ياآلهي كنت والله جميل الصورة . . صحيح الجسم . . قوى الشكيمة . . ممشوق القامة . . نضر الشباب ،
وكنت والله وجيها . . فما دخلت مجلسا الا تصدرته . . وما حضرت محفلا الا أكرم ذووه وفادتى واحتفوا بي ،
وكنت والله محبوبا . . فأصدقائى لم يكن يحصيهم عد او يبلغهم حصر !
أما الآن . . فقد بارحنى الجمال . . ونبذتني الوجاهة . . وقلب لى الصحب ظهر المجن . . .
الآن تنكرت لي الدنيا . . وانفض من حولى الناس . . فأضحيت منبوذا . . طريدا . . شريدا . . بلا بيت . . ولا أرض . . ولا وطن . . ولامال ،
الآن قد وهن مني العظم . . ورق مني الجلد . . وذوى الشباب . . واضمحلت الفتوة ،
ايها الزمان الغدور . . ايتها الظروف السود الكوالح . . ما الذي جنيته حتى استحق هذا العقاب ؟ ولكن مهلا . . لأكن منصفا مع نفسى مقرا بخطاياى !
فقد كنت والله لوالدي ، عاقا وعليهما فظا . . وكنت والله شريرا آثما فاجرا . . فلم ادع ذنبا الا جنيته . . ولم أبق على وزر الا اقترفته ! اني لمستحق هذا العقاب اذن . . واني به لخليق . . واذن لأبارحن هذه الخيمة السوداء . . ولأنبذن هذا الوجود الشقي ! !
دعوني اسر فى هذه الغلاة . . موغلا فى هذه المفازة ، ممعنا في اجتياز الصحراء ، وان كنت لا أدرى الى أين تدفعني قدماى . والام ينتهى بى المسير ! ! بيد أني مازلت أسير . . ولا بد من أن اسير حتى تهن قدماى ، ويصيب ساقى الكلال والفتشور ، ويتوقف الشريان عن النبض ، والقلب عن الخفوق !
أنا في وسط الصحراء امسيت . . بلا رفيق ولا صديق . . بلا خدبن ولا قرين . . بلا جليس ولا ندم . . بلا متاع ولا ضياع . . بلا ماء ينقع الغلة ، أو يبل الصدا . . بلا
طعام تستريح له المعدة او يسكت له صراخ الجوع ! !
انا منبوذ اذن . . بل أنا ممقوت . ... لا بل مقطوع ابتر في هذه البيداء القفراء ، بلا اقرباء ولا أحباء . . بلا زوجة ولا ولد . . انا الآن وحيد . . وحيد كالوحش . . وحيد كوحيد القرن ! الليل من حولى يدلهم . . والريح تصفر في عتو . . والطبيعة غاضبة جامحة . . والخطب بي يشتد ويأخذ بخناقى . . فاخال كأن بي مسا . . وان دوارا شديدا ليعصف برأسي ويتعنت بى ، فأهوى على الارض لا ابرح . . واجثو على المهاد ، لا اريم . . واذن فما سعيت الا لحتفي ، وما قدمت الا لات تجرع كأس المنون مترعا بالفص ، مفعما بالحميم والغساق ، يا للهول . . كأني بملك الموت يخف لانتزاع روحى من بين جنبى . . مهلا ايها الملك الكريم ! رب لو أخرتني إلى أجل مسمى . لاعمل صالحا فيه مرضاتك . . وأؤدى لكل ذى حق حقه . وأستبدل بالاساءة الاحسان . . و بالرذيلة الفضيلة . . وبعقوق الوالدين البر بهما ، مهلا أيها الملك الكريم بربك . . فما قدمت لحياتي شيئا استحق به المثوبة ، وما فعلت الا ما يؤهلني للسخط والعقوبة ٠ . وما ادخرت من صالح أعصم به نفسى ولا تزودت بالتقوى لآدرا به غضب الله !
غوثاه يا الله . . كأني بالنار تسعر باللهب . . وكانت بجهنم تفح بالشواظ . . وكأني بالملائكة الغلاظ الشداد . . الذين لا يعصون الله ما أمرهم . . يحفون بى من كل جانب . . متحفزين لتنفيذ وعيد الله بي . . والملك . . ملك الارواح . . هتوثب مستوفز . . يرقب اللحظة الحاسمة . . ليطوى من الدنيا سجلى الحلال بالخطايا والآثام .
مهلا أيها الملك الكريم . . فما ودعت بعد
قريبا ولا صديقا . . ان كان قد بقى لى علم وجه البسيطة اصدقاء . . انظرني قليلا وامهلني رويدا . . علنى ابحث عمن يوارى سوءتى على الاقل ويدفن تحت الثرى جثمانى !
ولكن : كيف السبيل الى الاناة والتؤدة إذا جاء الأجل ودنت المنية وبترت الروح وانفصمت وشيجة الحياة ، لا أمل لى اذن . . لا أمل . . اني يائس . . اني قنوط . . اني لمستسلم لا املك غير الاستسلام . . فاقطع مني الوتين ان شئت . . وأرهق منى الروح ان ابتغيت . . ولتكن بها رفيقا ما وسعك الرفق . . ولتجاف الفظاظة سألتك بالله ولتجنب الغلظة . . فليس في طوقي جلد لتجشم الهول . .
ترفق يا ملك الموت بالله عليك . . فاني والله ضعيف . . ضعيف . . ضعيف ،
يا الهى . . اني احتضر . . وها هى ذى الروح نبلغ الحلقوم . . فهل من عاصم وهل من ؟ معاد الله . . فلا عاصم من أمر الله . ولا جدوى لرقية ولا تعويذة . . وان سهم القدر ليوشك ان ينفذ بي . . فها هوذا رسول الارواح قد شمر عن ساعديه . . وها هوذا يستل روحي من بين جنبى فى غلظة وجبروت . . ثم يطوح بى . . ويقذف بأشدانى فى قرار الجحيم ! واني لأحس براسى يرتطم ارتطاما ويدك دكا ، واذا المفاجأة المروعة الكاسحة تذهلني وتفقدنى صوابى .
وانصت محدثي . . وسبح بباصرتيه فى الافق البعيد . . واشراب بعنقه محدقا فى أجواز الفضاء . . وقد علت وجهه صفرة الموت . . واكتست بالكآبة والجهامة . . واستطرد يقول فى خفوت حتى لكان صوته يأتيني من بعيد . . من عالم الارواح
وفتحت عيني يا صديقى. . فاذا انا من فوق السرير وقعت ! فشج رأسي . . واذا الطيف الرهيب قد تأى . . واذا الاشباح المروعة قد غربت عن وجهي . . واذا الحلم المزعج قد صدف عني ، وازور ازورارا . . فحمدت الله . . واعتبرت هذا الحلم بمثابة نذير مبين لى لأرجع عما انا فيه من فى وضلال ! وكأنما قد استجاب الله تضرعاني فردني لأعمل صالحا ! وقد عاهدت الله منذ ذلك الحين على أن أكون له طائعا خاشعا منيبا . . ولوالدى بارا وبهما رحيما . . وللفقراء محسنا وللبائسين معينا .
ومضت حقبة من الزمن على توبة الرجل . . فكانت والله توبة نصوحا . . عرف فيها بالتقوى والصلاح كاتقى ما يكون الصالح التقى . . وطبع بالزهد والورع كأزهد ما يكون العابد الزاهد ، حتى اذا ألف جيش ( منظمة التحرير الفلسطينية ) التحق فدائيا بهذا الجيش . . فقتل من الاعداء خلقا كثيرا . . ونسف مشروعات العدو . . ودمر منشاته . . وأشاع الخراب والدمار فى المصانع وخزانات الوقود وخطوط السكك الحديدية وشبكات المياه . . واستطاع أن يدخل أحد معسكرات الجيش الاسرائيلى فى الليل البهيم ، ويقتل منهم ثلاثة عشر صهيونيا وان يعود الى قاعدته سالما موفورا . . دون ان يستطيع العدو تعقبه أو اقتفاء اثره !!
وما ان أزف يوم ٥ يونيو المشؤوم .. حتى انقلب صاحبنا عملاقا جبارا وبطلا مغوارا . . فقد اقسم لى أصفياؤه وخلصاؤه من زملائه بأغلظ الايمان . . انه فعل بالاعداء
الاعاجيب . . . . فقد اسقط بمفرده خمس طائرات . . ودمر تسع دبابات تدميرا تاما . . واستولى على كمية كبيرة من الاسلحة والذخيرة والعتاد . . حتى إذا أصابت مهجته تلك الرصاصة الهوجاء الرعناء . . واخترقت صدره العامر بالايمان . . واستلبت منه روحه . . نظر القائد الصهيونى الى جثته مليا فى اكبار واعجاب . . ولم يكن منه الا ان امر جنوده أن يؤدى كل منهم التحية فردا فردا لهذا البطل الكبير والعملاق العظيم !
ومرت على استشهاده أيام . . رأيته بعدها فى المنام . . مشرق الوجه . . باسم الثغر . . وضاء المحيا . . فقلت له فى غبطة وقد راعنى ما رأيت : ما فعل الله بك يا هذا ؟ قال في جذل متناه وفي حبور مفرط وفي سعادة نشوى : ادخلني الله رحاب الفردوس وأثابنى بفسيح الجنان !
لا تحسبني اسوق اليك اقصوصة ملفقة . . او اروى لك اسطورة منمقة . . أو أسرد عليك خيالا طاف بالذهن مزوقا . . فلا والله . . وانما هو كان فى الواقع يعيش . . وعلى الارض يسعى . . وخلال الديار يجوس . . ذلكم هو الفدائى الفلسطيني الشهيد ( أحمد يوسف نوفل ) وحيد أبويه ! وان لم تصدقوني فاسألوا عنه سجلات الفدائيين الفلسطينيين . . واستقوا هذه المعلومات من زملائه واقرانه . . واستفسروا منهم عمن آثار الذعر والهلع . . ونشر الرعب والفزع فى سكان تل ابيب . . يأتكم النبا اليقين !
( الطائف )

