" أوف ، ليلتى ليلاء . . ولا شك ، كالليالى الماضية تماما . . استعينى الحيلة أستفلت منى ؟ "
ومضى فى حذر مبالغ فيه إلى الناحية التى رآها تتجه نحوها : وحاول جاهدا أن يعرف المكان الذي استقلرت فيه ؛ وعبثا حاول رجع يجر رجليه جرا . . لا يكاد يكظم غيظة وارتمى على سريره في يأس بالغ . . وقلق كبير
فأنى له أن يهنأ أول هذه الليلة ؟ وكيف له أن ينام آخرها ما دام مصدر السهد قريبا منه ؟
ومد يده فى ارتخاء إلى قارورة الماء تحت منضدته ، ليشرب منها . .
وظهرت على وجهه المتعب أمارات التعجب . فماء القارورة أوشك ان ينفد وما عرف أين ذهب ؟ فهل في الزجاجة كسر ؟ وبحث عن ذلك فما وجد له اثرا وتحس الأرض بأصابع رجليه فما عثر على ماء ينساب . . وتساءل : ألم يشربه هو إثر كل انتصار ؟ إنه لا يزال يذكر إلى الآن انه انتصر أربع مرات هذه الليلة : وانه لم يفشل إلا هذه اللحظة فى المحاولة الخامسة . . ولكنه نسى هل أنه صب الماء فى جوفه المحترق أربع مرات متتالية أم لا ؟ وتعجب كيف أنه لم يشعر بذلك
وراحت اصابع يديه تعبث فى الكتاب الذى فتح من أول هذه الليلة فوق المنضدة . وراح يقرأ بصوت عال لم يلبث أن تخافت قليلا قليلا " Don Juman " . . Don Juan . . SanDond Evire وكرر الاسماء عشرات المرات ، وبعد فترة صمت صاح : " أوف . لعن الله موليار والكتب الكلاسيكية . . ولعن الله النوم والتثاؤب .
إنى لم أتقدم ولو خطوة هذه الليلة ؛ إنى إلى الآن ما فهمت السبب الذى من أجله يترك الحال Don juan فجأة امرأته الشابة :
Dona Elvire كان على أن لا أقرأ أسماء أشحاص التمثلية ولا . الفصول الاولى منها ، فهى دائما عند كل الكتاب غامضة تبعث على الدهش "
واستلقى وهو يتثابب ويفرك عينيه ، مسندا ظهره للوسادة القائمة خلفه والتى تفصله عن الحائط ؛ وراح فمه يعبث بأصابع يده وأظافرها وكان يتساءل
" آترانى شربت الماء حقا دون أن أشعر ؟ أهى حلاوة الإنتصار تنسى المرء كل شئ وحتى نفسه !........ولكن........... مالى شعرت بشربى الماء بعد الخيبة ؟ "
وراح يضحك ويبتسم . . ولم يلبث أن قطب جسينه " أترى هذه الأخيرة مسنة ؟ . لا شك فى ذلك ، وإلا لما أعينه الحيلة في أمرها ، إنها صاحبة تجارب تبذ تجاريه هو "
وبدأت أجفانه تطبق قليلا قليلا ، وبدأ الكرى حملته اللطيفة وإذا به فى صحبة الحسان وسط غابة ظليلة . . وإذا بموسقي رقيقة كنترقة النسيم تبلغ قلبه ولا تكاد تبلغ سمعه ، وينسجم معها ، فينسي الجسان إلا أعينهن وينسى الغابة إلا جوها المنعش ، وينسى نفسه إلا قلبه الدقاق ؛ وإذا به يهتز مع تموجات هذه الموسيقى وتزداد التموجات والاهتزازات ثم تصمت فجأة وإذا به يصبح " أوف . . رجعت إلى . لقد تمكنت منى مبدئيا إن مكان لسعتها لا يزال يحرقني ، وحاول مطاردتها واتبعها . . وإذا بظللها يأخذ أنظاره ، وإذا بها تلوذ بسقف البيت . . ويتجه نحو المرآة ينظر فيها وجهه . وتصطك اسنانه من فرط الغيظ : نفس الوجه بصفرته وبعدم اقتناعه وبحرمانه المتواصل وبخيباته المعهودة . .
ورجع لموليار ، وكتابه : Don juan - وقلمه الذي يعبث به ويخط به عند كل انطلاقة لخياله خطوطا غريبة وصورا عجيبة
رجعت "البعوضة "، من جديد تدور حوله بموسيقاها اللعينة واطردها بيده ولكنها عادت من جديد : " لقد تكررت الان مهاجماتها ؛ اتراها بدات تشعر بضعفى ؟ ها هى تختبئ في ظل يدى من نور الفانوس الكهربائى ، ها هى تغني في أذني . . أوف حيرتني هذه العجوز ! . . ها هى وقعت على يدى . "
ودوى فى البيت صدى وقوع يده اليسرى على اليمني لقد ضربها . ولكنه لم يصبها . إنه سيقتلها لامحالة إن واصلت مهاجماتها
له ! وهل يجد الراحة إن تركها حرة ! . . هى جائعة لا محالة ، بعد نهار طويل قضته فى مخبئها ، لقد أخذ منها الجوع والشراهة كل مأخذ وهى الآن تبحث عن سد حاجتها وشهوتها الدم . . ولكن لو تراها فكرت قليلا فى سوء العاقبة . . إنها تلعب بالنار . . إنها تغامر بكل حياتها . فلو صبرت هناك فى بعض الزوايا ريثما تطفا الانوار وأنام أما كان ذلك أضمن لها ؟ أما تجدنى ضحية لا دفاع لها . . ؟ أما تشبع وتروى وتلعب بكل حرية ؟ . إنها مدفوعة بغريزتها وبالرغم منها . إلى الاكل . . إلى اللذة الحاضرة وما لها والخاتمة . إن آخر الحياة الموت . . فلا كانت الحياة بهذا الجفاف وهذا الانتظار !
- " وما هى يا سيدى حلاوة هذه الحياة إن لم تكن فى الجهاد والتعب والبحث والعمل ؛ والهتك والاغتصاب بالقوة "
- " يا ايتها المجاهدة . . يا ايتها الباحثة ! . أتركينى أعمل الآن لافهم Don juan وكاتبها . ففي ذلك الخير لى ولك "
وحذرها مرة ومرة ، تارة باللين وتارة اخرى بالشدة ولكنها لم تستمع لتحذيره .
ووقعت أخيرا تحت يده .
وامسكها وانتزع جناحيها . وأخذ قارورة الماء بعد أن رمى بجسد البعوضة فوق الكتاب . وشرب جرعة واحدة بل بها ريقه . . وشرع يرقص مع السرير الجالس فوقه . . إنها فرحة الانتصار
وبدأت الاحلام والخيالات تداعب رأسه ، إنه سينام النومة المثلى هذه الليلة ، وسمع البعوضة الاسيرة تبكى بموسيقى حادة ضعيفة ، إنها تبكى لامحالة بدموع سيالة منهمرة على خديها !
لقد بدأت ليلتها مع المغرب ، نهضت جائعة صارخة الجوع . . متشهية سفك الدماء وشربها . اتت فريستها وما صبرت لتجنى الثمر ناضجا . جنته ولم ينضج بعد . ولكن.....آ ...... آه . . ها هى موسيقى أخرى . وها هى بعوضة اخرى . . معاذ الله . . ها هى أخرى . ! نعم . أتراها أختها ؟
ونظر لجسد المهيضة الجناحين يفحصها بعينيه
ماذا جنى من سلبها حريتها ؟ لا شىء
فهل وجد راحته ؟ . . كلا . لا راحة ولا استقرار وها هى اختها قد خفت للانتقام
ونهض ماسكا منديله بيده يبحث عن الزائرة الجديدة عن الضحية المقبلة ؛ وقتلها بسرعة . . إنها لم تعرف البيت بعد
واتت بعوضة أخرى . وإذا به يرجع لعمله وكفاحه . . إنه لم يجد الراحة المنشودة وهذه آسراب البعوض تتجدد طول الليل وتقتحم بيته وهو لا يملك آلة قتل البعوض ولا مادة القتل . .
وإذا به لا يشبع ولايعرف الرى إنه كالبعوض ! إنه يريد أن يقتل !
وتمضى ليلته فى مطاردة البعوض ؛ إنه شغل فكره ووقته . . آين مذاكراته ؟ لقد نسيها . . إنه يوزع ليلته عين المرآة حيث يرى فيها دائما وجهه وحرمانه ، وبين الإنصات لبكاء البعوضة وعذابها ، وبين مطاردة الضحايا الجديدة
لقد آخذ البعوض فكره ؛ لقد أخذت ضحاياه قلبه واقتسمته ؛ إنه يعدد انتصاراته ويذكر جهاده ومحاولاته وظروف حملاته .
وانتهت الموسيقى حينا ، أتراهبا فنيت عن آخرها ؟ . لا يجب أن ينهض ويبحث عنها فى أركان الغرفة الصغيرة . . وبضربات المنديل المدة كان يقضى على كل بعوضة تحاول الاتصال بمخبإ أو تحاول الائتناس بظله . ماله والمذاكرة الآن ؟ سيذاكر في الفجر وعند الزوال . . وفى المساء قبيل انتشار الظلام . أما الليل فهو للمطاردة . . للضحايا وإراقة الدماء
وأخذ قارورة الماء . . وإذا بها فارغة لا شئ فيها واستسلم للخيال والتثاؤب واستسلم قلمه لاصابعه تعبث به خلال شعر راسه .
ولم يلبث أن رمى بالقلم وأغلق كتاب Don juan واستلقى على الفراش بعد أن أطفأ النور . . فمنتصف الليل قريب ، وأسلم جفنية للكرى .
وإذا بموسيقى رقيقة كرقة النسيم تبلغ قلبه ولا تكاد تبلغ سمعه وينسجم معها فنسى للحظات نفسه إلا قليله الدقاق وتنقلب فجاة الموسيقى إلى الاهتزاز المزعج وإذا به في صحبة أقوام غلاظ شداد فينسى كل شئ إلا قلبه المرتحف . . ويحدث بألم فى وجهه ورجليه . ينقشع النوم عنه لحظة فيغمغم " بعوض...... هواجس.......... لقد هزمت........ هزمت "

