ها نحن نحتفل معا بالذكرى الثلاثين لتأسيس مجلة الفكر المناضلة ، لقد جئتكم من العراق لاساهم فى هذا الاحتفال وجاء اخوة آخرون من أقطار عربية شقيقة للمناسبة نفسها وبهذا أصبح الاحتفال بالفكر عربيا لا تونسيا فقط ، وهذا ان دل على شئ فانما يدل على المحبة التى نكنها نحن أدباء العربية لهذه المجلة التى وصفتها بداية بالمناضلة . نعم . انها مجلة مناضلة ولكنها وكما يدل اسمها قد اختارت فى نضالها الميدان الاهم ألا وهو ميدان الفكر .
لقد عرف أدبنا العربى فى شتى أقطاره العديد من المجلات ولكن هذه المجلات وصلت الى كهولتها ونهايتها بعجالة ولعل السبب فى ذلك انها لم تكن مجلات ذات رسالة شاملة تمتلك عوامل التجدد والاستمرار ، ومجلة الفكر اختلفت عن تلك المجلات لانها ولدت ولادة شرعية ، فى وقتها وفى زمنها و كانت الحاجة ماسة اليها وخاصة بالنسبة للظرف الذى كانت تعيشه تونس الشقيقة المهددة بأعداء يحاولون طمس شخصيتها العربية واحلال الفرنسية لغه وتوجها بدلا عنها ، آنذاك انبرى رجل عربى أصيل ليقف بوجه هذا التيار وبوسيلته التى اعتمدها أسلوبا وحياة وهى (( الفكر )) انه الاستاذ الكبير محمد مزالى الذى يشغل الآن منصبا رفيعا على المستوى السياسى أيضا حيث أسند اليه
المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة الوزارة الاولى فى وقت بدأت تونس تلعب دورا كبيرا على المستوى العربى وتحتضن فى ربوعها الجامعة العربية كذلك القيادة الشرعية لمنظمة التحرير الفلسطينية .
أيها الاصدقاء
لقد كان صدور الفكر قبل ثلاثين عاما يعنى ايجاد منبر فكرى ثقافى ، صفحاته مفتوحة لكل الادباء العرب وبكل اتجاهاتهم الفكرية والفنية ، وكانت الفكر وما زالت تجربة ديموقراطية أيضا ما أحوج الفكر العربى اليها حتى لا تكم أفواه ولا تحجب أصوات ! ولو تصفحنا مجموعة من أعدادها لوجدنا أن ما أقوله هو الصحيح والصواب .
لا أريد هنا أن أستعرض مسيرة هذه المجلة فهى مسيرة صعبة حتما ولا يمكن أن تكون غير ذلك ولكن المهم فى هذه المسيرة انها ذلك كل الصعاب وانتصرت على كل العراقيل وتجاوزت المكائد لتبقى وتستمر وتظل كما عهدناها مجلة ديمقراطية للفكر العربى فى هذه الفترة التى يشهد الوطن العربى انحسارا للديمقراطية وتجاوزا عليها كما يشهد مجموعة من الخروقات التى لا تغتفر ، لابسط اخلاقيات التعاون بين دول تجمع بينها روابط الدم واللغة وتنضم لجامعة واحدة لها مواثيقها التى يجب الالتزام بها بكل قوة من أجل شد الازر وترميم ما تهدم .
أيها الاصدقاء
ثلاثون عاما وحماس مجلة الفكر لم يفتر ، ثلاثون عاما وهى ترفد أدبنا العربى بالدم الجديد المتمثل بشعراء وقصاصين ونقاد ، وعلى الرغم من وجود مؤسسها الاستاذ مزالى فى مسؤوليته السياسية فان عينه عليها وان كان قد أودعها أمانة عند زميله فى النضال والفكر الاستاذ البشير بن سلامه الذى هو الآخر يشغل منصبا سياسيا وفكريا مهما هو وزارة الشؤون الثقافية ، وهكذا أصبح للفكر ربانها الجديد الذى يتعامل معها بمحبة لانها مشروع يجب أن يستمر ويبقى .
نعم ، أيها الاصدقاء ، ((الفكر)) مشروع يجب أن يبقى فهى ان ناضلت فى سنوات تأسيسها الاولى لاثبات شخصيتها كمنبر متقدم يحتضن تجارب الادباء
العرب فان هذا الدور سيظل قائما ما دامت أجيال أدبية عربية تولد وتبحث عن المنبر الشريف والحر لنشر أعمالها ولذا نجد دوما على صفحاتها اضافة الى أسماء أدبائنا الرواد أسماء جديدة ، ان الفكر هى أيضا مجلة تعايش الاجيال لا فى اطار المهادنة بل في اطار التفاعل والتحاور الديمقراطى وصولا إلى جعل الثقافة العربية الاصيلة تأخذ حجمها الحقيقى ودورها الريادى الذى عمل الاعداء على تخريبه والاساءة اليه .
أيها الاصدقاء
جئتكم اليوم من بغداد ويوم أمس انطلقت فى كل أنحاء العراق مظاهرات صاخبة ساهم فيها الملايين ولا أقول الآلاف وهتفوا انتصارا لتونس المعتدى عليها من قبل الصهاينة الفاشست وانتصارا لمنظمة التحرير الفلسطينية التى اختارت تونس الخضراء مكانا مؤقتا لاقامة بعض قياديها ومقاتليها حتى يحين موعد العودة الى الارض الام .
ان العراق وهو يخوض حربا ضد العدوان الايرانى على أراضيه لم ينس نونس ولم ينس منظمة التحرير ولم ينس واجبه القومى فى مثل هذه الحالات
واذا كان العدوان الصهيونى قد لحق بتونس اليوم فانه قد لحق بالعراق أيضا قبلها حيث قصف المفاعل النووى العراق وهو المبنى لاغراض سلمية فقط .
فى الختام أيها الاصدقاء أحيي تونس الشقيقة التى لم ترض بالابتزاز ولا بالعدوان من أية جهة جاء وأردد أن عبقرية تونس تكمن فى انها حتى فى لحظة المحنة لا تنسى الفكر ولا الثقافة وخير دليل على رأيى احتفالنا هذا .
وتحية أيضا للاخ الكبير محمد مزالى مؤسس الفكر والاخ الاستاذ البشير بن سلامة ربانها الذى يقودها بدأب واهتمام ، ولكم جميكم محبتى وتمنياتى الطيبة وشكرا .

