الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

رسالة متأخرة إلى رئيس تحرير مجلة "الفكر"، بمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيسها

Share

كان الفتى فى الغربية فى شتاء 1968 . . .

وكان فتى نحيلا يعانى آلاما مفصلية حادة فى زحام ضباب شتائى باريسى ويمشى . ملؤه الحنين . " هل يذكرنى أهلى هناك تحت لفح الشمس ؟ هل تذكرنى أهلى هناك تحت لفح الشمس ؟ " . شتتته الدراسة والعمل المضنى عند تاجر جبن وحليب وكذلك مشاهدة الافلام ومطالعة المجلات والجرائد والكتب ومعابينة واجهات المغازات المحملة بملايين الصور التى يشتهيها ولا ينالها "من يذكرنى؟" .

منذ شهر أمسك قلما وكتب . حنينه الى أمه والى وطنه دعاه الى تخطيط ملحمة ذات أنغام وصور . صرخ فى النهاية : "نحن هنا يا أمى" . كان ذلك عنوان قصته الاولى التى وضعها فى ظرف كتب عليه عنوان الوطن ، عنوان الحوار مع الوطن ، عنوان اثبات الهوية فى دفتر الوطن ، عنوان مجلة كانت صلته الوحيدة اذ ذاك بمعانى الوطن . . . مجلة "الفكر" ..

ماذا كتب ؟ ولماذا ؟ وهل لفتى في العشرين من عمره متغرب منعزل أن يفيد بكلام أو كتاب ؟ "ان هى الا جرأة لا أدرى ما تبعتها" . كان يذكر بعض اقصوصات وأشعار هربت منه الى صفحات جرائد ومجلات . بعض القصص الاخرى أرست في صفحات "قصص" محملة بأنوار "شمس متقلبة" ، فرحب بها فتيان "نادى القصة" وشيخهم ورحبوا به . لكنه كان يرهب المغامرة فى أسفار "الفكر" . فتى صغير السن يكتب كلاما . منمقا حينا ، موقعا حينا 81                                                                   433

آخر ، طريفا فى كل الحالات . ولكن يتطلب "التجربة والوعى والنضج" على حد تعبير صديقه "توفيق" .

كان "توفيق" شاعرا همشته الفذلكات الاذاعية ، كاتبا طوحت به أرزاء العشق والغربة ، ممثلا لا يجد مسرحا الا فى البيت الذى اكتراه وراء ملهى باريسى حين يجلس الى المائدة مع الفتى . وكان الفتى يكتب ولا قارئ الا "توفيق" . .

- هل تعتقد أنهم ينشرون قصتى ؟

- لعل ... ربما .. ليت ... ولم لا ؟ .. في بريد القراء بلا شك . على كل حال أكتب .. وأترك .. فهذا يلهيك عن مغريات باريس ..

فى زحام ذلك الضباب المتكاتف كانت آلام الروماتيزم تشتد ساعة بعد ساعة والفتى يمشى فى الثلج باحثا فى كشك المجلات العربية عن اسمه فى أحد الفهارس . "ان هم نشروها فان لى أشياء أخرى أريد ابلاغها الى الوطن. وان هم لم ينشروها فانى أعود الى المسرح ممثلا أتكلف التبليغ عن كتابات غيرى ..."

قال "توفيق" مازحا جادا كعادته :

- هم نشروا قصيدة "الاوديسية" لصديقنا "علي" لان أستاذه "جعفر" الذى افتكها منه افتكاكا عضو فى أسرة "الفكر" . أما أنت ؟ فمن يعرفك ؟ ولنفرض أن قصتك أعجبتنى أنا شخصيا ، فهل ذلك يكفى لاعتبارك علما يحق وضع اسمه بين الاسماء التى تقرؤها فى "الفكر" ؟

- أنا لا يهمنى اسمى . قال الفتى : أنا يهمنى أن أحاور أهلى ووطنى ، أن أجعل حنينى يفيض عليهم حتى لا ينسونى أو ينسوك . أنت تدرك أن أقسى ما نعانيه نسيانهم أو تجاهلهم .

- اكتف برسائل أصدقائك .

- لى كلام تتعدى معانيه الى اكثر من كل الاصدقاء . أريد مجالا أوسع من صفحة رسالة . . .

احتد الالم في مفاصل الفتى عندما ادرك أن يكن فى الكشك . "لعل العدد الاخير تأخر . أو لعل كمية النسخ القليلة جاء من خطفها فى  434                                             82

الصباح الباكر" . ورغم الالم والضباب وندف الثلج العابثة جر الفتى رجليه عائدا الى البيت حيث كان "توفيق" ينتظره ...

كان بيد "توفيق" ظرف . وفي الظرف مجلة . ومع المجلة رسالة . صاح "توفيق" .

- نشروها . أجل !! هذا عنوانها وهذا اسمك مرسوم على الغلاف . وهذه رسالة من رئيس التحرير يهنئك ويدعوك الى المزيد من الكتابة . ابتسم على الاقل !

ظل الفتى طوال اليوم مبتسما رغم رعونة رمادية تلف الشوارع . ولم يعرف "توفيق" ان كانت الحمى أو الفرحة هى التى أغرقت الفتى الممدد فى الفراش فى العرق وفى الهذيان . والحقيقة أن الفتى فى تلك الساعة كان رغم زعم الطبيب بأن تورم القلب من جراء الروماتيزم سيقضى عليه ورغم الالم والوحشة والغربة والضباب ورغم الخبل الذى كاد يجرفه وهو لا يصدق ما قرأ ورغم .. ورغم .. ورغم .. يشعر بأنه يولد ...

كان صوتا نكرة فى الضباب . ألهمته تلك الرسالة الممضاة بحبر أخضر كيف يكتب ويكتب للحوار مع الاهل والوطن على مدى الايام . انقشع الضباب والصوت لم يسكت ...

قال "توفيق" .

- سى "البشير" لا يكتب الا بالحبر الاخضر . هل تذكره عندما كان يرأسنا فى "الشبيبة المدرسية" ؟ ...

فى الميل هدأت الحمى . نهض الفتى الى المكتب . أمسك قلما ، كتب : الى السيد رئيس تحرير مجلة الفكر المحترم ... " لكن كل قواميس العالم على اختلاف لغاتها واشتقاقاتها لم تسعفه بلفظ يترجم عن تقديره وامتنانه ...

اشترك في نشرتنا البريدية