقد كان تعجب ابن أبى الضياف من عصبية الحكم المقيته وعدها عنوانا للخراب حيث لاحظ ان المناصب الجديدة ليس لاهل المملكة فيها نصيب " والحال ان ابناء المملكة ولادة فيهم أولوا الالباب والجهابذة الكتاب الا ما كان من وزير البحر أبو محمد خير الدين فانه انتخب أبا عمر وعثمان بن محمد هاشم مستشارا فى وزارته وعد ذلك من انصافه عند من يرى مثل هذا انصافا ، كما اتفق ان هذا المستشار اختاره وزير الحرب أبو النخبة مصطفى آغا لما توجه للدولة العلية واختاره الوزير أبو عبد الله محمد عامل الساحل لما توجه سفيرا لدولة اسبانيا ، والفضل للمبتدئ وان احسن المقتدى ( 52 ) ثم يقول متعقبا لهذا التعصب وكم عانت تونس من هذا التعصب ، فى شأن تأليف المجلس الكبير وكان اعضاؤه العشرون كلهم من المماليك " ومن غريب الاتفاق ان العشرين رجلا المنتخبين من رجال الدولة لم يكن فيهم من ابنائها ولادة الا العبد الحقير والشريف حسين بن عمر المقرون ، والكونت جوزاف راف ، وغيرهم من ابنائها ولاء ومولى القوم منهم . كما انه من الاتفاق ان هؤلاء الرؤساء على المجالس لم يكن فيهم أحد من ابناء المملكة ولادة بل رؤساء مجلس التحقيق والجنايات ليس فيهم من شروط الانتخاب الا الوجاهة فى هذه الدنيا ، وليس لهم من العلم الا الاحساس بالامور الضرورية
كما ان من الاتفاق ان أهل المجلس الاكبر لم يكن منهم واحد من أهل العلم ( 53 ) واذا كان الصادق باى يجوز عليه هذا وأكثر فان حمودة باشا الذى عد جوهرة الست الحسيني هو نفسه كما فى الاتحاف متعصب لابناء جنسه حتى لكأنه غير ذلك الباى الذى تقمص شخصية الملك المقيد بالقانون قال صاحب الاتحاف : " وكاد الباى ان يقصر الوكالة على الجوامع والمدارس والزوايا وأمناء الصناعات على كبراء الشاوشية كأن لم يكن فى البلاد أمين سواهم حتى ان الشاوش اذا صار اختيارا يأتيه طالبا لوكالة أو نحوها الى غير ذلك من ايثارهم وميله اليهم كل الميل "(54) وتدل هذه السياسة على ان التعصب العرقي تحول إلى مرض مزمن فى دولة البايات اذ لا يكادون يتجردون منه أو يخيل اليهم ذلك حتى يغرقوا غرقا فكانوا فى هذا الجانب مضطربين ليس لهم هوية ومثل هذا الاضطراب ما شاهدناهم إزاء الاعلان عن الغاء نظام الرق فى البلاد والاعلان عن عهد الامان ، والكاتب فى مواقفه معهم وهو المتصل بهم الخادم في ركب دولتهم تختلف حاله باختلاف البايات فهو مرشد تارة وراد تارة اخرى وشاك حزين مرات عديدة حتى كاد دفاعه عن ابناء وطنه يكلفه حياته كما حصل له فى محضر الباى حسين اذ عظم عنده ذلك ونادى والده ليقول له : " هذا كيف تربى ؟ " ، يقول : " هؤلاء أحرار " ، فقال له :
" هذا من جهله وعدم تخلقه بالسياسة " ( 55 ) ، وتمر السنون ويتوالى البايات على كرسى تونس وسؤال الباى حسين عن كاتبه التونسى : " كيف تربى ؟ " ظل قائما وظل صاحب الاتحاف يعد ملفه عنهم محللا لمواقفهم وسياستهم رادا عليهم مبرزا مزايا أمته بما يستشهد به من أمثالها الشعبية آخذا بالحديث عن طبقات علمائها وكتابها وشعرائها من موقف المواطن الصالح الذى لا يتزحزح عن وطنيته وعن ربط أمجاد تونس الحاضرة بأمجاد تونس الماضية متشبثا بالمدرسة التونسية الخلدونية فى البحث ايما تشبث حتى لكأنه تلميذ عاصر ابن خلدون وأخذ عنه فى مجال فلسفته ووطنيته وتشبعه بشخصيته التونسية الصميمة وكفى ابن أبى الضياف فخرا فى تلك العصور الحالكة ان يكون أول داعية للتعريب والخروج من نطاق التشريك وانه أول من كتب للدولة العلية بقلم عربي مبين فهل فينا من تقمص هذه الروح ليقعد هذا المقعد فالذى عودتنا به تونس انها مخصاب وانها أم النبوغ .
- يتبع -

