الاصيل . . والشمس تحرق الاجساد . . وكهف مظلم ظليل ، لا تطل عليه الشمس ، شهى لذيذ تطبب له النفس بعد العناء والجد . . . ومن بعيد بدأ شبح يقترب شيئا فشيئا . يسوق امامه اشباحا لا تشاكله تبدو متثاقلة متكاسلة كتثاقله وتكاسله ، فاذا هي غنم كثير لا تتصايح قد بدأ عليها الاعياء واذا هو راع لا يلوح عليه حزم الرعاة ونشاطهم قد اضناه السير والقيظ ترامي الكهف له ولاغنامه بركة ماء . . فتسارعت الاغنام وتصايحت وانتابت الرجل موجة فرح واطمئنان . . فستكون الحياة فى غنمه وسيكون الخلق ولكن سرعان ما تراجعت الاغنام خائفة مضطربة ، فاطل الرجل ، فاذا كهف دامس ظليل . . فكر قليلا ولكن شدة الحر منعته من ان يستنفذ كل التفكير . . فاغوته النفس وطابت له الظلال . . لاقم هنا ساعة او بعضها ثم ارحل الى مكان اخر . . حيث يوجد الماء . .
دخل الكهف ومشى خطوات قليلة ومد يده فاذا هى قد ضاعت فى ليل حالك كسواد القبور واذا الظلمة تغشى جسده وكيانه واذا هو كائن حى ذائب فى الظلام ٠٠ .
شعر بركبتيه تتثاقلان . . لقد اضناه السير وأعياه القيظ وبدا له الظلام شيقا لذيذا وطاب له المقام . . فاستلقي على ظهره ينشد الراحة والاستكانة ومرت لحظات قليلة فاذا الرجل يغوص فى نوم عميق كعمق الموت وشهى لذيذ كلذة الجسد
وخرج من واقع الحس الى واقع جديد ترتبط فيه ارتباطا الفكرة بالحس فتولد كائنا جديدا هو كائن الحركة والفعل . . وبدت له غادة جميلة هيفاء ، ممشوقة القوام ، لذيذة لذة الحياة ، فاهتزت حواسه وسال لعابه . فكم اشتهى ان يتزوج حلوة جميلة كهذه . . واستبشر . . وشكر الرب على خلقه واقتربت الغادة وانتصبت امامه ، فروعه حسنها الاخذ ولم يجد فى نفسه قوة الكلام ليقول شيئا . . وظلت واقفة وقوف الملائكة الى ربها ثم ابتسمت ابتسامة الوليد وقالت رأيتك منذ زمن مستلقيا على هذا الظلام فظننت ان لعل بك مرضا او سوءا ، فدنوت منك فاذا انت صلب قوى . تسرى فى شرايينك دماء الشباب ، ولكنك فررت من الحركة والفعل لتلقى بنفسك الى الخلد والاستكانة وما بك هزال او مرض وانما دعتك نفسك الى السكون والهدوء
فرك الرجل عينيه ، واستغرب الامر ، هل هو فى حلم ام فى يقظة والتفت من جديد الى الغادة الحميلة ، فتراءت له قبيحة مفزعة وانتصب الجمال امامه قبحا قبيحا ثم حرك شفتيه ليقول فى هدوء
- بسم الله الرحمان الرحيم . . اعوذ بالله من كل شيطان رجيم وعند ذلك تحدثت الغادة الجميلة :
انا لست بشيطان رجيم ودع ربك فى سمواته . . فانت كعادة الرعاة تاكل الذئاب نعاجكم ، ولا تأخذون العصا ، بل توكلون الامر الى الكلاب ولكن الكلاب اعياها اللحاق فتخاف وتستكين . . وعند ذلك تبسملون وتطلبون معونة الاله . . هذا دأبكم . . ربكم تحت جبتكم .
وغضب الرجل وقاطعها وقد احمرت عيناه
- بالله عليك من تكونين فى هذا المكان قد خلتك شيطانا والشياطين عادة تقطن الكهوف .
وابتسمت اليه ابتسامة هادئة وقالت قلت لك دع عنك فكرة الشياطين . . فانا القوة التى تحرك النفوس أنا التى ادعو الانسان الى الفعل والخلق . فأنا به دوما الى ان اجعله خلاقا تواقا الى الفعل والى ما فوق الفعل فاذا هو غيلان وأنا مياراه واذا هو الانسان وأنا طموحه ، فانا طموحك ايها الراعى ، وجدتك مستكينا كسلان ، شرقيا فى استكانتك وكسلك ، فجئت لاوقظك وابعث فيك من نفسى فتبعث خلقا جديدا ، فقم ايها الرجل ودع كسل الشرقيين وخذ عصاك وابحث عن الخصوبة والماء . . .
وحرك جنبه المتعفر ، فاذا حصاة تؤلمه ألما مبرحا واستفاق فاذا هو قد كان في حلم طويل ومد يده فلم يرها وحرك جسده الثقيل ليقوم ، فأحس ثقل يمنعه من النهوض كأن ضلوعه قد تمزقت فأيقن انه نام طويلا . . . وتذكر انه ترك غنمه ترعى القفر واليبس ، فجثا على ركبتيه واخذ يزحف فارا من الظلام . . وبعد جهد جهيد بدت له فوهة الكهف مستديرة واسعة وحرك عينيه . النور يكاد يجعل فيهما ثقبا عميقا ، وصار خارج الكهف فاذا الزمان لم يتحرك . . الاصيل . . والرمضاء
واعترت الرجل موجة من الحيرة: عجيب ، هل انى لم أنم . . أم هل الزمان لم يتحرك ، والتفت الى ما
حوله . . الاغنام قد اكلتها الذئاب . . الاغنام اكلتها الطبيعة الجافة . . طبيعة الشرق الجافة . . فزع الرجل وصرخ صرخة دوت فى فضاء الصحراء
ومن بعيد عاد اليه صوت رفيق لذيذ . . صوت الغادة الجميلة ، يهمس فى اذنيه . . خذ عصاك واقتل الذئاب . . خذ عصاك وكل الذئاب واخذ عصاه وهرول صارخا الذئاب الذئاب . . لاقتلن الذئاب ، ، لاكلن الذئاب .
واشتد به الحر وتصبب العرق فنزع قميصه وانطلق يعدو عاريا وعلى فمه لعنة القدر . . الذئاب
وفي عشية محرقة مرت دورية اسرائيلية من صحراء سيناء فعثرت على جثة عارية . . جثة الراعى . والقت بها فوق سيارة جيب لتلقي بها - فى احدى الوهاد القريبة .
