الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

غربة أبي حيان

Share

الفاتحة :

لعلى لا ابالغ ، اذا قلت انك ايان ما التقيت بالتوحيدى فى صفحة من صفحات ادبه الغزير الحي وجدت نفسك تنساق اليه انسياقا وسيحرك منه سحر بعد سحر . . .

فطالع صفحة من (( الإمتاع والمؤانسة )) او من (( الصداقة والصديق))  او من (( المقابسات)) او من البصائر والذخائر . . او من (( الاشارات الالهية)) . . . وانت على ذلك لشهيد .

وان هذا الاديب على زكاء شخصيته ، وقوتها لما ينصفه لامكان ولا زمان . فقد تلافظته البلاطات فعاش محروما مغمورا ، وعمل الحسد والنسيان على ان يبقى الى اليوم شقيا منسيا . . . ولكم استمعت اليه يقول ان الحظ والعلم لا يلتقيان فى دنيا الناس . . . فلله دره . . . فكأنما هو يرثى بهذا نفسه وتلك سيماء العارفين . . .

وانا الذى عاشرته طويلا ليعز على ان انسى عهد هذا » الصديق  « الذي قضى العمر يحلم ــــ مثلي ومثلك  ــــ بصديق وفى فما افلح . . عندها راح يبث للقرطاس سره فكان مما كان » كتاب الصداقة والصديق«  . . وانها لصفحات تعبر عن هواجسه صادق التعبير ، وتلتقى فيها معه احلام كل ذى قلب حساس ...

ولعل مما يلفت نظر الاديب الحق ان الصداقة الصادقة لا توجد بين بني الانسان ؛ او قل هي لن توجد على حد ما يفهمه منها اديبنا ، فهو ، على غرار شيوخه واعلام العصر ، يتبنى نظرية ارسطو فى » الصداقة«  ، تلك النظرية التى تقول " ان الصديق آخر هو أنت " أو » الصديق هو انت الا انه بالشخص غيرك«  ( 1 )

وان القارئ الاريب ليلمس في هذا التعريف بالصداقة نظرة مثالية رائعة ، حبيبة الينا جميعا . . ولكن شتان بين الحلم واليقظة وبين المثالية والواقعية

. . . فمن مثل هذا التناقض ستعصف العاصفة فى نفس أديبنا وتهزه هز غريبا لعله أغرب من الغربة نفسها . . .

واذا كان الحرص على اثبات » الأنا « من طبعي وطبعك ، وكان تعشق كل  جميل مثالي من جبلتى وجبلتك ، فبأى حق ارادوا وما زلنا نريد ان نخرس  صوتا هو صوتى وصوتك ونحرمه من التغني بانسانيته وخاصة اذا كان أديبا قد ملك أداة الايقاع كأبى حيان . . . انه تحكم بغيض . . . لذلك اجدني مدفوعا الى ان اسمع له واحكى لك غربته . . .

ولتعلم قبل هذا ان الغربة التى عاشها التوحيدى ، والتى كتبها عليه طبعه ومذهبه ومنافسوه ( 1)  ، ادت الى أن يؤمن ايمان بعض شيوخ العصر . ( كالقومسي وابى سليمان السجستاني ) ان للنجوم تأثيرها فى طبع الشقاء او الخير فى حياة الانسان . . . ومن اجمل ما قاله التوحيدى فى وصف هذه » الحتمية «  التى ضاق بها ، قوله : » فأما حالي فسيئة كيفما قلبتها لان الدنيا لم تؤاتني لاكون من الخائضين فيها والآخرة لم تغلب على فأكون من العاملين لها ٠٠٠ «

* بذور الغربة

وقبل ان احدثك عن فن الغربية عند ابى حيان يحسن ان تعلم بعض العلم بقوله مجملا فى وصف حياته . . . والبيوت لا تدخل الا من ابوابها . . .

فطبع اديبنا الصبيانى يجعله يعترف لك فى لهجة عفوية انه شقى بحكم الطبع والحظ ، وان العزلة كأنما هى قد كتبت عليه ـــ كما سبق ــــ حتى حرم من كل ما يؤنس الانسان من الكون جميعا ، وفى العراق خاصة ، ذلك الوطن » الذي بنى بالماء والطين  « فوطنه واه او قل هو انسان واه فى وطن واه ! فالبيت الذي يبنى من ماء وطين لا يقف للزعازع اصلا ولا تطمئن اليه ايما اطمئنان . . وهكذا ظل صاحبنا يطلب بغير جدوى ولدا نجيبا ، وصديقا حبيبا ، وصاحبا قريبا ، وتابعا أديبا ورئيسا منيبا . . «

ومن اجل هذا او غيره شعر ابو حيان بفراغ مثير ، فراغ ما ان يداخل امرء ! حتى يعصف برشده عصفا ، ويقتلعه اقتلاع النبتة ليطمسه طمسا بعد طمس فى غياهب الوجود . . . وعندها يضيق الصدر ويتفطر القلب ، ويعتصر الروح فتكون وحشة قاتمة . . تلك هى بذور الداء وهذه تباشيره !

ويزيد الطين بلة انه  ـــ مع هذه العزلة الكسيفة ظل يشتغل بنسخ الكتب وهو عمل اقل ما يقال فيه انه » ياتى على العمر والبصر« . . .

* مركب الغربة

والقاريء الأريب يستطيع مهما قصرت تجربته للحياة ، ان يتصور آثار هذا الفراغ الذى الم بأبى حيان . . . انه اصبح يبوح بكل شيء استمعت اليه ام لم تستمع . . إنه تنفيس يدفع إليه المرء ، خاصة إذا كان كأديبنا . قد أكل جسده الفكر الدائب ، والحسرة المشتعلة واصبح يشعر بمعنى » الاستئصال « . . وليت شعري اية هوة اعمق واخطر من ان يستولى عليك شعور بأنك » فرد « ، بل ذرة فى مهب العاصفة يتقاذفك الزمان والمكان فى لهو لعوب . . كان ذلك هو نفس الشعور الذى لازم أبا حيان وطال به حتى اصبحت تلم به غيبوية متجددة تنحل فى أثنائها عقد المعانى وتنطمس لديه حقائق الأمور . . . انها غيبوبة العارفين تكتسي فيها الأشياء كسوة غريبة إلى حد ان يصبح المرء لا يفرق بينها » الا بالاسم الجارى على العادة ولا يجمع بينها الا بالوهم دون الارادة«  ! ( 1 )

تلك حاله في غيبوبته . . . اما اذا ما صحا فأمره الى تكوه مريع . . فالعوز ينكث مرته ، والتفرد ينمي وحشته وأشباح الناس اطلال نتنه تزيد فى غربته . . . ونهاية الحال هو يأس مروح كذاك الذي حدثنا عنه ابن الر وهو يعاتب القاسم

في راحة الياس لى من بغيتى عوض

وحسبي الله مدعي كل منجود

فلن أرى الياس نعيا حين يؤنسني

من سيف كفك بل بشرى بمولود

ولتسمع معي ما يقول التوحيدى ايضا فى هذا المعنى : » ومن العجب والبديع أنا كتبنا هذه الحروف على ما فى النفس من الحرق والأسف . . والكمد . . وذلك لعلمك بحالى واطلاعك على دخيلتى واستمراري على هذا الانفاض والعوز اللذين قد نقضا قوتى ونكثا مرتى ، وافسدا حياتي وقرناني بالأسى . . لأني فقدت كل مؤنس وصاحب ومرفق ومشفق والله لربما صليت فى الجامع فلا أرى الى جنبى من يصلي معى فإن اتفق فبقال أو عصار أو نداف او قصاب ومن اذا وقف الى جنبى اسدرنى بصنانه واسكرنى بنتنه ، فقد امسيت غريب الحال ، غريب اللفظ ، غريب النحلة ، غريب الخلق ، مستأنسا

بالوحشة قانعا بالوحدة معتادا للصمت مجتنفا على الحيرة محتملا الاذى يائسا من جميع ما ترى متوقعا لما لا بد من حلوله . . فشمس العمر على شفا . .« ( 1 )

ولا اود ان اتحول عن هذا المعنى قبل ان اسمعك شيئا آخر يؤكد لك معنى هذا الاستئصال حتى اصبح التوحيدى يشك شك الصبى ، ان يجد انسيا واحدا يعيد اليه الثقة بوجوده فيعينه على بث شجونه ويخرجه بذلك من ظلام عالمه : هو ذا يقص عليك فقدانه للامل وارتعاشه امام جبروت العزلة انه اصبح » قد اكله الخمول ، ومصه الذبول وحالفه النحو ، لا يتمنى الا على بنى جنسه حتى يفضى اليه بكامنات نفسه ، ويتعلل برؤية طلعته فينثر الدموع على صحن خده ، طالبا للراحة من كده . .  .«( 2 )

ومن منا لا يتصور هذه المحنة ، ومن منا لم يعان بعض الوانها ؟ فيكفى ان تنزوى عن الناس بعض الايام وتقطع علاقاتك بهم وسرعان ما تلم بك وحشة جهنمية وتدخل فى حوار مع نفسك والوجود فتسأل وتسأل من انا ! وما اخطره من سؤال وما اثقل صداه على النفس . . انك ما تفتأ ان تشعر بضآلتك أمام الملكوت المحدق المخيف . . . انك ما تفتأ ان تشعر بحتمية رزينة . . لذلك تراك ترفع من صوتك في خلوتك ، او تندفع تغنى بعض الالحان ، او تاخذ فى المشى وتتحرك حتى تسمع وقع اقدامك . . . كل ذلك حتى تطرد عنك هذه الوحشة وتتقى سمومها . . كذلك كانت نفسية صاحبنا في معظم حياته فعانى من الوان الغربة الوجودية ما جعله يهذى هذيان الصبى ويصيح صيحته . . .

. مخاض الغربة

وهذه المعاناة للغربة كانت تودى به لو لم يكسر من شوكتها شغفه بالعلم وشيوخه ، والاقتباس من الحلقات والكتب . . . وان التوحيدى ، على توزع خاطره بين حاجياته اليومية قد اقتبس من شتى العلوم حظا كبيرا حتى بلغت كتبه المذكورة نحو العشرين . . . وانه كان من الذين يؤمنون بان تحصيل العلم زيادة على كونه سلوى ولذة فهو مفتاح من مفاتيح الغيب . . . لذلك واظب على الجمع والاقتباس حتى فى احلك ساعات العمر فيغالب الحرف والوسواس اللذين قد عاقاه طويلا . . . ولولاهما لبلغت آثاره المائة واكثر لماجبل عليه من شغف وصبر ورزق من حافظة نادرة ؛ واليك ما يقوله فى هذا المعنى بعد تفسيره لراى شيخه أبى سليمان فى » نتائج استيلاء المحبة على الاجسام « بما يراه بقى دون الغاية :

ـــ وليس به ( بهذا الشرح ) غني عن بقية بها ينكشف فضل انكشاف ، ونعترف من سجلها اكثر من هذا الاغتراف ، ولكنى قد بلغت هذا الموضع من الكتاب وما بي طرف ولا معي ذهن لاحوال ان شرحتها اثرت الشماته من العدو واعنت العدو على المحب ، وحركت ساكن الخصم الان واسأت الصديق بعض اساءة ، وان كان لا صديق . . والى الله اشكو غربتى وكربتى ومعاداتى لمن لا يسمح ولا يوالى فبيدة تفريج ما القى وتسويغ ما اشقى وهو الولي والمعين« ( 1 )

الان انت على علم من ان ابا حيان قد كبر عليه ان يرى جسده » يمصه الذبول « ونظر اليه مدحورا ، وانت تراه يصفه كما لو يوريه التراب عضوا عضوا . . ولله ما اقساه على القلب ان يرى نفسه يجر جرا الى حفرة غريبة . . .  الحال كما جاء  في الاثر انه كلما شاب ابن آدم شب معه أمله . . .

ولك ان تسأل عن مصير النفس اذا ما خبا الجسم . . . فتمثل حال التوحيدى كحال المهموم النائم متى هدأت اعضاؤه ونام انفتح باب اللاشعور عن احلام مكبوتة ، وتحررت النفس من تدبير الجسد لتعيش مع اشواقها وآمالها . . . كذا كانت نفس التوحيدى : فكلما اكلت من ايامه الايام زخرت حياته الباطنية بخواطر واحلام تنطمس خلالها معالم الاشياء : يمر به الصبح وكأنه المساء و يمر به المساء وكانه صبح ، وينام وكانه يقظان وينتبه وكانه وسنان ، ولماذا ؟ لان وسواس الفكر قد غلب عليه ، والعالمين قد تحالفا على ذاته . . .  وما هو بالهين على عل الانسان حمل وجود واحد فكيف له باثنين ! . .  انه الزلزال الحاصل من توديع شاهد حبيب الى غائب غريب . . . انها اوجاع المخاض حيث يلتقي الماضي والمستقبل ليدفعا الحاضر فى تلافيف الغيب ! (2)

. غربة وغربة

وابو حيان الذى شذ فى اعين الناس وبالتالى فى عين نفسه انتهت به الحال إلى قطع العلائق مع كل ما هو ترابى  . . . وهين عليك الان ، ان تصورت هذا ، ان تفهم ما يحكيه عن غربة الناس وغربته من تناقض غريبا .

لقد اعتاد الناس ان يعرفوا الغربة بانها الناى عن الوطن او البعد عن الألاف والماضى السعيد . . . ولئن اصابوا بعض الحق فى هذا الراى فلانهم قد استغرقتهم بشريتهم وغلبت فيهم المادة على النفس . . وامام هذا لا يخفي أبو حبان عطف كبريائه نحو عشاق الدنيا الدمعاء والمتمرغين فى غلالاتها ؛ واليك ما قاله فى هذا المقام معلقا على البيت التالي فى الحنين الى الوطن :

وما جزعا من خشية البين أخضلت

                     دموعى ولكن الغريب غريب

[ قال ]  يا هذا ! هذا وصف غريب نأى عن وطن بنى بالماء والطين ، وبعد عن " ألاف له عهدهم الخشونة واللين . . . ولعلهم . . عاقرهم ، الكأس بين الغدران والرياض ، واجتلى بعينيه محاسن الحدق المراض ثم كان عاقبة ذلك كله الى ذهاب وانقراض . . . "  (1)

هذه هى نظرة الناس الى الغربة : انهم وثقوا بالحس فاحتكموا اليه . . . اما صاحبنا الذى اصبح بدنه خيالا شاخصا ، وطفت روحه على بشريته فانه لم يرض بغير حاسة الغيب حكما فى مغازلة الغربة وتعريفها . . .   فما هى اذن الغربة الحق ؟!

الغربة الحق هى ان تشعر بمعركة الضيق والسعة فى سرك . . . الغربة الحق هى ان تختنق انفاسك فى سور الارض فتستقل سفينة نوحية لا تعرف قرارا الى عالم عطر زهره خلوب . . . الغربة الحق ان لا ترضى لنفسك برتابة مهما كانت لذاذة عجينتها وتغازل الحديث المتحرك . . . الغربة الحق - كما يقول التوحيدى هى حال " من كان لا سبيل له الى الاوطان ولا طاقة به على الاستيطان "

ولا يذهبن بك الظن فتستنتج من هذا التعريف ان ابا حيان ما زال يحن الى اطايب الحياة . . . وانما هى آخر اوجاع " مخاض " قد طال به . . ولعمرى انها الغربة الوجودية فى معناها العميق حيث يحس المرء بالوحدة الذاتية المطلقة يحملها فى سره اينما سار . . .

فتنة الغربة

وقد تسأل الى متى هذا السير ، وهل من قرار فأى جدوى من اغتراب دائب ورحلة متواصلة فقبل ان أجيبك الى ذلك لتعلم انه لو لم يكن فى هذه الغربة المتجددة الا الطرافة الحاصلة من كل امر حديث ، قريب العهد بالكون لقد كان ذلك من ازكى الحصائل التى يكسبها كل اديب رفيع الذوق . . . وقد تكون هذه النتيجة مشتركة بين عاشق الحياة وعاشق الغربة على حد سواء فلا تتبين طرافة عالم هذا على طرافة عالم ذاك . . . ولكن غربة صاحبنا - كما

وصفت لك - قد ادت به اخيرا الى التفلسف فى الخلق والخالق تفلسفا حصل له منه اطلاع على بعض انوار الغيب حيث شعر " بالامن والقرار " فسحر بها واصبح لا يتمنى الا ان يذوب فيها وتلك هى السعادة العظمى عنده . . .

اما الانسان الذى هو خلاصة عالم " القرار والامن " فى عالمنا فلا يستطيع ان ينعم بالسكينة ابدا . . . وعليه ، ان ارادها سكينة ابدية خالية من الاحزان والاكدار ان ينمى فى نفسه - بالعلم والتفكر - حب كل جميل خالد ويكسر من نزوعه الى كل مادى مهين . . . وبهدا يتحول من هذا العالم الى العالم الآخر ولا يكدر شبح الموت حياته ولا يشعر ابدا باى " مخاض " البتة . . .  واذا آمن الانسان بهذا فانه يجنى ثمرة جهاده منذ كان فى هذه الدار ويصبح يعشق الحياة ويشعر فيها بالسعادة لا لشئ الا لانها حلبة يروض فيها نفسه للسباق بل لفوز عظيم .

اشترك في نشرتنا البريدية