الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

قراءة سيميولوجية لقصيدة (( إدارة الحياة ))، لأبى القاسم الشابى

Share

                                   ــــ 2 ــــ (*) وهذه علاقة اصطراع دائم لا يتوقف . ولا ينتصر فيه قطب على آخر . ويظل قائما ومحتدما ما ظلت القصيدة التى تظل حية ما ظل القارىء حيا .

أ - مصطرع المد / الجزر : تتحرك القصيدة داخليا فى حركة متجاذبة جزرا ومدا وجاء ذلك على مدارين :

1 - مدار التوازن ثم كسر التوازن . وهذا مدار انطلق فى صدر القصيدة الذى تحتله ثلاثة أبيات محكمة التوازن :

اذا الشعب يوما أراد الحياة    فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلى         ولا بد للقيد ان ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة      تبخر فى جوها واندثر

وهذه أبيات أحكم سبكها فى نظام توازنى يقوم على أسس تركيبية هى :

أ - المعادلة الشرطية متحركة فى الصدر ومنتهية فى العجز ويكون الشطر الاول كله فى دائرة فعل الشرط . والثانى فى دائرة الجواب . ولا تتداخل واحد مع الآخر . وعندما احتاج الامر الى تمدد جواب الشرط فى البيت الاول . ثم اخضاع البيت الثانى كله لدواعى هذا التمدد وجاء مقسوما قسمة محكمة

على شطرين متعادلين تمام التعادل ، كل واحد منهما يحمل جواب شرط  اضافى للجواب الاول . وكل الثلاثة استهلت ب (لا بد ) متبوعة فى البيت الثانى باسم مجرور ومضارع يأتى منصوبا بأن . وهى عناصر تشترك فيها الاشطر الثلاثة كلها .

ب ـــ اعتمدت الابيات الثلاثة فى علاقتها الداخلية على نظام (العلاقة التضامنية ) (7)  وهى صفة للجمل إذا صار وجود احداها يقتضى وجود الاخرى . وحمل هذه الابيات تعتمد على بعضها لاقامة السياق ، ولو عزلنا احداهما لفقدت قدرتها الاشارية فى ذاتها ، وابطلت مفعول شريكتها  أيضا .

وهذا التوازن المحكم أسس للقصيدة ايقاعا عاليا ، به داهمت القصيدة والقارىء ، وفرضت ايقاعها عليه ، مما يعطيها قدرة تحكمية عالية تمسك كل قارىء وتخضه لسلطانها . ولكن هذا الايقاع بقوته العالية يحمل فى داخله خطورة بالغة على القارىء قد تبلغ حد التخدير ، ان هو استمر على نفس المستوى من القوة . وهذا أمر تم تداركه من الشاعر الذى يملك حسا مرهفا لم يترك القصيدة تتخدر تحت سلطان ذلك الايقاع العالى ، فبادر الى كسر هذا الايقاع بالبيت الرابع :

فويل لمن لم تشقه الحياة           من صفعة العدم المنتصر

وهذا بيت جاء فى قمة الحاجة اليه ، حيث بادر الى تهشيم ذلك الايقاع الذى كان يتجه الى بناء نفسه على آخر انفاس القارىء المكدودة . وفيه نجد خرق الالفة من وجوه عدة نذكر منها :

أ ـــ يتخلى البيت عن المعادلة الشرطية .

ب ـــ يبدأ بجملة اسمية .

ج ـــ يغير وزنه ويخرق قاعدة الوزن التى تأسست فى صدر القصيدة ، خرقا صارما حاسما ، حيث جاءت التفعيلة الاولى فى الشطر الثانى مخرومة ( وهو حذف فاء فعولن ) وصارت على وزن ( عولن ) بدلا من فعولن وهذا عمل أشبه ما يكون بالصدمة الكهربائية لايقاظ الغائب عن وعيه . والشاعر بارتكابه لهذا يحدث فى نفس قارئه صدمة تهزه وتوقظه من سدرته التى دخل فيها بمفعول الايقاع العالى فيما سبق من أبيات . وهذا هو المبرر الفنى لوجودها . بل إنه مطلب فني لوجودها .

اما كيف تم ذلك موسيقيا ، فالظاهر اننا نجد سره من خلال فحص المقاطع . والمقطع الذى سبق هذا الانحراف هو مقطع قصير يتكون من ساكن ومتحرك ( س ح ) وهو التاء المربوطة فى ( حياة ) . والاصل فى هذا المقطع أن يأتى متوسطا مفلقا (س ح س ) (8) وهو السبب الخفيف من ( فعولن ) . ولكنه هنا فقد صوتا ساكنا فى آخره . ولعل هذا جعله معلقا فى لسان الناطق ينتظر صوته الساكن المفقود . والقارىء لهذا يحمله معه معلقا على طرف لسانه ، ولا يطلقه الا مع بداية الشطر الثانى ، حيث يتماسك من أول ساكن يتلاقى معه فى التفعيلة الاولى التى فقدت من أولها مقطعا قصيرا مشابها لهذا المحلق على لسان القارىء ( س ح ) ، ولهذا فانها تمسك به لتتم به نقصها . وهكذا يلعب هذا المقطع القصير ( ة = س ح )  دورين ، فهو يكمل ايقاع التفعيلة الاخيرة فى الشطر الاول ، ثم يطير من فوق لسان القارىء كى يكمل ايقاع التفعيلة الاولى فى الشطر الثانى . وكأن لا نقص هنا . وهذا يخدم غرضا عروضيا . بينما النقص يخدم غرضا فنيا بكسره للنغمة الصارمة للابيات السابقة . وهذا أهم وأولى . والشاعر معجب ببيته هذا وواقع فى اسره ، فكرره مرة أخرى بنفس النمط الايقاعى ( رقم 18 ) مما يدل على اهتمامه بهذا البيت ، وعلى ادراكه لدوره الفني الخطير . وتكرر البيت مرة اخرى جاء عقب جواب طويل صدر من ( الارض ) ردا على سؤال الشاعر لها ، واستغرق ذلك الجواب خمسة أبيات اخبارية ( 13 - 17 ) ثم تلاها هذا البيت وهو هنا محاولة لكسر التوقع لدى القارىء الذى قد يظن ان المقطع سينتهى نهاية رؤوما ، حيث الارض أم الانسان قد تحدثت عن ابنها ولم يبق الا ان تمد له ذراعيها لتضمه اليها ولكنه يفاجأ بها تقول له :

فويل لمن لم تشقه الحياة                      من لعنة العدم المنتصر

وفى البيت تتغير احدى الاشارات عن سالفتها ، فتحل ( لعنة ) محل ( صفعة ) وذلك لكسر التوقع ، الذى هو داء يصيب القارىء بالتخدر ويعطل الانتباه لديه . وليس أولى من ايقاظه بمفاجأته بما لم يتوقعه ، كى يظل منتبها للقصيدة ، ومتصيدا لاشاراتها المتواثبة .

وهذه حركة داخلية فى القصيدة جعلتها دائمة النبض وطرية الايقاع ، الذى يتنوع ويتشكل فى كل لحظة نظنه اطرد فيها . وبذا شعت القصيدة بالحيوية والحركة الدائبة .

تتكرر الانكسارات الموسيقية فى الابيات 56/51/47/45/36 . وكلها  تحدث فى أعاريض الابيات ( التفعيلة الاخيرة فى الشطر الاول ) . ومع مطلع الشطر الثانى كما حدث فى البيت الرابع .

2 - مدار الارتداد :

رأينا تموج القصيدة بالحركة المتوثبة من خلال اشارات الزمن وتقلبها بين المضى والاتيان . وهذه حركة أخذت بالتواصل المستمر مع كل بيت من أبيات القصيدة . ولكن القارىء يلاحظ ان هذه الحركة تتجه نحو السكون عند نهاية البيت ، حيث سيطر على قوافى (10) القصيدة مزاج سكونى من حيث صياغتها التى غلب عليها ( الجمود ) . فعدد القوافى هنا (63) منها اثنا عشر فعلا هى :

اندثر 29/2 . غبر 48/30 . ينكسر 2 . كبر 15 . سكر 20 . عبر 28 . يمر 38 . انتظر 39 . ظهر 51 . سحر 61 .

وست مشتقات صريحة هى :

المنتصر 3/ 18 . المستتر 5 . المستعر 8 . المنتظر 43 . المدخر 49 .

وهذه تمثل الحركة كما رأينا من قبل . وهذا يعنى ان عدد اشارات الحركة فى القوافى = 18 فى مقابل (45 ) اشارة جامدة ، مما يغلب السكون فى نهايات الابيات . اضافة الى ان تفعيلة القافية هى ( فعل ) بسكوت اللام وهذه تفعيلة تحمل الصوتيات التالية : ( س ح / س ح س )  أى ثلاث صوتيات ساكنة ضد اثنتين متحركتين . وهذا يتضافر مع صيغ الجمود فى تهبط حركة البيت . ولكن هذا الهبوط فى الحركة لا يجر الايقاع الى خمود وركود زمنى أو نفسى ، لان القصيدة تنتشل نفسها فى هذه اللحظات لتحدث ايقاعا جديدا

ينبع من حركة الارتداد الداخلى ، الذى يحدث من خلال التكرار حيث نجد خمس عشرة اشارة تقع كقواف مكررة لاربعة وثلاثين بيتا . وهذا بيانها :

القدر 63/1 المنتصر 18/3 الحفر 17/9 الزهر 59/54/41/16 السحر 36/22 الثمر 34/25 نضر 53/27 القمر 60/55/37

اندثر 29/2 الشجر 40/6 أخر 35/10 العمر 50/21 المطر 42/24/11 العطر 47/26 غبر 48/30

وفى هذا البيان نلاحظ تنوع الارتدادات وتعدد تشكلها على وجوه منها :

أ ـــ يغلب الارتداد فى الاشارات ( الجامدة ) ، حيث لا يوجد فى البيان سوى فعلين فقط ( اندثر / غبر ) ومشتق صريح واحد ( المنتصر ). وما عداها فهى اشارات جامدة . وذلك لان الاشارات الجامدة هى التى بحاجة الى التحريك . وجاء التكرار فيها لتنشيط الانتباه عند المتلقى ببعث الحيوية في الاشارة على أساس ان اعادة الاشارة فيها ارجاع لرصيدها فى ذهن القارىء كاقامة للالفة بينهما ، تماما مثل استخدام ( ال ) مع النكرة فى حالة التكرار لتكون  ال العهدية باعثة لرصيد الكلمة فى الذهن .

ب ـــ تواتر تكرار بعض الاشارات وبلغ أربع مرات أحيانا مثل ( الزهر ) وثلاث مرات مثل ( المطر ) و ( القمر ) . وهذه محاولة لاستغلال الطاقة التكرارية فى هذه الاشارات . لانها اشارات يقوم وجودها على التكرر الدائم ( ضد الثبات ) . فالزهر تغير دائم وتجدد . وكذلك ( المطر ) تجدد وطراوة . والقمر حالة مرور دائمة التكرار والتغير . وهى صفة لحالة ذلك الكوكب فى طور تكررى من حالات ظهوره للناظرين ، تختلف من البدر والهلال والمحاق . . الخ . وفى استجلاب هذه الدلالات الحركية المتجددة الى قوافى القصيدة ، استنهاض للحركة لتنمو من قلب الجمود فتنطلق متجاوبة مع مد القصيدة المتوثب ، فيصبح السكون عندئذ تنويعا ايقاعيا يهدىء من وثب الحركة لكنه لا يقتلها ، اذ ما تلبث أن تدب نسناسة من وراء السكون لتتعانق                                             99                                                                                  971

رخية شجية مع مطالع الابيات بعدها فتتخامر مع ما فيها من حركات تتعالى فى وسط البيت حتى اذا ما وصلت الى خاتمته أرخت من اعنتها على سكنات القافية تمهيدا لانطلاقها من جديد . كدورة القمر هلالا وبدرا وهلالا دائرا فى حركة دائبة تسكن قليلا لتتحرك من جديد . وتتحرك لتسكن مرة أخرى وهكذا فى دورة متلاحقة الاطراف لا تنتهى فى نظرنا عند حد .

وهذه صورة ايقاعية لتاريخ الانسان العربى ( حركة ـــ سكون ـــ حركة ) فهو إنسان ( ماضيه حى ) كما هو ايمان الشاعر . وله حاضر ( ميت ) ويتوجه نحو مستقبل يعيد حيوية الماضى . كما هو أمل الشاعر . وسكون القوافى هو مفترق بين بيت ولاحق . أى مفترقنا اليوم بين الماضى والمستقبل والشاعر مفعم بالامل والطموح فهو كلما سكن حركة قصيدته كانعكاس لسكون شعبه ، انعش هذا السكون بافتعال الحركة فيه . ثم بتفجيرها مرة أخرى بالبيت اللاحق .

ج ـــ فى أربع وثلاثين قافية مكررة ، لا يتطابق السياق الا فى أربع حالات فقط ( القدر 63/1 والمنتصر 18/3 ) . اما الحالات الثلاثون الباقية فانها قواف فى سياقات مختلفة . ولهذا دلالة فنية رفيعة جدا . فهو يمثل تحرير الكلمة من سياقها الموروث . واطلاقها حرة تختار هى سياقها الجديد . اى انها ليست هى ذات الشىء السابق أو عينه وانما هى شبيه الشىء ومماثله فقط ، تماما كالمطر يحمل اسما واحدا يختلف عينا . فما يهبط اليوم من مطر ليس هو ما سبق ان هبط من قبل . وللمطر سياق يختلف دوما عن سوابقه . فالغيم والهواء والظرف كلها جديدة ومختلفة . ومثلها الكلمة تأتى وكأنها قد جاءت من قبل ولكنها لم تأت من قبل وانما شبيهتها أو شقيقتها التى لعبت دورها فى وقتها ، وتجىء هذه لتوجد وقتها ودورها وهذا يكسر ما أسسه النقد الوصفى فى صفة القافية كقول المرزوقى (11) عنها : ( واما القافية فيجب ان تكون كالموعود ، به المنتظر يتشوفها المعنى بحقه واللفظ بقسطه) . فالقوافى هنا ليست كالموعود به المنتظر وليس المعنى بمتشوف لها . وذلك لانها هى التى تؤسس المعنى وليس هو الذى يؤسسها . وهى فوق المعنى وسابقة عليه . وليس المعنى هدفا لها كما انه بكل تأكيد ليس سبب وجودها . فهى تتجاوز المعانى بتجاوزها للسياق الموروث وبانفصالها عنه . وهى على يد الشاعر

تتحول من كلمة مقتبسة أو لفظة مستعارة ، الى اشارة حرة طريفة . أى أنها تعود الى أصلها الفطرى ، حاملة امكانية التدليل الحر النقى من أى تلويث ينهك طاقتها . و ( امكانية التدليل الحر ) فيها هى فعالية تصدر من القارىء وليست شرطا مفروضا على الاشارة كما هو المفهوم من كلام المرزوقى الذى يصف ما رآه من شعر مجموع (12) . ولم يكن يؤسس نظرية فى الابداع .

- والوصف غير التنظير . والشاعر عندما يحرر الكلمات ويحولها الى اشارات انما يصدر فى عمله عن حركة لا عقلية يمارس فيها وظيفته مثلما مارس اسلافه وظائفهم منذ زمن المهلهل ، قبل أن يأتى النقاد الوصفيون ليقيدوا الشعر بقيود ليست منه فى شىء .

ان الكلمة كاشارة ليست اتحادا صوتيا ومعنويا ، ولكنها صوتيات مؤتلفة وحسب ، ووجودها يتحقق باثرها الايقاعى على المتلقى . ولو نظرنا إلى واحدة من الاشارات المكررة مثل ( الزهر ) لوجدناها فى كل مرة تقوم فى النفس مقاما يختلف عن مقامها الآخر . ولنقرأ أبياتها الاربعة :

16 ـــ فلا الافق يحضن ميت الطيور             ولا النحل يلثم ميت الزهر

41 ـــ ظمئت الى النبع بين المروج                يغني ويرقص فوق الزهر

54 ـــ فميدى كما شئت فوق الحقول           بحلو الثمار وغض الزهر

59 ـــ وضاءت شموع النجوم الوضاء             وضاع البخور بخور الزهر

وفيها نرى ان ( الزهر ) جاءت اشارة مستقلة مرة واحدة فقط فى البيت (41)  حيث الكلمة مطلقة الدلالة على جنس الزهر . أما فى الابيات الثلاثة الاخرى فهى ( مضاف اليه ) وهذا يجعلها تتحد مع المضاف ـــ لتشترك معه فى بناء الدلالة . و ( ميت الزهر ) هو حالة معينة للزهر ، وليس هو الزهر نفسه . وهو هنا يمثل حاضر الامة ( شعب يومه ميت ) . وهو يختلف عن ( غض الزهر ) الذى يقف على نقيض الميت ، ليكون أملا يأتى مبشرا بعطاء جديد . كما ان ( بخور الزهر ) يمثل الماضى المعطاء . فالزهر لا يكون له بخور الا بعد ان يقتطف وييبس ويعامل بالنار التى تستخلص ما فى جوفه من عبق زاه يفوح بخورا ينعش النفوس ويطربها . وهذا يتم بعد خطى تقدمية

مكثفة تخطوها القصيدة ، التى حكمت على الحاضر بالموت . وقامت باستحضار الماضى لتحريك زمن الامة الى مستقبل يضوع بخورا ونجوما وضاء .

ويبدأ ذلك مع البيت السادس :

ودمدمت الريح بين الفجاج     وفوق الجبال وتحت الشجر

فالريح هنا تأتى بسلطان غاشم يتسلل الى الكون من كل المنافذ / بين / فوق / تحت / . وهذه مداخل لا تترك ركنا ساكنا ولا نفسا دون أن تعصف بها . وقدومها قدوم غضب وعذاب ، فنحن نعرف من ورود ( الريح ) فى القرآن الكريم انها فى حالة العذاب تأتى مفردة ، كقوله تعالى : ( وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ) (13) .

واذا جاءت بصيغة الجمع فهى رحمة كقوله تعالى : ( وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فاسقيناكموه ) (14) .

وعليه جاءت اشارة ( الريح ) هنا حاملة الويل والثبور للجسد الميت فى الوطن الخامل . ولكن القلب الوجل ينط خارج الموات ليتلبس بدماء الشباب . وسينطلق عبر لسان الشابى معلنا لنفسه الحياة ويقول :

10 ـــ فعجت بقلبى دماء الشباب         وضجت بصدري رياح اخر

11 ــــ واطرقت اصغي لقصف الرعود      وعزف الرياح ووقع المطر

ويدخل بذلك فى ألفة مع الكون حوله فهو يطرق مصغيا ، وهذه حالة صفاء ومحبة وانتشاء . ولذلك فانه لا يداهم بريح تدمدم ولكنه يتلاقى مع (رياح ) تعزف ، لانه خرج من دار الاثم والخطيئة بريئا نقيا كخروج لوط من سدوم ، فسلم من الريح ، ولقي الرياح والرحمة . ويستقبل المطر الذى ينزل عليه نزولا موقعا ( ووقع المطر ) فى تناغم مع عزف الرياح . فالمطر والرياح الكونية تأتى متجاوبة مع الرياح الناهضة فى صدر الشاعر الذى هو الوطن

بدماء شبابه الجديد الذى يتجاوز عصر الريح ، ويدخل فى عصر الرياح اللواقع التى تمد الزمن ببذور تحملها من الماضى المجيد ليحبل بها رحم الآتى فيمتد العطاء وينمو .

ولكن الامر ليس بهذه السهولة ، ولذا فان حلم الشاعر يظل معلقا بين الرياح ، وما يلبث طول التلهف فيه ان يضنيه فينشف منه الريق بعد أن يخطو خارج البيت التاسع والثلاثين فيرفع كفيه مستنجدا : ( 40 ـــ 43 )

ظمئت الى النور فوق الغصون    ظمئت الى الظل تحت الشجر

ظمئت الى النبع بين المروج        يغني ويرقص فوق الزهر

ظمئت الى نغمات الطيور         وهمس النسيم ولحن المطر

ظمئت الى الكون اين الوجود ؟   وأنى أرى العالم المنتظر ؟

وهذا اتحاد كامل بين الماضى والمستقبل من حيث إنه وصف لفردوس ونعيم هو ماضى البشرية عندما كان أبوها آدم فيه قبل أن يقترف الاثم ، ويهبط الى الارض . كما ان ( الفردوس ) مستقبل للنفوس الصالحة تجد فيه عوضا لها من عنت عيش مر عليها . والشاعر ظامىء لهذا الفردوس الذى يصوره لنا وكأنه يراه مستدعيا إياه من ذاكرته ، ومتخيلا له كمستقبل للامة . ولذلك يشتد الظمأ ويضغط على القصيدة . وهو الحاجة الى الماء الذى هو سبب الحياة كما فى الآية الكريمة : ( وجعلنا من الماء كل شىء حى)  (15) .

وهنا تأتى منافذ الوجود مطلبا للحياة . فالاشارات ( الى / فوق / تحت / بين ) فى هذه الابيات تتخلل عناصر الفردوس ( النور / الغصون / الظل / الشجر / النبع / المروج / . الخ ) ، لتربط هذه العناصر مع بعضها البعض كى ينفذ الشاعر عبرها الى ماء حياة . وهذا يقف فى مغايرة للمنافذ السابقة فى البيت السادس ، حيث النقمة والغضب من الشاعر ومن الحياة ضد الموت .

وهذا الظما الذى يداهم القصيدة ، جاء لان الشاعر يقف بمفرده أمام دواعى الحياة ، ولذلك فانه حينما يتنبه الى حالته تحت لهيب الظمأ ، يتدارك                                        103                                                                                  975

الحال بأن يتوجه نحو الامة فى محاولة للانتصار على العطش ، فيقدم الحياة للأمة :

52 ـــ إليك الفضاء إليك الضياء                       إليك الثرى الحالم المزدهر

53 ـــ إليك الجمال الذى لا يبيد                       إليك الوجود الرحيب النضر

انه يعرض على الامة فردوسه الذى حلم به ليجد الجميع نبع الماء فيرتوون مجدا وحياة ، ويعد الامة إن هى فعلت ذلك قائلا :

54 ـــ  فميدى كما شئت فوق الحقول        بحلو الثمار وغض الزهر

55 ـــ وناجي النسيم وناجي الغيوم           وناجي النجوم وناجي القمر

56 ـــ وناجي الحياة وأشواقها                وفتنة هذا الوجود الأغر

وهذه الابيات المقتبسة تحمل اشارات متكررة ذات تردد سريع ومتلاحق دون فواصل فيما بينها ( كما فى اشارات القوافى المكررة ) . ولذلك يشتد التعاهد فيها اذ ما يلبث المتلقى ان يخلص من واحدة حتى يجد الاخرى تمسك به ، مما يقوى حركة القصيدة ويضاعفها . ولا يدع فرصة للسكون ينتابها من داخلها . فصار الارتداد هنا تلاحما واندفاعا . وحول الاصطراع فى القصيدة الى تفاعل يتفجر فى روح المتلقى الذى يقع فى أسر النص ويتلبس به ويصبح ( أثرا ) له يتحرك كالمسحور تحت سلطان السحر(*) .

اشترك في نشرتنا البريدية